استهلال:
تميل الذاكرة الشعرية العربية عند تناول “الأم” إلى تذويب فرديتها لصالح “الرمز الكلي” (الأرض، الوطن، الأصل)، مما يفقدها سياقها التاريخي والاجتماعي.
يقدّم ديوان «فريدة… جدارية أمي اللي باعت عفشها» للشاعر سعيد شحاتة انزياحًا جمالياً جذرياً، حيث يعيد صياغة “شعرية الأم” عبر تحويلها من “موضوع شعري” مستهلك إلى شاهد نصي وذات فاعلة.
تركز هذه الدراسة على فرضية مفادها أن الديوان يؤسس لـ جماليات التواضع من خلال التركيز على التفاصيل اليومية واليومية بوصفها وحدات دلالية حاملة لمعنى أخلاقي وجمالي.
من الناحية المنهجية، يعتمد التحليل على مقاربة مزدوجة:
● تداولية: تحليل الأفعال الكلامية، المخاطبة، والنداء، ووضعية المتكلم والمخاطَب.
● سيميائية: قراءة العلامات اليومية والأشياء البسيطة بوصفها عناصر دلالية كثيفة.
1. سيمياء الأشياء المادية: العفش والستر كأبنية دلالية
1.1 دلالة “العفش” يمثل “بيع العفش” في الديوان علامة على التضحية المطلقة لصالح الأبناء. الخلو من الأثاث يتحول إلى كثافة أخلاقية متناهية، إذ يصبح الفعل ذاته وثيقة للصمود اليومي.
1.2 الأدوات اليومية في قصائد مثل “الستر”، تتحول أشياء مألوفة (الكوز البلاستيك، هزة اليد لإذابة السكر، الملس الأسود) من مجرد أدوات مهملة إلى أيقونات كفاحية.
الشاعر لا يستعير من الطبيعة (كالورود أو النجوم)، بل من المطبخ والحجرة الضيقة ليصنع بلاغته الخاصة.
2. المقاربة التداولية: بنية النداء والاعتراف
2.1 أفعال الكلام (النداء) يبتعد الديوان عن الرثاء التقليدي، ويعتمد على استراتيجية الاستحضار المستمرة.
استخدام النداء المباشر: “يا فريدة” و”يا أمي” ليس توجيهًا للغائبة، بل فعل خطاب يثبت حضورها كشاهد على النص.
2.2 الحوارية (التعدد الصوتي) يمنح الشاعر للأم مساحة للتعبير بصوتها الخاص، غالبًا بالعامية المصرية.
هذا يحوّل القصيدة من مونولوج ذاتي إلى حوار إنساني مستمر، ويكسر صدمة الغياب، ويجعل التواصل مستمرًا رغم الموت.
3. البنية السردية و”الجدارية”: الخصوصية طريق العالمية
3.1 الميكرو-سرد يعتمد سعيد شحاتة على حكايات صغيرة: لحظة بيع قطعة أثاث، موقف في مرضها، دعوة ليلية. هذه الأحداث البسيطة تشكل الملحمة الإنسانية لفريدة.
3.2 تحطيم الرمز تسمية الأم بـ”فريدة” تعكس رفض التعميم، لكن المفارقة الجمالية أن هذه الخصوصية تفتح النص على بعد كوني: كل قارئ يمكن أن يجد في “فريدة” صدى كفاح أمه أو جدته، فيصبح النص وثيقة إنسانية عامة.
4. شعرية الغياب: الصمت والبياض النصي
4.1 جماليات الحذف يستخدم الشاعر الصمت، الوقفات، والنهايات المفتوحة بوصفها أدوات دلالية. الحزن في الديوان ليس انفجارياً، بل هادئًا ومترفعًا، متوافقًا مع شخصية الأم التي عاشت بصمت ورحلت بصمت.
4.2 وظيفة الصمت التداولية والسيميائية الصمت ليس نقصًا، بل علامة على حدود اللغة أمام الفقد. يوضح هذا التوظيف أن النص يثمن الاعتراف بالحدود اللغوية ويمنحها قيمة جمالية.
5. الخصوصية كجسر للعالمية
على الرغم من الطابع الفردي للتجربة، لا يغلق النص على الذات.
الأم، كشاهد اجتماعي، تمثّل نمطًا واسعًا من النساء اللواتي قدّمن حياتهن قربانًا لاستمرار العائلة.
النص لا يدّعي التمثيل، بل يسمح للخصوصية أن تصبح مرآة إنسانية يمكن لأي قارئ أن يجد نفسه فيها.
6. خاتمة رؤيتي النقدية:
يقدّم ديوان «فريدة» نموذجًا مغايرًا لكتابة الأم في الشعر العربي المعاصر، من خلال:
● تحويل الأم من رمز إلى شاهد حيّ وفاعل نصي،
● اعتماد التفاصيل اليومية بوصفها وحدات دلالية،
● استخدام الصمت والبياض للنص كأدوات جمالية أخلاقية،
● خلق علاقة تداولية مستمرة بين الشاعر والمخاطَب.
الأم في الديوان ليست استعارة، بل ذاكرة حيّة تحكم اللغة من الداخل، وتفرض على الشعر تواضعه، وعلى المعنى أن يُقال بقدر ما يحتمل.
إن خصوصية تجربة “فريدة” تجعلها مرآة للإنسانية جمعاء، حيث يجد كل قارئ صدى كفاح أمه أو جيله.
7. المراجع :
جلوم، إبراهيم.
من الأسطورة إلى النص. دار الفارابي.
سميور، تشارلز. مقدمة في السيميولوجيا. ترجمة: سعيد يقطين. المركز الثقافي العربي.