المقدمة:
يشكّل الشعر العربي المعاصر فضاءً خصبًا لاستكشاف التجربة الإنسانية بابعادها كافة ، بدءًا من العلاقة بين الفرد والآخر، مرورًا بالوعي الأخلاقي والسياسي، وصولاً إلى التصورات النفسية والوجودية. في هذا السياق، تبرز نصوص مجيدة محمدي كأنموذج للنثر الشعري المعاصر الذي يجمع بين العمق الرمزي والتجريب اللغوي.
نص “قفازات” ينطلق من صورة ملموسة: القفاز، الذي يبدو في الظاهر أداة حماية جسدية، يتحوّل في النص إلى رمز متعدد الدلالات يمتد من الجسد إلى الفكر والضمير والذاكرة، ومن الفرد إلى المجتمع والوطن. القفاز -هنا- ليس مجرد أداة، بل رمز أخلاقي وجمالي وفلسفي، يعكس الصراع بين الانكشاف والحماية، بين العري الكامل والقفاز الكامل، وبين الفعل والضمير.
البنية الرمزية للقفاز:
١. القفاز كعلامة متعددة الدلالات:
يبدأ النص بتقديم القفاز كأداة حماية، لكن هذه الأداة تتجاوز وظيفتها المادية لتصبح علامة وفق مفهوم رولان بارت، إذ تحتوي العلامة على عدة مدلولات : السلامة، الحماية، العجز، وأحيانًا الغطاء الرمزي للأخطاء الإنسانية. تقول الشاعرة:
(إمنحونا قفازات قبل أن تلمس أيدينا هذا العالم العاري. قفازات لكلّ الاستعمالات، للطبيب كي لا تنتقل رجفة الموت من جسدٍ إلى جسد، للمهندس كي لا تلتصق الخرائط بجلده وتخونه الزوايا، لعامل النظافة كي لا يفضحه القمامة أمام مرآة الصباح).
نلاحظ هنا أن كل مهنة لها وظيفة حماية محددة: الطبيب يحمي من الموت، المهندس يحمي من الخطأ، وعامل النظافة يحمي من الفضائح اليومية. من منظور سيميائي، يمكن ان نعد هذا التوزيع شبكة دلالية تربط الفرد بالواقع عبر الرموز اليومية، وهو ما يعكس إدراك الشاعرة الاجتماعي للنظام البشري والصراع اليومي الذي يواجهه كل فرد في المجتمع.
٢. القفاز والبعد النفسي:
يتجاوز النص القفاز المادي ليصل إلى البعد النفسي: حماية الروح من الألم والفضيحة والخيبة. القفاز هنا يصبح رمزًا للرحمة الذاتية والضبط النفسي، إذ يحمي الإنسان من الانكشاف المباشر للعالم الخارجي. كما أن النص يربط القفاز بالضمير والذاكرة، في إشارة إلى أن الفعل الأخلاقي يتطلب حماية وترويضًا داخليًا قبل التعامل مع الآخرين.
القفازات كأداة اجتماعية:
يعرض النص فئات اجتماعية متعددة، بدءًا من الطبقات العاملة وصولًا إلى النخبة، ويحدد لكل فئة نوع الحماية الذي تحتاجه:
(وقفازات أخرى لامعة، ناعمة، لعارضات الأزياء يخفين بها تشققات الروح تحت الأضواء، وللأميرات كي لا تتّسخ التيجان بعرق الرعيّة ولا تجرحهنّ الحقيقة).
يتحول القفاز – هنا- إلى رمز للحماية الاجتماعية والنفسية، فهو يحجب الألم والفضيحة والوعي بالواقع. من منظور التحليل البنيوي لغريماس، يمكن النظر إلى القفاز كعنصر في وظيفة الحماية أو العائق الرمزي الذي يوازن بين الفرد والمجتمع، إذ يظهر أن الطبقات الراقية تحمي نفسها بالرموز، بينما الإنسان العادي (ملموس) أمام صعوبات العالم.
اللمس والفعل الأخلاقي:
يؤكد النص على فعل اللمس كرمز مركزي للأخلاق والمسؤولية:
(نحن أناس بلا قفازات، لمسنا كل شيء مباشرةً فنزفنا. لمسنا الفكرة فصرخنا، لمسنا الجسد فانكسر المعنى، لمستنا الوطن فعلق الطين في أظافرنا واتُّهمنا بالخيانة).
يمكن ان نعد فعل اللمس -هنا- إشارة إلى التفاعل المباشر مع الواقع، وما يترتب على ذلك من أذى أو خطأ. يعكس النص بواسطة هذه الفقرة التوتر بين الشعور والوعي الأخلاقي، فيظهر أن الإنسان يتعرض للجرح لأنّه يتفاعل مع العالم بلا أدوات حماية، وهو ما يربط بين البعد النفسي والفلسفي للأفعال اليومية.
اللغة والأسلوب الشعري:
اولا: النسق النثري والإيقاع
تعتمد الشاعرة على النسق النثري الحر، ما يتيح تدفق الوعي والتجربة الشعورية:
(نحن مذنبون، نرتكب أخطاءً بيدين عاريتين، نصافح الكراهية ثم نتعجّب من سخونة الدم).
يعزز التكرار – هنا- الإيقاع النفسي ويجعل المتلقي يعيش شعور القلق والخوف من الفعل، كما يخلق صدى داخليًا يربط النص بالوعي الأخلاقي.
ثانيا: المقابلة الثنائية
توظف الشاعرة أسلوب المقابلة الثنائية بين العري والقفاز، بين الحقيقة والنفاق، بين الانكشاف والحماية. هذا الأسلوب يعكس فلسفة وجودية، ويجعل النص مساحة للتأمل في التوتر الدائم بين الحرية الشخصية وقيود المجتمع.
القفازات والأحلام والذاكرة:
تتوسع دلالات القفاز لتشمل الذاكرة والرؤى والأحلام:
(إمنحونا قفازات من مطاط الرحمة لذاكرتنا، قفازات من صوف الصمت لهذه الرؤى المشتعلة، قفازات شفافة للضمير كي يرى دمه ولا ينكره).
يربط النص -هنا- بين الفعل اليومي والفعل النفسي، موضحًا أن الحماية لا تقتصر على الجسد بل تمتد إلى الروح والضمير. من منظور كريستيفا، هذا يعكس العلاقة بين الجسد واللغة، فيمتد أثر الفعل الجسدي إلى مستوى رمزي ومعنوي، ويكشف عن هشاشة الإنسان أمام الواقع.
التوتر بين العري والقفاز:
يختتم النص بالثنائية الجوهرية:
(بين العري الكامل والقفاز الكامل تضيع إنسانيتنا. فاعذرونا إن طلبنا قفازًا مثقوبًا قليلًا، يحمينا ولا يعزلنا، فقط يخفف الألم).
هنا يتحقق التوازن الرمزي: القفاز المثقوب يعكس الحاجة إلى حماية متوازنة، تحمي الإنسان من الألم دون أن تنفي إنسانيته. ويذلك يعكس النص توتر الإنسان بين الانكشاف والحماية، بين الفعل والضمير، بين الحرية والقيود، وهو ما يعكس فلسفة وجودية أخلاقية عميقة.
القفاز كمرآة للواقع الاجتماعي والثقافي:
لا يعكس النص الصراع النفسي للفرد فقط ، بل يتناول الواقع الاجتماعي والثقافي للشعر العربي المعاصر، مبواسطة توظيف الشخصيات والفئات المختلفة. الطبقات العاملة، النخبة، وحتى الحلم والرؤى كلها تصبح أداة لقراءة المجتمع، حتى يظهر أن الإنسان يفتقد الحماية الرمزية في كل لحظة.
الخاتمة:
يمكن القول إن نص “قفازات” لمجيدة محمدي يقدم تجربة شعرية متكاملة بين السيميائية البنيوية، النقد الاجتماعي، والفلسفة الوجودية. القفاز هنا ليس مجرد أداة حماية جسدية، بل رمز للحماية النفسية، الأخلاقية، والاجتماعية. وبواسطة التكرار، المقابلات الثنائية، وتوظيف الشخصيات المختلفة، تكشف الشاعرة هشاشة الإنسان في مواجهة العالم، وضرورة حماية الفكرة والكلمة والحب والذاكرة.
كما ويعكس النص تجربة شعرية تتجاوز الجماليات الشكلية لتصل إلى العمق النفسي والاجتماعي والأخلاقي للفرد والمجتمع، ويضع المتلقي أمام توتر الإنسان الدائم بين الكشف والحماية، بين الفعل والضمير، بين العري والقفاز، ما يجعله نصًا متكاملًا من الناحية النقدية والسيميائية والفلسفية.
—
النص الاصلي
قفازات
إمنحونا قفازات
قبل أن تلمس أيدينا هذا العالم العاري.
قفازات لكلّ الاستعمالات ،
للطبيب
كي لا تنتقل رجفة الموت
من جسدٍ إلى جسد،
للمهندس
كي لا تلتصق الخرائط بجلده
وتخونه الزوايا،
لعامل النظافة
كي لا تفضحه القمامة
أمام مرآة الصباح.
وقفازات أخرى
لامعة، ناعمة،
لعارضات الأزياء
يخفين بها تشققات الروح
تحت الأضواء،
وللأميرات
كي لا تتّسخ التيجان
بعرق الرعيّة
ولا تجرحهنّ الحقيقة.
نحن أناس بلا قفازات،
لمسنا كل شيء مباشرةً
فنزفنا .
لمسنا الفكرة
فصرخنا،
لمسنا الجسد
فانكسر المعنى،
لمسنا الوطن
فعلق الطين في أظافرنا
واتُّهمنا بالخيانة.
نحن مذنبون ،
نرتكب أخطاءً بيدين عاريتين،
نصافح الكراهية
ثم نتعجّب
من سخونة الدم.
نقتل يوميًا أشياء صغيرة
دون قصد …
طمأنينةً كانت تنمو قرب القلب،
سؤالًا بريئًا
كان يلهو في الفم،
حلماً نسي أن يرتدي قفاز النجاة.
علّمونا كيف تُلبس القفازات للأفكار قبل أن تتحوّل إلى سكاكين .
للكلمات قبل أن تصبح محاكم علنية .
للحب قبل أن يتحوّل إلى حيازة.
نحن متوحشون لأننا نلمس،
ونرتكب الجرائم
لأننا نشعر أكثر مما يجب .
إمنحونا قفازات من مطاط الرحمة
لذاكرتنا
قفازات من صوف الصمت
لهذه الرؤى المشتعلة،
قفازات شفافة
للضمير
كي يرى دمه
ولا ينكره.
فنحن نخاف من أيدينا
حين تفيض بالحقيقة،
ونخاف أكثر
حين نرتدي قفاز النفاق
ونصافح العالم
ببرود مهذّب.
بين العري الكامل
والقفاز الكامل
تضيع إنسانيتنا.
فاعذرونا
إن طلبنا قفازًا مثقوبًا قليلًا،
يحمينا
ولا يعزلنا،
فقط ، يخفف الألم