أواخر تشرين حيث السماء تلملم غيمها، ليحل الظلام الغزير لولا البرق الذي رح يلتمع في السماء بين الفينة والأخرى كاشطاً عن ليل المدينة هيبتها. وصل متخفيا الشاب فلاح لم يكن مسلحاً رغم أن هيئته توحي لمن يراه، فلاح المثقف اليساري وقد انضم الى المتظاه0رين من شباب تشرين ضد النظام مع صديقة له تدعى امل ، وصل متاخرا فوجد امل تنتظره بلهفة ، دلف فرجة مضيئة من الخيمة وقد راحت اقدامه تطأ بخفة ارضية الخيمة المواجهة للمتاريس الواقفة قرب جسر الزيتون ، جاء بمعطفه الطويل وحقيبة يحمل فيها كتب ليقتل فيها الوقت اخر الليل ، اول الامر ظل واقفا يروح ويجيء، ليزيد امل حيرة وخوفاً غالب الأحيان، حاول جاهداً صرف انتباهها عن مايجري حيث المواجهة ستكون عصيبة مع الجنود.
الى الجوار سمع أنيناً مكتوماً بالقرب منه وعندما سال قالوا له انه سمير وقد اصيب بطلق في ساقه ، فلاح كان معجباً به، وبشجاعته ، وحين سمع بحديث الهجوم الليلة وحرق الخيم ، صمت طويلا كانت روحه قلقة من تلك القصص التي تحاك حولهم، التجهيزات كانت مخيفة بشكل لا يصدق ،انتصف الليلة حيث اختلط الأنين الذي يسمعه بالشخير والنوم اللذيذ لبض الاصدقاء بعد انتهاء نوبتهم .
فلاح تحسس جيب معطفه ليخرج علبة التبغ التي كانت تلازمه ايام الظروف الصعبة ،الشباب في الحقيقة كانوا شجعاناً بالقدر الذي يجعلهم يمتلكون الرغبة في الدفاع عن تلك الخيمة، لدرجة أنّ النظام أصدر عدة قرارات تحظر على الشباب دخول تلك التجمعات إلا برخصة وأذن منه.الجنود تتوافد خلف المتاريس على درجة من ممارسة القتل وممارسة كل الرذائل ضد المتظاهرات باسم تصحيح المسار ومحاربة الخيانة ، كأنما هذا السلوك منوط بهم، أو لربما جبلوا عليه.
اول الفجر عمّ صمت رهيب وقد أرخى شعاع بسيط بظلاله على المدينة ، وقفُ فلاح امام امل وكانه يودع المدينة ، كان بريق عينيْها يوقفه ، بينما راسها يتحرك فيثير بخصلات شعرها الأشقر الفاتح المُسترسل على سجيّته ليغطي صدرها العريض النّافر، فلاح كان يتبرَّم ضيقًا لقتل الشباب وصمت الاعلام المُطبق، وقد امتلأ صدره ضيقًا وحنقًا على مايجري من عدم توازن كفتي الصراع ، بعد إطفاء الإنارة في الخارج، وَقْعُ صوتٍ أجشٍّ اِقتحم المخيم بفظاظة، بدأت حشود الجنود تقتحم المخيمات الرابضة وتقذق بقذائف النار عليها . كان الحدث وكأنّه مطرقة تطرقُ الرؤوس، اهتزّ جسم فلاح بعنفٍ انتفاضًا، اِعْتدل ليفسح لرلسه الخروج والنظر للمشاعل المقذفة باتجاههم ، فقد كانت حارقة ولاهبة ، دعَك عينيْة ليتاكد لما يجري وقد اِسْتعاد شيئًا من وَعْيه، لاحظ أنَّ خُيوط الشّمس مع بدايات شُروقها تسلَّلت عبر الشارع المطل على النهر ؛ لتضيء بالنور ودماء الشهداء تلك الارصفة المبللة ، نادى على امل باعلى صوته والنار تحرق هامة الخيمة ،حاول جاهدل ان يسحبها خارجا بخُطوات بطيئة مُتثاقلة ، أحسّ بتوقّف أنفاسها وهي تختنق ، وجهها مازالت عليه آثار النوم و بعض التعب. توقفا وسط الطريق وقد يبدو الإجهاد باديا عليهما. توقف نظره على وجهها، بينما الدخان يحتد لونه الرمادي على محياها.
ووجهها اليوم وبعد عقدين وقد مر الزمن مسرعا مضيئا ، تبتسم بابتسامة صباحية، منشرحا، أجلس أمام مكتبي ، وهي تحضر قهوتي الساخنة ، بينما احضر حزمة من الاوراق ادون مذكراتي واللحظات العصيبة التي مرت بنا وفقدان صديقنا فلاح الذي استشهد في ذلك اليوم ، خلف النافذة ينتشر شروق الشمس فيغرق الغرفة بالحب وحديث لايمل لايام خلت ، ربما كان اشراقة امل الحياة وقد صار وجهي ..