طه حسن
طه حسن :
بعد شهور، استطاع “عبد الخناس” أن يتشبع بأساليب رئيسه في العمل، و يحذو حذوه في كل شيء. استوعب وصفاته كاملة وألم بجملة من أسرار الحرفة ومخاطرها. تمرس على العضاض بأسنانه… حتى تغلغل في البيروقرطية، فتمثل مفارقة العيش بجسده في القرن الحالي، و بعقلية ضاربة في عهود الاسترقاق والاستعباد… . بدأت المصالح تنحو منحى الملاعب والمرابض. أصبحت مواصفات الدواب الطيعة تتسرب إليها. أخذ عبد الخناس ينظر إلى مرؤوسيه نظرة دوك ولكر (Dog Walker). ومن خلال هذه المواصفات، شرع في ترتيب معايير الجودة المشروطة في عينات منها بإفراغها من معانيها الأصلية، ليمنحها مدلولات تخدمه وتقوي سلطته وتعزز نفوذه : يكون االمرؤوس ناضجا عندما يتخلى عن كرامته، صبورا عندما يصبح ذلولا، شهما لما يتمسكن بين يديه، مرغوبا فيه عندما لا يعصي له أمرا، إنسانا حقا لما يتحول إلى مجرد آلة…، ليتساوى عنده الإنسان – الآلة، والحيوان – الآلة، والأداة – الآلة…
استمد مشروعيته من بيروقراطية رئيسه المستنسخة بدورها من زمن الشافات السابقين… .أخذ يفقد مدارك الثقافة حتى لفظته من محرابها ليكتسب خيالات واسعة في الحيل والمكر والخداع…، ثم بدأ يتجاوزه إلى مكائد ودسائس أكثر دناءة، مخاطبا إياه في نفسه: “سترى كيف أن سيدتي وسيدتك دابة الحاسوب التي لا تجيد ركوبها ستورثني سلطة العقاب والتحكم في الرقاب…، أنت لا تفقه شيئا، سأوريك ما أعرف…”…
استهوته السلطة جسدا وروحا. أضاف إلى المعايير المقلوبة وصفات أخرى من صنعه. أخذ يختبرها على المرؤوسين ليتحقق من مدى نجاعة تسلطه عليهم وقدرته على إخضاعهم لإرادته بدون أبسط ردة فعل: ” يتمودر” من حين لآخر من خلال جلجلة الوعد والوعيد، يلازمه عدم الرضى عنهم جميعا، يأمر هذا أو ذاك بالهرولة في أروقة الشركة لتنفيذ عمل ما، يطلب منه الجلوس أمامه في المكتب بدون حركة، يهتف إليه على رأس كل نصف ساعة، يستدعيه على رأس كل ساعة، يسأله عن عدم وجوده بالمكتب في الدقيقة العاشرة بعد الساعة التاسعة صباحا، وفي الدقيقة العشرين بعد الساعة الرابعة مساء، يطلب منه بأن يسرع في تصوير الوثائق، يلومه لأتفه الأسباب إلى حد القدح، يصرخ في وجهه كلما شاء، يستدعيه وقت الخروج من العمل، ينذره بصوت منخفض، يطرح عليه أسئلة تؤرقه في اللحظة وتقض مضجعه إلى صباح الغد، يرغمه على أن يأتي كل صباح بشوشا ذلولا، وإلا عاد مخذولا… ؛ يسطو على أشغالهم خلال فترة النيابة عن الرئيس، يتوصل بالمراسلات من مختلف المصالح، يضع اسم هذا أوذاك على أصولها بقلم الرصاص للقيام بالمتعين، يتسلم فيما بعد الأشغال المنجزة ، يمحو أسماءهم من الأصول، يحمل الأشغال إلى المدير “مورينو”، يتبنى إنجازها ليظفر بترقية ما أو تكون له حظوة عند الرئيس المدير العام “عادل”… . إذا رضخ المرؤوس لتعليقاته النابية عن طيب خاطر، فهو عنصر جيد، وأداة تنفيذ بامتياز، وخادم وفي لبيروقراطيته الناشئة. يقول: “لاتهمني الكفاءة ولا الجدية ، ولا… ، ولا…”. إذا ظهر على وجه أحدهم شيء من الامتعاض أو الاحتجاج، يرد عليه: “مازلت لم أشهر في وجهك سيف ديموقليس…، لكنك تنقصك الجودة والخبرة والتجربة…، سأروضك حتى أنتقل بك إلى وضعية أفضل بكثير من حالتك الراهنة…”؛ يأتي إلى مكتبه بمقص الأظافر، يسمعون رنات المقص التي تشبه في صداها ضربات مقص الحلاق. يتهيبون لتقليم أظافرهم بأنفسهم قبل أن يقضمها عبد الخناس…
يستقل عن الرئيس في فلسفته، يعيد النظر في عملية التحفيز، يبقي على التحفيز المادي لاعتبارات شخصية، ويلغي التحفيز المعنوي بصفة مطلقة. يميز بينهما على مستوى التأثير الذي يخلفه كل نوع من التحفيز، يقول لنفسه: “إن كنت أتفق معه على مبدإ التحفيز المادي، فإني أختلف معه في الإبقاء على التحفيز المعنوي استثناء. يسمح لي التحفيز المادي باستغلال واستعباد عينة أكثر فأكثر. عندما يستطيب المرؤوس لذة تعويضات <<التنقلات والمهمات والساعات…>> المضافة إلى أجرته الهزيلة، وتكثر حاجياته المادية، ويتقيد بالتزامات مالية، ويرغب في المزيد لإشباع رغباته، يصبح أكثر استعدادا للخضوع والركوع والانبطاح لإرادتي وأوامري، فيسعى لإرضائي بشكل أو بآخر. إذا صدر عنه أي تصرف لا يروقني، أخصم أحد هذه التعويضات في الشهر التالي، ثم شهرا بشهر، حتى ينزعج ويرتبك، وتختلط عليه الأمور، فيتوب إلي… أما التحفيز المعنوي، فيعيد له الثقة بنفسه، ويصبح معتدا بشخصه، فتتوق أناه إلى الاستقلالية والكرامة والأمان، ثم يطمح إلى التعالي الراقد في ذاته. يشي التحفيز المعنوي بالحصول على حق التنفيس والانتعاش برائحة الحرية… . إذن من مصلحتي أن أتحاشى التحفيز المعنوي الذي يجعل السحر ينقلب علي “أنا الساحر”. سأستبعده من قاموسي المهني من الآن فصاعدا…”…
ابتداء من <<السلام عليكم>>، يرى عبد الخناس في <<التحية الصباحية أو المسائية>> تحفيزا معنويا يجب إخضاعه لمقادير مقدرة. في الصباح أو المساء، يسلم بحرارة على رؤساء المصالح. يحيي عن بعد الفئة المتوسطة بتحريك رأسه إلى الخلف وإلى الأمام مع تقطيب الحاجب الواحد وإطلاق الآخر، وفق طرائق الرئيس المحرفة لعلم البرمجة العصبية اللغوية. لا يحيي بتاتا الفئة الدنيا ولا يرد التحية ولو بادرت بها، يكتفي بتقطيب الحاجبين معا، قائلا لنفسه: “لا ينبغي لهذه الفئة أن تظفر بامتياز التحية”…
استطاع عبد الخناس أن يمنطق وصفاته الخاصة ويمأسس أساليبه في التسيير، ويجعل وضعياتهم الاجتماعية وحالاتهم النفسية رهينة بمزاجه المتلاعب بظروفهم المادية الصعبة. يقول لهم من حين لآخر: “يجب عليكم أن تكونوا متفلسفين، أن تضعوا أنفسكم مكاني وتتذوقوني …”، يحاول تبرير تحرشاته حسب كل سياق… . يومىء لهم بأنه أقرب منهم إلى رب العمل، يتوصل بأوراق أداء الأجور، يتلكأ في تسليمها إليهم. ينتظرون استلامها بفارغ الصبر. يحتجزها في مكتبه لمدة يومين على الأقل في انتظار أن يتوسل إليه أحدهم بإطلاق سراحها، يحملها إلى بيته، يقول لزوجته: “انظري إلى أوراق أداء الأجور، فترتعش زوجته بنشوة أعلى أجر الذي يتقاضاه زوجها…”. يحدق بمعيتها طويلا في أوراق الأداء. تتصاعد منها <<البركة>> ديونا… . يستدعيهم إلى مكتبه واحدا واحدا. يشكرونه وهم كارهين له، أعينهم على أوراق الأداء تبحث عن لا شيء، تبحث عن مبالغ أجور بقيت أرقامها حبرا على الأوراق. يودون “لو تدق أجسادهم في الهياكل العظمية لأجورهم الهزيلة”. يعلق أحدهم في طريقه قائلا: “إني أرفع من أجرتي بالتعويض عن الساعات الإضافية، وكذلك بإيراد حادثة الشغل حيث فقدت سبابتي اليمنى التي كنت أحركها يمينا وشمالا تشهدا في صلواتي الخمس”…
يملي عليه التعامل معهم التمييز بين فئتين. يفرض على “المعربين” أن يكلموه باللغة الفرنسية. إن لم يفعلوا، ينظر إليهم بشماتة واستهجان. فيستقوي “المفرنسين” عليهم بكل الوسائل وعلى جميع المستويات، يرسخ استضعاف المعربين، يعتبرهم أغبياء وحقراء. ذنبهم الوحيد أنهم اقترفوا لغة واحدة: لغة الضاد… . تحتج ” زكية ” لدى زملائها قائلة: “إنها عنصرية من نوع جديد صادرة عن مواطني، وليس عن أجنبي. إنه يزدري لهجتي ولغتي وكل من يتحدث بهما، ثم يفرق بيننا إلى فئتين تصطرعان…”. يعقب “عبد الصبور” مضيفا: “إنه إجراء فريد من نوعه يسمح له بأن يسود برذيلة الميز…”. يعمل عبد الخناس على تكوين “المعربين” في مجالات لا تهمهم من قريب ولا من بعيد. يعقد الحلقات التكوينية ليفسر لهم، على هامش المواضيع الرئيسية المقررة، كيف تمارس عليهم التحرشات والصدمات في المكاتب وقاعة الاجتماع و كيف يذوقون المرارة والمهانة تحت رحمة جودة زنكاوي بلا دموع…
أخذ على نفسه أن لا يعير أي اهتمام لذوي الأقدمية، لا يعرف لهم توقيرا، يقلب لهم ظهر المجن، يتجرأ عليهم في غالب الأحيان أمام الفتيان الجدد. يقول لهم في مكتبه: “من لم يأت بمذكرة للتدوين، سأطرده من مكتبي مهما كانت أقدميته أو مرتبته. بدون نصائحي لن تتقدموا…”. يأمرهم بأن يشتغلوا أيام السبت والآحاد طيلة شهر. يحضرون. يتغيب عبد الخناس. يشاهده عبد الصبور في طريقه إلى نادي هوايته المفضلة <<رياضة الغولف>>، وهو يتبختر في مشيته، وفي يده الهاتف المحمول على أصفار الجودة، ليتابع مشاريعه من فوق العشب الأخضر. يطلق عبد الصبور زفير الأسى والحسرة، يقول: “لكل عشب أهله”، يلتحق بالعمل…
يستمر عبد الخناس في مجاوزة بيروقراطية الرئيس بميسم مهاراته المكتسبة وابتداع تقاليد جديدة. يعدل عن زيارة أي مرؤوس يرقد طريح الفراش بالمصحة، إلا إذا كان من نفس منصبه الإداري أو في مرتبة أعلى من مرتبته. إذا فعل، سيكون قد تواضع، يقول: “التواضع في العمل انتحار، سيجعل المريض يتجرأ علي…” لا يترك الفرصة تمر بدون أن يشيع مرضه لدى المصالح الأخرى بدعوى أن عجزه يحول دون تحقيق وصفاته في العمل، فتكون هذه المصالح متأهبة لرفض المريض عندما يتقدم يوما بطلب الانتقال إليها. فيحاصر المريض ويفسح المجال لعبد الخناس الطريق المريح…
عندما ترقص البيروقراطية في جسده، يشل قدرتهم على الشكوى، يجعلهم يتأثرون في كل لحظة لقسمات وجهه وما توحي به من تعابير. ينتشي بكل هذه الأحوال. يدفع بهم إلى الإجهاد. يستمتع بحالة الإرهاق التي يكونون عليها: يسطع الجبين بالعرق وتتراكم الملفات على المكتب. الشيء المهم عنده هو أن يصيخوا السمع إليه ويتحرش بهم في كل لحظة ويشتغلوا في ظروف صعبة. يعتقد أن مهامه تختزل في: مراقبة أوراق أداء الأجور، إبدال الألفاظ والصيغ في المراسلات والمذكرات، إشباع لذة التأشير والإمضاء على كل ورقة حطت بمكتبه، استصدار قرارات تأديبية، ثرثرة طيلة النهار…
يجل ربطة عنقه في المكتب. إذا رأى اعوجاجا في ربطة عنق أحدهم، يأمره قائلا: “أرجو منك أن تسوي ربطة عنقك حتى أتمكن من أصوب إليك لساني”، يصنع محنتهم من خلال مختلف ربطات العنق. يجعل من مزاجه بوصلة سلوكاته. لا يبرح مكانه بعد جلوسه فوق الكرسي المتحرك. يتستر على تدني مستواه المهني بالحرص على تصور واحد للعمل. ثم يبحث عن حجة الإدانة. يستنفذ الطاقات بعد تحريكها إلى حدودها القصوى قبل انتهاء الوقت القانوني أو مع بداية الساعات الإضافية… . تقطر ذاته زعاف بيروقراطيا عندما يطلق العنان لتتداعياته ورغباته، فتصبح دماؤهم آسنة. لولا بشرتهم الخادعة، لبرز لونها أقرب إلى لون الواجهات االسوداء منه إلى لون دم الغزال السريع… ينفرد بهم ليؤكد لهم قدرته على مجاوزته للرئيس قائلا: “إذا كان لا يعرف للجودة دموعا، فإني أرى عكس ذلك. وحتى أكون وفيا لحالة البكاء المهني عند اليابانيين بني جلدة – إيشيكاوا- ، يتعين عليكم أن تتمرسوا بهذه الحالة السحرية كلما تمكنتم من ذلك. فإذا انتهيتم مساء من العمل، ووجدتم أن أشغالكم وسلوكاتكم لم تستجب لوصفاتي المعلومة ومعاييري الخاصة، أنصحكم بأن تستشعروا في نفوسكم الندم والحسرة، ثم جدوى التباكي على الجودة المفقودة في ذواتكم، وتذرفوا الدموع اللوامة خلال ساعة إضافية بتعويض، في مكاتبكم أو بيوتكم… . وهذه هي جودتي الحقة التي ستصنع مستقبلا بدموعها مرؤوسين نجباء في سياق ما أسميه بالتباكي المهني”… .فبارك المستضعفون جودته بالدموع…
لكن، كما الرئيس، لا يفرق عبد الخناس بين الشخص الذاتي والشخص المعنوي إلا عند تحميل المسؤولية. يتقن فن التملص من المسؤولية محتفظا بمسافة بين الشخصين حتى تمر العاصفة. يجعل من مصالحه الخاصة مصالح الشخص الاعتباري. يقول: “لكل شيء دين، للشركة دينها ولي دين”. يحدثهم عن ديانة المقاولة بعدما كان الرئيس يكلمهم في ثقافة المقاولة. يعمل على تقويل الشخص المعنوي مالم يقل عند تحرشه بهم أو عند التحريش بينهم. يفتري على الشخص المعنوي كما يفتري عليهم. لا يميز بين المرسل والمرسل إليه. كل تأخير من هذا الجانب أو ذاك، يتحملون مسؤوليته…
يلتقي كل صباح بزميله الجديد “شلمان”. يرجمان معا بالغيب نحس رؤية ذوي الدرجات <<السفلى>>. يتلو كل منهما تعاويذه التي تدفع حسد هذا أو عين ذاك أو سحر غيرهما. يتبادلان بينهما الرواقين المؤديين إلى مكتبيهما. يتستر كل منهما على وقت التحاقه بالمكتب أو خروجه منه. يمشي عبد الخناس في رواق زميله شلمان محدقا في ألوان الوجوه. يقول: “مازالت بيروقراطية شلمان في أدنى حرارتها رغم أقدميته وكبر سنه. لم تتطور بعد…”. يمر شلمان في رواق عبد الخناس، يقول بصوت خافت: “لا أرى إلا سحنات متباينة وناصعة الألوان. لا ريب في أن عبد الخناس أشد بيروقراطية مني، لابد لي من معرفة سر هذا الأمر. أما السحنات بمصلحتي، فهي جد باهتة ومتشابهة…”…
أصبح شغله الشاغل الحذلقة في التعليمات والأوامر. يجهل أو يتجاهل صعوبة أو استحالة تنفيذها. يصدر بعضها لغاية تعجيزية حتى يجد طريقه إلى تأنيب مرؤوس بعينه. لا يتورع عن أخذ أحدهم بالخطإ الواحد دوما وأبدا. يعاقبه باستمرار. لا ترقية ولا امتياز ولا تكوين ولا…، ليس لهم إلا الخذلان والتهميش…؛ يعيد أمد التقادم القانوني الاعتبار إلى الإنسان، ويمنحه الصفح لتستمر الحياة المهنية. لكن عبد الخناس يبقي على هذه الحالة، ويبقي الفعل الواحد حاملا للتجريم مادام أنه يرزح تحت سوط لسانه الدائم السواد…، “لو كان سوادا عابرا لهان علاجه” يقول مسعود بامتعاض…، يتربص عبد الخناس بمسعود ليرد عليه: “لسنا في حاجة إلى أي كان. من شاء الرحيل، فليفعل بدون انتظار. الباب أوسع من كتفيه”. يستثني نفسه من هذه القاعدة…
يتبنى مبدأ آخر من الوصفات والقواعد: ضرورة المغالاة في رصد الحركات والسكنات إلى أبعد حد لضبط والتحكم في العلاقة بين الرئيس والمرؤوس من جهة، وعلاقات المرؤوسين فيما بينهم من جهة أخرى. من هذا المنطلق، ينظر إلى الطبقات الخمس في الهرم المتدرج لحاجات الإنسان الطبيعية. يمعن النظر في إبداع ماسلو. يزحزح الهرم عن أهداف ماسلو. يحدث نفسه: “حسنا، سيفيدني هذا الهرم في ضبط مسارهم المهني وتقوية نفوذي…، لم يكن ماسلو يعلم أن هناك فئة سوسيو- اقتصادية تستحق فقط الخانة السفلى من هرمه، كما لم يكن يتوقع أن هذه الخانة ستنفصل نهائيا عن هرمه ويقصى عنها التدرج…”. يخطط لإشغالهم ببطونهم وقوتهم اليومي وحصر طموحاتهم في الخانة السفلى من الهرم، خانة حاجات الأكل والشرب والنوم، خانة الاحتياجات الطبيعية، خانة هياكل الأجور الهزيلة التي تضل طريقها إلى الجودة المفقودة، أو التي تراوح مكانها بين صفر جودة وجودة الصفر. يضيف محدثا نفسه: “كان ماسلو عبقريا حين أبدع هذا الهرم، لكنه لم يوضح كيفيات استثماره بحق أولائك وهؤلاء حتى لا تتجاوز طموحاتهم حدود العيش البهيمي قيد أنملة. لا يستحقون أكثرمن الإبقاء عليهم في الخانة المعلومة قبل تقاعدهم وبعده. لا ارتقاء في الحاجيات. كيفما كانت الأحوال سيبقى هذا الهرم آلية ناجعة لا مناص منها…، شكرا ماسلو”.
من خلال تلك الخانة، يسعى إلى هندسة سلوك المستخدم تحت الطلب على مقاس سلوك الكائن غير العاقل حتى يفعل به ما يشاء. يقول لنفسه: “لا ينبغي للمرؤوس أن يكون رئيسا يوما ما لأن وضعيته بهذه الصفة تحكمها عوامل وراثية…”. يلحق المناسب منهم بالمكان غير المناسب. يضطر من أصبح في غير مكانه إلى أن يستغني عن الأشياء التي يجهلها، فيكرهها، ولو كانت الصواب بعينه. يقول الماثل أمامه: «Mr, je pense que… » . يرد عليه باستخفاف: «Tu n’as pas à penser…» . يرتعش منتشيا لرؤية التوتر الحاصل في سحنته جراء التنافر بين المكان والإنسان…حتى لم يبق من هرم ماسلو إلا خانة عبد الخناس…
———
فصل من رواية “هذا فراق بيني وبينك..!” الصادرة بالمغرب