«ثِقْ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْهَادِئَ أَقْوَى مِنَ الصِّيَاحِ، وَإِنَّ التَّهْذِيبَ يَهْزِمُ الْوَقَاحَةَ.»
وِلْيَم شِكْسْبِير
لُطْفِي رَجُل يَمْشِي فِي الْحَيَاةِ كَمَنْ يَحْمِلُ قَدَحَ مَاءٍ مُمْتَلِئًا حَتَّى الْحَافَّةِ؛ خُطُوَاتُهُ مَحْسُوبَةٌ، وَحَرَكَاتُهُ مُتَّزِنَةٌ، وَكَلَامُهُ خَافِتٌ كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ فَوْضَى الْعَالَمِ النَّائِمَةَ. لَمْ يَعْرِفِ الصِّيَاحَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ دَلِيلُ قُوَّةٍ، بَلْ كَانَ يَرَاهُ عَجْزًا مُقَنَّعًا.
فِي عَالَمٍ يَعْتَبِرُ الضَّجِيجَ حُجَّةً، كَانَ لُطْفِي يَعْتَبِرُ التَّهْذِيبَ مَوْقِفًا. وَفِي زَمَنٍ صَارَتِ الْوَقَاحَةُ فِيهِ سُلُوكًا يَوْمِيًّا، بَقِيَ مُتَمَسِّكًا بِهُدُوئِهِ كَأَنَّهُ آخِرُ مَا تَبَقَّى لَهُ مِنْ كَرَامَتِهِ.
شَعَرَ بِالْحِصَارِ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي صَفِّهِ. فِي الْعَمَلِ كَانُوا يَرَوْنَ صَمْتَهُ ضَعْفًا، وَفِي الْمَجَالِسِ يَعُدُّونَ هُدُوءَهُ بُرُودًا، وَفِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ أَصْبَحَ مَحَلَّ سُخْرِيَةٍ خَفِيَّةٍ. تَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةٍ لِلتَّنَمُّرِ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ قَالُوا لَهُ ضَاحِكِينَ:
«اِرْفَعْ صَوْتَكَ… لَا نَسْمَعُ الضُّعَفَاءَ!»
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، لَا لِأَنَّ صَوْتَهُ خَافِتٌ، بَلْ لِأَنَّ آذَانَهُمْ تَعَوَّدَتْ عَلَى الصَّخَبِ فَقَطْ.
فِي اجْتِمَاعٍ صَاخِبٍ، تَصَادَمَتِ الْأَصْوَاتُ كَأَمْوَاجٍ هَائِجَةٍ، وَتَسَابَقَ الْجَمِيعُ عَلَى مَنْ يَصْرُخُ أَكْثَرَ. صَمَتَ لُطْفِي، وَفَتَحَ دَفْتَرَهُ، وَكَتَبَ بِخَطٍّ هَادِئٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً:
«عِنْدَمَا يَعْلُو الصِّيَاحُ… يَمُوتُ الْمَعْنَى.»
لَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ. كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْفَوْزِ فِي مَعْرَكَةِ الضَّجِيجِ.
فَجْأَةً، اِنْقَطَعَ الصَّوْتُ. تَعَطَّلَتِ الْمِيكْرُوفُونَاتُ، وَسَادَ صَمْتٌ مُرْبِكٌ. فِي ذَلِكَ الصَّمْتِ النَّادِرِ، قَالَ لُطْفِي بِهُدُوءٍ وَاضِحٍ:
«الآنَ نَتَحَدَّثُ.»
اِبْتَسَمَ فِي سِرِّهِ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ مَشْكِلَتَهُ لَمْ تَكُنْ فِي صَوْتِهِ،
بَلْ فِي عَالَمٍ لَا يَسْمَعُ إِلَّا إِذَا صَرَخَ…
وَلَا يَفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْمُتَ….!
19.يناير.2026م.