حرية سليمان
لسنوات ظل يأتي برغم استحالة العودة، واستحالة رؤيتى له لفقدانى البصر، لكنه تغير.. ثقلت حركته، اختلف صوته، انكمش كعجوز مثلى تماما، أدركت ذلك حين ضممته إلى صدري، أمكنني تحسس عظامه وربما فعل المثل معي، صرنا أقرب لهيكلين عظميين نمارس رياضة نفسية من نوع ما، لم يعد يميزه إلا استحالة أن يكون أحدا غيره، من سواه يأتي بتلك الظروف؟! من تراه يرسل هذا الصوت وتلك الدوامات الندية من الذكريات؟! كان الخوف من فقدانه هو الشيطان الذى يزورني ليلا وكالنزناز يباغت غفوتي ويبطل صلاتي ويفسد تسبيحي، ويحيلني ماجنة بانتظار توبة ويستحيل هاجسًا ينقر مخابئ الذاكرة الواهنة فيستدعي صورة باهتة لزمن تسرب بين جدائل تلك الزرقاء الهادئة التى طالت غفوتها ورقادها وتنتظر قبلة حياة، لكنه كان يصر كما دائما أن يكون فصلا جديدا من فصول البوح برغم جفافها وانتظار ما ستهبه بعد انتهاء صومها على الرغم من تمزق الشباك المتوسدة جدران البيوت، والمفترشة الممرات الساكنة والأحجار الجيرية بين الطرقات. أى خيط جرئ الآن يقدر على لملمة أجزائها وقد تفرقت وتباعدت واهترأت كنسيج متحلل، وصار كل فتق فيها بطول ذراع وعمق ذراعين!.
كانت صيحته تشق وحشة السكون وتبارك ولادة الخيوط الأولى للصباح فتعود إلي الروح من جديد؛ فأنفض عن نفسي غبارا ثقيلا لزجا وأعربد فى الفراغ المتسع للحجرة بحثا عن عباءة سماوية بلونها لألبسها، وقطعة قماش بيضاء لأشير له بها وكشاف ضوئي في حال فكر مرة بالمجئ مساءً على غير المعتاد.
مسرعة أدس نفسي بعباءتي الزرقاء، حافية أقطع الحجرة، أحرر المزلاج، أركض باتجاه الخارج وأتنفس، أشير له تارة برقعة القماش البيضاء أو أرسل بعض ومضات متتابعة بشكل دائري باتجاه عقارب الساعة أحيانا وأحيانا عكسها، لأتفاجأ به فوق رأسى ينقر مابين فراغات الشعر، كان لزاما على أن أصدق بأنه قد عاد، وأنه قادر دوما على الرجوع وقتما شاء. كانت الحلقة الحمراء مايميزه عنهم، ثبتها( يونس) بطرف ساقه اليسرى، وصارت علامتنا المائية التى تميز ثلاثتنا عن غيرنا من الباحثين عن أنفسهم بالغير والموقنين بفكرة التخاطر أو التلاحم أو الاستنساخ أو أياَ كان المسمى.. والآن لم يعد منهم سواه وصارت الحلقة كخاتم زواج يربطنا أبدًا.
بالحلم، وجدتني أجدف بقارب فى بحر من رمال، أجدف فتعلو، أجدف فتعلو، يكشر عن أنيابه بموجة غاضبة تصر على ابتلاعه وتفعل، فيعود يظهر ثم تلتهمه من جديد ويظهر ثم تعلو لتلتهمه ويعود أخيرًا لا يظهر، كان المجداف على السطح هو الإشارة الوحيدة المتبقية لقارب ما كان هنا واختفى، لا إشارة لكائن نافق أو آخر بانتظار الموت، قلت له يومها سيحل الجفاف، نظر إلىّ وتهكم، قلت : لا تعرف رؤاى، أخبرتهم بعودة (مطر) وعاد ورحيل (جمال) ورحل، أخبرتهم بولادة(خاطر) ووُلد وموت (ياسين) ومات، أخبرتهم بجنون (سعاد) وجنت، وزواج (غرام) فتزوجت، أخبرتهم عن جنية سيأسرك جمالها وقد كان، ألم تخبرني بأنها عشقتك لثمان سنوات متصلة، كنت تضاجعها يوميا فتلد لك صباحا غلاما جميلا كانتشاءات الربيع، كنت تضحك مني، سألتني وقتها وماذا بعد فوجمت، أظنك أدركت أنك لا محالة مفارق، وفارقت.
غائمة كانت الشمس يومها ولم أجد بي رغبة فى اقتفاء أثرها، ربما كانت من يفعل ذلك فتجنبتني، لم تصدر ماينبئ عن شروق مميز منذ زمن بعيد، كانت قديما كعروس بليلة زفاف، مشتعلة الوجنتين دافئة المشاعر موحية بقبلة، كانوا هم الآخرون يتندرون، ويتصعلكون بالنواصي متفكهين بعد أسبوع حافل بالبحيرة .. يتبادلون السجائر والنكات والطاولات.
لم نعتد الجفاف ولا ندرة الأسماك، لم يكن الطعام بمشكلة، يمكنك أن تتخذ قاربا من تلك القوارب المسترخية والذهاب ولن يسألك أحدهم عن وجهتك ولا حتى لمن هذا القارب، جدف لأى عمق كان، أو فلتبق على الحافة، كنا نشعر بحركتها بالأسفل تتحرك بين أقدامنا، تندفع وتتداخل فتخمشنا قشورها وزعانفها، كانت تتوافد بأعداد كبيرة وتهرب بكل اتجاه، يومها أمسكت بكفي، شعرت بدفء القاع ونعومة الطمي وانحساره تحت قدميّ، اقتدتنى لمسافة كبيرة للداخل، كان يحلق فوقنا، أتذكر نظرة ثاقبة بعينيه واندفاعه نحوها، أظنه اختفى لثانية وعاد وقد امتلأت حوصلته، أتذكر نظرتك وأنت تدندن ذاك اللحن اليوناني لزوربا، قبلتني، تركتني وتسربت كما الحلم للداخل، مازال لحنك يداعبنى، منحتنى ركلات قدميك بعض القطرات العذبة بين شفتيّ بينما انخرطت ضاحكا واندفعت للداخل من جديد، بدت ملامح البحيرة ممتدة كما السماء يعانقها خط الأفق، يعكس بريقا فضيا آسرا، ظهرت رأسك من بعيد ككرة تسبح وتطفو فوق الماء، كنت أناديك، وكان يحلق فوقك، تتبعناك، لكنك لم تعد، وعاد هو ..
قلت لك أنها غاضبة، اختفى الرجال ولم تعد النسوة يفتحن الأبواب، احترفن غلقها بالمزاليج، كن يتلكأن حين نقرعها لنسأل عن من خرج ولم يعد، كن يخفين الطاولات ويتجنبن الشواء والحديث والابتسام، صارت الريح تصفر مرسلة صخبها بلا نهاية، تضاجع الأبواب والشبابيك بنهم وتنفذ عبر مسام الِشباك، أخبرتك أن الجفاف آت، لكنها كانت تحبك وعندما أسرتك لم تعذب روحك وأطلقتها بسلام، كنت حبيبها وفقط، ليتها تذكرت ذلك فأعادتك إلي، ليتها فعلت، كان هذا موسمها الأخير لأنها بعده صمتت للأبد.
—