في البدءِ
كانتِ الريحُ،
وكان بحرٌ
يتقاطعُ فيه ظلامُ اللُّجَّة
ببياضِ الإشراق.
وكانت أمشاجٌ
من رطبٍ ويابس
تُصاغُ
في رحمِ الأفق.
وكان الماءُ / البحر،
وكان الطينُ / البرّ.
أمرتِ الريحُ البحرَ
أن يمدَّها بالنوارس،
وأمرتِ البرَّ
أن يُفتّت الصخر
حتى يصيرَ رمالًا.
ثم أمرتِ النوارس
أن تبيضَ
على الشاطئ الممتدِّ
حتى حدود الوادي،
فامتلأ الساحلُ
بيْضًا.
أخذتِ الريحُ
تفقسه،
وتخلطه بالرمال؛
عجينًا عجيبًا
تحوّلَ
إلى أسوارٍ شاهقة.
فقالت للأسوار:
كوني سدًّا منيعًا
بين هيجانِ الماء
وخوفِ الإنسان.
…………….
قالتِ الريحُ للبحرِ والأرض:
هاتوا اسمًا
لمقامي.
اقترح البحر:
مو
واقترحت الأرض:
دور
واستنطقتِ الريحُ الغابة،
فانتزعت منها
حرفًا حيًّا:
غا
وجمعت الأسماء:
مو + غا + دور
فكانت:
موغادور.
ثم تُرجمت
في اللسان البشري
إلى صورتها المصغّرة
من البحر والبرّ:
الصويرة.
…………….
صارت أمواجُ الأطلس
تبني لأسوار البيض
ذاكرة،
وصارت المدينة
مقامًا للريح،
تحمل إليها السفن
ما تبقّى
لسلْطانٍ
تحدّى الزمن
بين استواءٍ
وطرفةِ عين،
سلطانٌ
يمسك مُلكه
بين المِنسأة¹
والهاوية.
…………….
دخلها الصُّويريُّ
يتلحّفُ
أصولَ الرياحِ المتشابكة:
من جنوبٍ
يجيءُ بالأهازيج،
ومن شمالٍ
يُملّحُ القلبَ
بالبحر.
حملتْهُ ريحُهُ الأولى،
فامتزجَ الأمازيغيُّ
بالعروبيِّ،
حيحيًّا
وشيظميًّا،
وتشابكا
كحبالِ المرافئ
تشدُّ
سفينةَ الهوية
إلى صدرِ الموج.
الصُّويريُّ
دفّةٌ
لسفينةٍ
تُجيد الريحُ قيادتها:
منها…
وبها
طاف الاسم.
…………….
فتحت الصويرةُ
أبوابًا للبرّ،
وتركت للبحر
بابًا واحدًا:
سان ديو.
كُتب على الأبواب:
طهّر روحك،
فأنت
في حضرة الريح.
تعدّدت طرقُ التطهير،
فتعدّدت سُبلُ التكفير.
ومُنح لكل صويريّ
مفتاحُ سرّ الريح:
«قويبعة أهاه
مريبعة أهاه…»³
وظلّت الريحُ
تعزف سمفونيتها:
ترحّب بالقادمين،
وترثي المغادرين.
غادر سان ديو
المدينة
نحو وعدٍ مشؤوم،
فأُغلق الباب الوحيد
المطلّ على البحر.
من أغلقك
يا سان ديو؟
افتح نوافذك
على الملح،
ودعِ الموج
يغسل ممرّات القصبة،
ودعِ النوارس
– دراويش الماء –
تُعلّم الهواء
نقرَ الأجنحة
في الحضرة،
وتنشر
رائحةَ السردين.
ودعِ الأطفال
ينقّبون عن “العقرايش”⁴
في ثقوب الصخر،
كأنهم
ينقّبون
عن فتات اللوح المحفوظ
قبل الطوفان.
انفخي
أيتها الريحُ
في جمر التنّور قليلًا،
فلعلّ
حُقَّ المربّى الكبير
إذا اهتزّ
أبلغ السماء
استواءَ العقرايش.
…………….
في سوق “واقة”
يقف السواقة
مقامَ شاهدٍ حيّ:
مرتعُ العيس
القادمة من الصحراء،
الباحثة عن منفذ
لِبحر الظلمات.
وبين الجدران
ترقد الصفقات
القديمة / الجديدة
في خزائن الرطوبة،
تمنح للتاريخ
أختامه،
وللسفراء
أوراق اعتمادهم.
ريحُ المدينة
لا يشعر بقيمتها
إلا من لسعه الجمر
وتطهّر
بماءِ البحر،
أو من أيقظ
سريرة الصويرة.
……….
مئذنةٌ
ترفع الأذان
فوق الساعة،
في وجه البرّ
والبحر
معًا،
تعبر أبواب المدينة
منادية:
اعبروها
بالروح
قبل الجسد.
المراكب
عند تخوم الجزيرة
تنام
على أسرار الزوايا:
لا ترسو…
ولا تبحر.
والمريدون / المحاربون
يذوبون
في حلقة الذكر
كما يذوب الملح
في اليمّ:
«اذكر بقلبك،
الروح مع الذات،
لعلّك
تُسقى
من “تغارت”⁵
ساداتي…»
ومعابد اليهود
تحفظ من الصمت
ما لا تحفظه الألسنة:
«باروخ عطا أدوناي…»⁶
……….
إيقاعاتُ الهجهوج⁷
وألوانُ جناوة القزحية
تستعيد للريح
مهابتها،
فتنصت العاصفة
للغيبوبة
إكرامًا
لثَقَلَي أهل المكان.
يهبط القادم
من برج الحضارة،
شعرُه منسدل
كغصنٍ
في مهبّ الوحي،
يرسم قلبًا
على الرمال،
يحرسه
من الريح
والبحر،
بعزفٍ حزين
على قيثارةٍ
مدوّزنة
على سُلّم
دخانٍ مقدّس،
مردّدًا:
No Woman, No Cry
كأنه
يصنع طقس
“الذيابات”
الأخير
قبل الجلاء.
…………
هنا
مَهبطُ الإلهام،
واستراحةُ كل فارس
يتأبّط قلمًا
ليغزو الخيال،
ومهدُ الصديقي⁸،
وارث إيقاظ السريرة،
ابنُ الطين
والخيال،
يرقص،
ويرسم،
ويُجسّد،
ما يزال
يتعقّب دينارًا
أضاعه
أبو الفتح الإسكندري
في الطريق
المؤدّي
إلى الكشف،
كأن الجمجمة
“قريعة الأنبياء”
تنبعث
على لسان التوحيدي،
وخلخالٌ
من لجينٍ صويري
يتداول
“بنصف ريالة”،
محوّلًا “الصقالة”
إلى ركحٍ مفتوح
لكل الزوّار.
……………
ضدّ كل الجرفيات
التي نُظمت
لعناتها
منذ القرون،
تظلّ الصويرة
مدينةً
تُكذّب
مقادير الطوفان.
قالوا:
إنها لقمةٌ سائغة
للبحر،
لكنها
أودعت نفسها
عند كل الآلهة،
وحملت سرَّ البركات
على ظهر الغيب،
ووقفت
لا طلبًا للنجاة،
بل اتّساعًا
لسرّ
“بركة محمد”⁹.
……….
الصويرة مقام الريح:
مدينةٌ
تحرسها الغيوم
من فوق،
ويحرسها التاريخ
من تحت،
وتلوذ بها الأرواح
الواقفة
على الأعراف
بين نارٍ
وسلسبيل.
تخطو،
فتلسعها الريح
المحمّلة
بحبيبات الرمل،
تحت ضوء
فنار البحر
الهارب.
—–
الصويرة مدينة مغربية شاطئية على المحيط الأطلسي لها تاريخ قديم منذ الفنيقيين ..تعتبر اليوم معلمة سياحية يقام فيها سنويا مهرجان موسيقى جناوة وهو نوع من الموسيقى يمتد جذوره الى أعماق أفريقيا ..كل التقدير لمشاركتم هذه الكلمات ..