(غفلة تتربعين على عرش العيون رغم انك ولدت جاحضة حولاء كانت امنيتي معرفة كيف تبصرين!!
يستوحش الليل ظلام بؤبؤك الأسود ، وحين تكسرين نظراتك نحو يميني تترائى عسلية اطراف شهبٍ لامعة مضيئة كأنها انحدار ما لا يوصف، وارجع انبأ نفسي انك تنظرين للأمور على خلاف احوالها ، اول الامر حين بُت على مقربة من شفتيك المكتنزتين اعتمرت صمتاً مطبقاً خوفاً من استعجال ألتقف بعده شتيمةً أو إساءةً مردودةٍ، ازدحام الناس في الباص جعلني بعطري الصيفي الخفيف مفتوحٌ صدري أمام عينينكِ ، إحداها كانت تتجه نحو شعري الكثيف المتعامد على بعضه والاخرى هناك لا مستقر لها ، واعجبني المنظر ، وازددت اعجاباً حين تأكدت ان ما تبصرين عليه هو ما خلف النافذة وليس صدري.
القميص الزهري المورد قماشه الشاحب خيوطه الخشنة حين ضاق من ناحية الخصر ابدع في تكوين صورة جسدك التي ظلت الى اليوم مثار توارد شهيتي اللا منقطعة ، قدماك المتسترتان ببنطال اسود ، حذائكِ الأسود خاتمكِ ذو الفص الاسود وتلك الرقبة المحشوة بالاعتدال يلتف حولها معدن رخيص اسود ، وآهٍ ما بال السواد يلاحقني ، احدهم قال لي حين كنت على كرسي الدراسة “ان السواد لون النبلاء” ولم اجد مجالاً لاكتشاف نبلك لأنك حين ازحت آخر جدار للأكتشاف مضيت انا دون ولوج اكثر.)
عقارب ساعته تقترب من المرور على الدقيقة الخامسة بعد العاشرة مساءا ، تستنهض هممها كي تنادي معلنة اكتفاء الركوب ، برهة واستوت قدماها الارض كعبها المدور تستمع لطقطقته آذان المارين لكن العتمة اقرب الى عيونهم فلا مجال لإكتشاف صاحبة الكعب سواه تتبارى اقدامه على المسير المرتجف وتحت شعره الكثيف يرقد دماغ لم يحدد مشروع ما بعد المسير.
– كيف لك ان تصدق ان ركوبكَ معها الحافلة كان مجرد صدفة ، وان كانت فبأي كلام تعلل انقضاضك نحوها رغم ما تمتلك من هدوء تستنشق نسمات الفجر منه هوائها؟”يقول صديق”
– انني اتغاضى عن بعض ما يمر بي لأنني لو أدركت كل شيء لما وجدتني أمامك ، بل هناك عند زوايا احد المساجد او الكنائس او عند مزبلة للفقراء اتبضع ما يمكن ان يسد جوع فارغ العقل او مليئه حد الجنون ، استشعار الخوارق لا يعني انكسار السماء تحت ابطك بل انه توحيد لدلالة المضي نحو ما لا يحسن مجيئه.
عبر هذا الحديث يصر (سومري) على ان المستقبل يحمل بين طياته زمناً غائماً وممطراً حد الطوفان وسريعاً حيث لا يكاد المرء ان يفتح عينيه الا واغلقها من شدة التعب وكان في ذاك مملاً للجميع مخوفاً إياهم مسوداً أفكارهم ، مغربلاً أحلامهم بما سيجيء فلا تراهم ان اجتمعو حوله الا وغادروه سجية ان عقلهم لا يود الاشتباك.
سومري والحولاء فيما بعد عندما احست بخطواته اللاهثة خلفها اتخذت طريقاً غريباً على قدميها ثم انزوت عند بائع لحاجيات البيت ، اشترت حينها فأفاضت الشراء وأكثرت منه أعقب ذلك خروجها مسرعة نحو بيت لا يزال في ذاكرة ابناء الحي حين كان يوماً محطة استراحة من يخونهم صبر الاشتهاء ، فالانتشاء بعد الخروج سمة الجميع ، البيت تعاقبت عليه عوائل عدة سكنته لايام وشهور وسنين وآخر من حل رجلان كبيران وثلاثة صبايا ادركن دافع الارتباط ، فذبنّ كل على حدة بمن تيسر من الرجال ، والحولاء تلتقط مكبس الجرس بيدها البيضاء تقرعه بشدة فينفتح خيطٌ من الغياب وتتوارى خلف جدارن صماء كانت اثقل من جبال عسير على (سومري).
– كيف تهتم لامرأة لا تعرف عنها الشيء الكثير لا تعرف ما تأكل وكيف تتصرف ومن بحياتها وهل يعني لها وجودك راحة او سعادة ، أظن أن من أسوء ما يمكن وصفه (بالحماقة) هو ان تدخل حياة إنسان يجهلك وتجهله ، هكذا دون مقدمات او مسببات مقنعة؟”يسأله نفس الصديق”
– حين دَلفت الى البيت كنت قد اتممت معها حيزاً كافياً من الوقت كي ابدل رأيي واتخذ طريق عودتي ، غير ان ما يتفاعل داخلي يجبرني الاستزادة بالانتظار والصبر ، وفعلاً تبين انها دخلت المستقر الخطأ فهي في زيارة لصديقتها وجارتها وزميلتها في العمل حسب ما عرفت بعد مدة ، لحظة تواجهت فيها العيون رغم الظلمة كانت تُميز منابع رؤيتي على خلاف ما كنت فيه حيث عدت من جديد الى دائرة الشك لما تنظر ، وحال سماعي بما لهَجَت ، أجبت على الفور انكِ ما اهوى ان أشم ، وان أرى ، وان أتكلم ، وان أمارس طقوسي ، وللغرابة أنها لم تفلت من زمام المبادرة فردت عليّ بما هو انفع فأصبح مجال سماعها اسهل من اي شيء ، هاتفها تخزن في دليلي الرقمي وصورتها لم تجهضها دقائق الظلام المعدودة التي احتوتنا قرب بيت من بيوت الناس.
(سومري) درس الفقه ، اتجه بعده إلى دراسة الفن ، أصابعه تعتاش على لوحات عارية لنساء شهيات وأطفال يتامى ، وآخر ما رسم كرسيٌ مذهب تستمكن من الجلوس عليه بدينة حمقاء تنتظر عريساً أجوف ، ومنذ اللحظة التي وجد فيها تلك العينين الشبه متفقتين على نظرة واحدة ، بقي في مرسمه يحاور اللوح والفرشاة وكأنه أمام امتحان آخر العمر ، ورسم ، خطط قبلها مبادئ اللوحة الرئيسية ، كان خطه رقيقاً جداً ، علّم الحاجبين ، مسح بفرشاة مصطبغة بالأحمر تحت أنف مميز فصنع أجمل شفاه ، الرقبة ونزل قليلاً … قليلاً حتى امتلأت اللوحة ، وحين أدرك انه صورها ، تكابر على جرح الفراق ، أسدل الستار على نفسه ، أخرجها من مكنون العشق ، لاذ بقوقعته الصدئة ، أصابه برود وخوف ، أعتمر بعدها قبعة الاختفاء ، أما (الحولاء) فمنذ تلك الساعة لم يعرف عنها سوى أنها اتصلت مراراً ، كان الجواب حينها كبسة (الرفض).