اسلام عادل
اسلام عادل :
كنت اراني بأعين الناس من بعيد.. كجدار لا ترى ثقوبه الا حين تتقرب اليه. ترفعت عن معاينة النتوءات الصغيرة على الجدران.. فعودت نفسي على رؤية اللوحات الكبيرة المتكاملة و لا اتمعن بأجزائها. ربما كانت طريقتي لتجاوز الازمات التي تسببها التفاصيل و تنميها جزئيات الصورة المعبرة. و بعد حين, عرفت اني كنت ادفن الازمات و اخرجها بقناع اللامبالاة. هكذا انظر من النافذة الى المناظر الناقصة امامي.
قناع الكمال الذي يضم خلفه العثرات و يجمل الهفوات و يترفع بالعيوب الى مرتبة لا تعلوها الا الحسنات. بعيدا في الافق ارى ما لم يراه احد. ارى احساسا يشبع شهواتي و حبا يهدا لوعاتي. ارى وجها جميلا لا تدنو منه ذرة غبار و تنساب من نعومته قطرة الندى برفق. كان طيفا انتشي لمروره.. و استلذ بمذاقه. و استنشق عبقه. و لا اعلم لما ارى وجها اخر!
ينعكس وجه اخر على مراتي.. وجها قد خيب القدر ضنه و الفاه يستنجد بأبسط المواقف لتناسى همه! عاد يدفن النوائب مرة اخرى و يسير على اطراف اصابعه ليعلو عليها. و لكنه ينتكس بين الحين و الاخر. فحين يمسح دمعة يلوث خديه بسخام كحل عينيه.. فيبدو غريبا اكثر. بين ماقه نمت شعيرات صغيرة لا تملك انامل القوة لتلتقطها من الجذور. و ما زالت الفجوات بين اهدابها الرفيعة واضحة.. لقد صير البكاء عينيه ممزوجة بالرماد و الدموع. و اذما انتهت دموعه فسيبكي حجرا, حجرا يخدش لون عينية ليخرج نازفا. لماذا يا ترى ارى وجهين؟ ايهما اصدق رؤية من الاخر؟
لكن شك يراودني انهما متلازمين, كل منهما يؤدي الى الاخر. و ما يزيد من مخاوفي ان لا خيار سواهما. متلازمان و متلاصقان و ما ينفكا يؤديان الى النهاية نفسها. ارى كل شيء تقريا الا البداية! ارى النهاية و لا ارى البداية و لا اقدر على تغير اي منهما. لا املك خيارا اخر و لا اتأمل شيئا اخر فأنا ادور حول نقطة واحد و في دائرة فارغة.
قبل ثلاثة اشهر سمعت خبرا سعيدا لطالما انتظرته, فبعد سبع سنوات على زواجي تبين اني حامل. انتشيت عند سماعي الخبر. و غيرت الكثير من العادت السيئة كالصراخ و المزاج المتعكر لاصبح اكثر هدوءا و رفقا.
لا اشعر ان زوجي متحمسا جدا.. انه يخاف ان يحدث ما يحدث في كل مرة, الا ان اخر ما حدث كان قبل ثلاث سنوات, اي ان المدة كافية لينسى وقعه الاليم ولكنه لم يفعل.
و في مدة سبع سنوات حملت خمس مرات, و كنت اجهض حين اتجاوز الاسبوع السادس او السابع عشر.. ربما هذه فرصتي الاخيرة لان الوقت ينقضي بسرعة. و منذ اخر مرة حملت فيها و اجهضت, تغيرت علاقتي بزوجي خصوصا واني زوجته الثانية التي لا تلقى عادة جل الانتباه و عظيم التشبث, فكما الحال مع النساء اللواتي ياتين متأخر في حياة ازواجهن يبقين معلقات الى ان يوارين الثرى و لا يذكر غير انهن سرقن زوج احداهن.
هذا ما كنت احس به على الدوام. اني المراه الثانية المهمشة التي لا يستغرق قرار الزواج بها او الانفصال عنها الكثير من الوقت.
و على خلاف زوجي الذي لا اراه كثيرا لانشغاله بزوجته و اولاده منها مما يزيد احساسي بعدم اهميتي و كاني احد اغراضه الشخصية, الا ان المأساة تكمن بالخيارات القليلة المفتوحة امامي, فأما ان ارضى بما امر به او ان اطلب منه الانفصال.
الخيار الثاني هو الاقرب الى قلبي بعد تسديد ما ارنو اليه, بعد ان اضع وليدي سأطلب منه الطلاق و ساعيش حياتي مع ابني او ابنتي كيفما كانت. حاجتي الى طفل تزداد مع تقدمي في السن, و مقتي لحياتي مع زوجي تنخر في عظامي.
سمعت صوته يضحك مع زوجته حينما كانا جالسين في الحديقة يتناولان الشاي و يقهقهان! كنت انظر الي تعابيره المنتشية و هو يلقي بنكاته ليضحك زوجته, لم المه فانا التي فرضت نفسي على حياته.
اجل, حدث ذلك منذ سبع سنوات حين اقنعتني امي بالزواج من احد اقاربها الذي هو متزوج مسبقا, لكي انجب طفلا يعينني في الكبر و لان زوجة هذا الرجل لا تقدر على تلبية طلباته و طلابات عائلتها بما انها بدات تهرم! قبلت بذلك على مضض و شرعت اخطط بما سأكسبه من هذا الزواج فنظريا كانت مكاسبي اكبر من خسائري, و بالفعل تزوجته, كان لطيفا طوال الوقت, يحترمني و لكنه ممثل فاشل و كاذب غبي.
سمعت صوت زوجي يناديني و كأنه فرحا يريد ان يبشرني ببشرى ساتراقص لدى سماعها, فأنا اعرف لهجته المتحمسة:
تعالي يا سمية!
و بعد ان طلب مني الانضمام اليهما قال بود:
اسمعي قررنا ان نقوم برحلة.
الى اين؟
الى المقبرة!
قال “الى المقبرة” و كأنه يقول الى مدينة كبيرة مزدحمة سنعيش مغامرة جديدة محاوليين ان نتكيف مع حضارتها الغريبة, كانت زوجته تضحك بخفوت و هي تضع اصابعها النحيلة الطويلة على شفتيها الناعمتين و تنظر الي رافعة عدستي عينيها فحسب و هي مطأطأ الرأس هازئة.
ها تمزح؟
لا, انا لا امزح فالربما الوقت مناسب لزيارة موتانا, حتى كما يقال يزورنا ابناءنا في المستقبل حين نموت و يترحمون على ارواحنا.
ربما لن استطيع الذهاب لاني كما تعلم احرص على الحفاظ عليه (و انا اشير الى بطني بخجل).
تفكر قليلا و هو يراوح النظر بين وجهي و بطني و كانه يفكر بشئ ما, ثم قال بنبرة مقنعة:
سترتاحين صدقيني ثم ان السفر لا يؤثر اطلاقا.
وحين بدأت السماء تمطر بنثيث انطلقنا في سيارة زوجي. كانت هي تجلس على المقعد الامامي للسيارة و كالعادة تحظى بكامل اهتمامه, حتى اني استغرب كيف لم تتغير علاقتهما بعد ان تزوجني, فهما كما يقال لي انهما كانا. مشاعر عميقة يأتمنون بعضهما على اخطر الاسرار و يتحدثون سوية بمنتهى التفاصيل الدقيقة. يستمع لها كعادته بأنتباه اما هي فلا تنسى ان تخبره بكل شئ.
كانت السماء محملة بغيوم ثقيلة تنذر بوابل من المطر لن يتوقف قبل ثلاثة ايام, كان وجهه سعيدا جدا, و كانت اصابعها الطويلة تتلمس ذقنه و تمرر بين الشعيرات الرمادية للحيتهه, كان يتركها تفعل ما تشاء, و كأن لا وجود لي.
وصلنا الى طريق يعج بأنواع المركبات و امكانية التصادم في هذا الوقت ممكنه ايضا, كانا خائفين من انزلاق السيارة الا انهما لم يندما على الخروج في هذا الوقت رغم الودق الذي لا يتقطع. بل بقيا متحابين يؤازران بعضهما البعض.
كانا يقودانني الى الجنون من دون ان يتركا اثرا لجريمتهما, و بدأت اغفل عن التفكير بما كانت تفعله و طفقت اتلمس ابني الذي يستند الى احشائي.
بدأت السحب الكثيفة بالانجلاء كلما بدأنا نتقدم اكثر, ضياء الصباح و الهواء الرطب المنعش يداعب احاسيسي. اتبهت الى وجودهما بعد ان سهوت عنهما, كانت مستندة الى كتفه و قد اخذتها سنة من الكرى,اخذ يتقرب من انفاسها ليتيقن من شئ ما, ثم اخذ يحدق الي في المراة, ارادني ان ابدأ الحديث معه و لكني لم اكن انوي فعل ذلك:
هل كل شئ على ما يرام؟
لقد قلت لي ان الامور ستتغير حين تحدثنا في السابق.
عما تحدثنا؟
ان تتوقف عن معاملتي كمستخدمة و تبدأ بمعاملتي كزوجة! انسيت اني انسان استحق منك الحب و الاهتمام انا لم اتزوجك الا لاني اريد ان احتمي بك و انال من عطفك و حبك بالقدر الذي تناله هي, لا يوجد امراه على سطح الارض ترضى بأن تبقى على هوامش حياة زوجها كما تفعل انت.
نظر الي بأرتباك ثم قال:
و ما تقصيري انا.
بالظاهر لا شئ, و لكن الحقيقة شئ؟
و اي حقيقة.
انت تنفق علي و تقضي معي بعض الوقت, و لكن لا يوجد قانون ينصفني اذما جرحتني و قللت من شاني و اهنت انوثتي.. طبعا بالظاهر يجب ان اشكرك لانك ضممتني تحت حمايتك و لكن الحقيقة غير ذلك, انت تبقيني لكي لا تشعر بالذنب, تقنيا انت لا تظلمني و لكني رغما عن ذلك مظلومة.
اراد ان يتحدث و لكن انين زوجته في رقادها اسكته فأخذت اصابعه تنساب على شعرها كي تهدأ و تعاود النوم. كنت اريد ان اضع حدا للمهزلة التي مابت بها لا كمبارس يدعم حبهما و دليلا على ان وجودي لم يهز ذلك الحب العتيق العميق و ثماره التي ىلا استطيع انا ان اقطف منها.
و مالعمل لكي تقتنعي ان هذه اوهام.
لا تفعل شيئا ارجوك, اكمل انقيادك لمشاعرك لان مشاعري هي ذاتها من قادتني اليك, ليدفع كل منا ثمن انقياده الاعمى.
وصلنا الى المقبرة, نزلنا من السيارة كانت هي تتقدم ببضع خطوات و كأنها متقدمة لتلتقي بشئ, اخذت تبحث بين القبور عن قبر معين. بدا وجهها كالحا نعسا تعيسا و واجما, شفتاها متيبستان, ماقها متعكر اللون و باهت بلا لمعة.
لحق بها و كأنه مسؤول عن فزعها و ذعرها, كان خائفا ان تنهار و تحزن لدرجة انه لم ينتبه فيما اذا كنت قد نزلت من السيارة او لا. ذهبت و رمت بنفسها على احد القبور و اخذت تبكي بحرقة, و كان زوجي يربت على كتفها حينا و يحتضنها حينا اخر. كانت تجد عزائها باحضانه القصيرة الغمرة بين الفينة و الاخرى. كتب على القبر اسم طفل بما ان الوقت بين تاريخ الميلاد و الوفاة قليلا ما يقرب من الاربع سنوات, فعلمت حينها ان لهم ابنا قد توفي.
اقتربت منها محاولة ان اقدم العزاء:
انا اسفة لما حدث, جعله الله شفيعا لك.
اه.. تمتمت بصعوبة و بدموع جارفة حارقة و قالت:
لا تستطيعين ان تحسي بي, فلم تكوني اما يوما لتحسي بحرارة قلبي.
رغم المها الا اني احسست بلكنة وقحة تمتزج مع هذه الحقيقية المرة و هي اني لم اكن يوما اما لاحد. اردت ان اخبرها انها لم تكن ايضا تقاسي الاهمال و التنكيل منذ سبع سنوات كما يحدث لي بالضبط مع خيبات الامل المتكررة بالاجهاض. حاولت ان اتماسك قليلا, و لكنه سرعان ما التفت الي و شد على يدي مشيرا الى ضروروة تحمل ما تمر به زوجته.
رجعنا الى السيارة في غضون ساعتين, كنا نهم بالرجوع الى مدينتنا. لم يكن طريق العودة بأقل حنيا و رومانسية بين زوجي و امرأته فقد طالت احظانهما و قبلاته لها و لم يعد لي وجود في ذاكرتهما فقد مسحت تماما من تاريخ علاقتهما بالمطلق.
و قبيل وصولنا الى المدينة اخذتني الام مبرحة, حاولت ان اتماسك في بدايتها و لكني ضقت ذرعا فلم احتمل ان ابقى هكذا. التفت الي و قال بوجه بلا معاني او تجعيدات “هل ستجهضين ثانية؟”. بالطبع, لم اكن على استعداد للاجابة على سؤاله الذكي, انتابنتي نوبة من الغضب مجددا و فقدت جنيني.
من الغريب بما كنت افكر و انا اجهض, غريب حقا.
كان لانكلترا ملكة تدعى ماري تيودور و ملقبة ب “ماري الدموية”, فقد كانت ماري امراه صارمة جدا لدرجة انها و خلال خمس سنوات من حكمها قتلت اعدائها من الطائفة البروتستانتية حرقا في شوارع انكلترا, لدرجة ان رائحة اللحم البشري المحترق بقي ايام طوال في انكلترا, فقد قتلت العشرات.
لم تكن ماري تكره اعداء طائفتها فحسب, بل كانت غير قادرة على الانجاب في الوقت ذاته. فطالت الحرائق التي كانت تضرمها في الناس الى حد انها تحرق النساء الحوامل! و حين تنجب الواحدة منهن في النار تورجع اليها وليدها ليحرق ايضا.
اما انا فلن اضرم النار بهما او بنفسي, و انما سأرجع لاراقب حبهما يكبر و تضرم به نيران العشق و الاشتياق.
لا..
ما الذي احببته بها..
و نسيت اياما بقربي و هوى..
—