تمثل القصائد الثلاث: “صرخة أم”، “كورونا وباء أم بناء؟!”، و”عشتِ يا وطني” في ديوان قبل فوات الأوان للشاعرة سميرة رشيد، لوحة شعرية متكاملة الأبعاد، تجمع بين البوح الفردي والهمّ الجماعي والوجد الوطني. وعلى الرغم من بساطتها في المبنى، فإنها عميقة في المعنى، صادقة النبرة، قريبة من القارئ بلغة مباشرة تلامس الوجدان.
أولاً: صرخة الأم
في قصيدة “صرخة أم” ينكشف صوت الشاعرة مثقلاً بالجراح، مفعماً بآلام الأمومة حين تصطدم بالعجز وقسوة الواقع. الكلمات قليلة، لكن الصدى واسع، صراع بين الصمت والكلام، بين اليقين والشك، بين الأمل والانكسار. إنها قصيدة قصيرة كأنها تنهيدة، لكنها تختزن تجربة إنسانية مألوفة: ألم الأم حين ترى أحلامها تتبعثر أمام عينيها وهذا ما جاء في القصيدة معبرا عن حجم الجراحات:
عجز لساني عن الكلام
وسقطت مني العبارات
واختفى الإهام
ثانياً: الوباء كاختبار للإنسانية
أما قصيدة “كورونا وباء أم بناء؟!”، فهي شهادة على لحظة إنسانية مشتركة عاشها العالم بأسره. الوباء هنا ليس مجرد مرض، بل ريح عاتية لا تعترف بجوازات السفر ولا الحدود. سقطت أمامها الفوارق بين عربي وأعجمي، غني وفقير، مسلم ومسيحي.
ريح لا تفرق بين عربي أو عجمي
ولا بين فقير ولا غني
النص يلتقط جوهر التجربة: وحدة المصير الإنساني، وهشاشة الحضارة أمام قوة الطبيعة. وهو في الوقت نفسه يلمّح إلى إمكانات البناء والتضامن التي قد تنبثق من قلب الأزمة.
ثالثاً: الوطن كملاذ
في قصيدة “عشتِ يا وطني” ننتقل إلى فضاء مختلف: فضاء الانتماء والفخر. الوطن هنا ليس مجرد جغرافيا، بل كيان حيّ يتزين بالزيتون واللوز والصنوبر، وتبتسم رماله في وجه الصحراء. النص يربط بين جمال الطبيعة وعمق التاريخ، فيغدو الوطن لوحة تجمع الأصالة والامتداد، ملاذاً للذات بعد كل ألم وعاصفة.
بين الفردي والجماعي
ما يجمع هذه النصوص الثلاثة هو رحلة الذات الأنثوية في مواجهة العالم:
تبدأ بالجرح الشخصي للأم (“صرخة أم”).
ثم تنفتح على الجرح الجماعي (“كورونا”).
وتنتهي بالاحتماء في الهوية الجماعية (“الوطن”).
بهذا التدرج يتخذ الشعر بعداً علاجياً: من البوح الفردي إلى التأمل الكوني ثم إلى الانتماء الوطني.
خاتمة
إن ما يميز هذه القصائد ليس تعقيد الصور أو زخرفة اللغة، بل صدقها وبساطتها. فهي نصوص قريبة من القارئ، تحتفي بالإنسان في ضعفه وقوته، في وحدته وجماعيته، في حنينه وانتمائه. وبين الأم والوباء والوطن، تظل الكلمة الشعرية شاهدة على قدرة القصيدة النسائية على أن تكون صرخة ودواءً واحتفالاً في آن واحد.