غادة هيكل :
كلما نظرت من الشباك رأته يتطلع إلى وجهها المليح ، وكلما التفت فى جهة وجدت نور وجهه يراقبها وكأنه منثور كالدر فى الجهات الأربع ، هكذا كان حلمها وهكذا كانت رؤيتها كما قال لها مفسر الاحلام الشيخ خلف ، أنها رؤيا ، سرحت فى ملكوت ربها ، وغفلت عما يدور حولها وحملت السر بداخلها فالشيخ خلف قال لها: لا تبوحى بسر رؤياك لأحد وإلا فقدت النعمة التى وهبها لك المولى عز وجل ، فخافت على عطية ربها التى منحها إياها ولكنها لا تدرى ما هى ، عكفت فى محراب حجرتها ومنعت نفسها القوت إلا القليل الذى يعينها على العيش ، واتخذت من القرآن الكريم صديقا لها ومؤنسا ، وحرمت على نفسها مباهج الدنيا وزينتها ، قلقت الأم على ابنتها لمّا طالت غيبتها عن الدنيا والمشاركة فيها ، وقالت أنه قد اصابها مس ولابد من زيارة لأولياء الله الصالحين ، فكان أول طوافها على الإمام الحسين ، كانت هذه أول زيارة للفتاة
لأحد الأولياء الصالحين ولم يكن قلبها يصدق أن مثل تلك الزيارة والتضرع إلى الله بواسطة أولياءه سوف يكون له أثر فى قلبها ،ولكنها وافقت على مضض بعد إلحاح شديد من أمها الملتاعة عليها ، وعندما اقتربت من البرواز الفاصل بين الضريح وبين الوافدين ،انتفض جسدها وكأن اصابها ماس كهربائى ، فتبتعد لتهدأ وتعاود الكرة مرة أخرى فيصيبها مااصابها ، وظنت الأم أن عليها غضب من الإمام ، ولا يرغب فى اقترابها منه ، فدعت هى لها بالشفاء مما بها وانصرفا ، ولكن الأم لم تشأ الإنصراف خالية الوفاض ، فذهبت إلى حارس الضريح وعادت تخبئ شيئا في جعبتها ، وعندما سالتها ابنتها لم تجبها ، وفى طريق خروجها تعثرت بأحد المجاورين للإمام ، بدا لها شيخ كبير فى السن مهلهل الثياب كثيف اللحية ،ولكنه يشع من وجهه نور لا يبارح نظرها كلما أدارت وجهها رأته ،تشبث نظر كل منهما بالآخر لحظات ،جذبتها الأم من ذراعها ومضت ، وعادت إلى وجومها ، أكملا زيارة باقى اولياء الله كالسيدة نفيسة وغيرها وعادت إلى بيتها ،لم تنم ليلتها متقلبة فى فراشها وصورة واحدة تراود خيالها كلما أغلقت جفنيها ،صورة هذا النور الذى يطوف بها عاليا ثم يتركها لتقع بين غياهب ظلمات فى بئر سحيق ، وبين النور والبئر، يقف الشيخ الذى راته عند الحسين يحاول ان يلتقطها من النور وأن ينتشلها من الظلام ، ومع نسمات الفجر كانت قد غفت من ثقل جفنيها ، وعند صحوها وجدت آثار ايدى الشيخ وهو يمسك بها ويحاول اجتذابها وقد تركت آثارها على ذراعيها ،فأيقنت أنها لابد من عودتها للبحث عن الشيخ حتى تفسر ما ترى ،واسّرت فى نفسها ما يحدث لها ، طلبت من ألام رغبتها فى العودة إلى الحسين كى تدعوا الله أن يشفيها ،استجابت الام لطلبها ،وحمدت الله أن ما أخذته من أثر قد أعادها .
تسير وعيونها تبحث فى الوجوه عن النور الذى يلازم حلمها وتخفى وجهها من الظلام الذى يشدها وما بينهما ألم بين الحين والآخر فى ذراعها ، وصدر يضيق بأسرار لا جواب لها ،كلما توقفت جذبتها الأم من ذراعها فيزداد الألم ولكنها تسير ، حتى وصلت إلى الضريح واقتربت من الفاصل فجذبها بشدة نحوه والتصقت يدها بالجدار ،وتشبثت هى الأخرى به خشية أن يلفظها ، وأمتد النور إليها من الجهة المقابلة يغازل عيونها حتى أغلقت جفنيها من شدته ، فهاتفها همسا ،إنى رسول العاشقين فى رحاب آل البيت من نشروا الحب وآمنوا به ، اليوم قد امتلأ قلبك بالحب وصدق بالمحبة ، وآمن بوجود المحبين ، وهنا أفاقت من غفوتها وجذبها نور المحبين من بئر الظلام فانطلقت نشوانة غامرة بالحب للمكان وللزمان وللمحبين والمجاورين ، خرجت تهرول نحو الحياة فوجدت الشيخ وقد علت وجهه ابتسامة الرضا وأضاء جبينه نور المحبة ، فسكن قلبها محبته وسألته عن أثر يديه على ذراعها ،فقال لها ، لست أنا من فعل ذلك فما أنا إلا مجاور مأمور بنشر الحب فى قلوب التائهين عن مثواه ، عادت إلى بيتها وعلى عتبته وجدت الشيخ يقف وقد تحول شابا فتيا مهندم الملبس جميل الطلة باسم الثغر ينتظر من يفتح له الباب كى يطلب يدها من ابيها ، فسألته هل أنت من مجاورى الإمام الحسين ؟
قال: بل أنا من يسكن قبالة بيتكم .