..تلك الدّواوير التي تنهض في العُمق الْمَنْسِي أخيرا ترى بعض الوُجوه الغريبة عن الْمنطقة..يتقدمهم خمسيني بربطة عُنقٍ حمراء، حازما يديه خلف ظهره،يضع نظارات فوق أرنبة أنفه،تتدلَّى أمامه بطن مستديرة،يترجل من سيارته السّوداء الرُّباعية الدَّفع،خلفه رجال غِلاظ طوِيلِي الْقَامة،يمشون بخِفَّة يتلفتون يمْنَةً ويسْرةً..يقترب من منزل الفقيه” حدُّو”،
فيخرج هذا الأخير مسْرِعا يتعثر في مِشْيَتِه، وهو يسرع لاستقبال الرَّجل الْغَريب عن القرية المحاط بحراس يتبعونه كظِلِّه..لا تسمع سوى ” نعم السِّي ..نعم السِّي ..أيِّيهْ..موجود..”.
الطَّريق إلى الدَّواوير اليوم يتسربل بأعلام، ولافتاتٍ ترحب بالْوفد الرَّفيع المُسْتوى الَّذِي تكرَّم بزيارة الْقرية الْمُكافِحة.
الوصول إلى الدَّواوير أشبه بالطَّريق إلى مغارة الْمَوت الَّتِي كانت تحكي لنا عنها الجدة ” عُلَيَّة” ، رغم ما أنفق عليها من جيوب السَّاكنة الذين يتجرعون ويلات الْفُصُول الْقاسِية ..في فصل الشِّتاء، تتحول الدَّواوير إلى مداشير منسية معزولة ويجوع من يجوع، ويخطف الموت من يخطف، وينجو من ينجو ..
نساء تلك الدواوير لا يعرفون المتاجر الفخمة ولا الصالونات ولا المستشفيات ..كلما أعلنت دورة الحياة عن موعدها تنتدب ” اللاَّ فاطمة ” لهاته العملية؛ حتى باتت أُمّا للجميع،اليوم تقترب من العقد السَّابع،بدأت صحتها تعتل وتسلل إليها داء النقرس، وفقدت جزءا كبيراً من أسنانها، فقصدت حجَّام الدُّوار الْمُجاوِر لتركيب طاقم أسنان؛ الذي كلما بدأت بالحديث إلا وأعلن تمرُّدَه فتزحزح من مكانه،حتى بات أطفال القرية كلما أرادوا إزدراء طِفل إلاَّ وينادونه: ” يا فم مّي افاطمة ..احْضِي فُمَّك لا يدِّيهْ الْمَا ..راهْ جَايَّا الحملة..” ..وتتعالى الضَّحكات.
قبل أسبوع من زيارة الوفد، تناهى إلى الساكنة، والسَّاعة تعلن عن وقت الهَجيرِ أنَّ الدوار ينبغي أن يتهيأ لاستقبال الوفد وعلى كل أطفال القرية الحاملين لكتاب الله أن يكونوا في موعد استقبال الوفد،أما الفتيات فعليهنَّ التدرب على الأهازيج المحلية تحت إشراف ” العايْدِية” التي ذاع صيتها في حفلات الزفَاف والتي ترافق مجموعة ” الهِيت والشُّيوخ”.
الوفد يقترب من المداشر والزغاريد ترتفع أيضا..والأطفال الصِّغار بجلابيب بيضاء، قد تزينوا وهرعوا عبر الشِّعاب والوِديان لاستقبال هذا الزائر الرَّفيع المستوى الذي سمعوا عنه من طرف القائد ” مُوحَنْد أُوعْلِي ” ..سباق مع الزَّمان وفي مسجد الدوار أبواق على غير العادة انضمت لبوق الصَّومعة اليتيم.
واُستدعيت “أم الخير ” من الدُّوار المجاور لتشرف على إعداد الطَّعام،فاللَّمة كبيرة وفخمة ونحرت الْعُجُول، ورؤوس من الأكباش،وحرصت نساء القرية على تزويد “أم الخير” بما يكفيها من زبيب مجفف وبصل نُحَاسِيٍّ، وغير بعيد من دار القايد ” امحند اوعلي ” نُصِبت الْخِيَام وفُرِشَتْ الزَّرابي”.
ها هو الوفْدُ يقترب والنِّساء يزغردن وطلقات الْبَارود تتَعالَى..وهِمَّةُ القايد ” امحند أوعلي” لا تفتر..يعلق على أحدهم : ” الزِّيارة يا سيدي همة وشان، ودُوارنا راه مَرْضِي ومَاغادي يخَصُّوا حتَّى خِير شدُّو الهِمَّة وَزَيْرُوا الرِّجال..نعَول عليكم تحمرُوا لِيَّا وجْهِي ..ويا ويلو اللِّي ما تقادش معايا،،شنو غادِي يشوف ديال الويل مني..”.
السِّي أحمد الهروي،في شبه خنوع ..نعم السِّي كلامك هو اللي كاين ..كُلْشِي مقاد ..كلشي كيف تبغي”، يتبعه وأنفاسه لاهثة ككلب صيد تعب من مطاردة فريسته..ويواصل الكلام :” السمع والطاعة، اللي قالها سيدي تتنفذ بالحرف..علاش أنا هنا ..كُونك هاني آسِيدي”.
علاش أنا هنا ..كونك هاني آسيدي..لحم كتفنا من خيرك..”.