نصيف الناصري:أنا مغترب ومنفي منذ مجيئي الى العالم
أجرى الحوار: عبد الكريم العامري
نصيف الناصري : تصوير آدم البياتي
أجرى الحوار: عبد الكريم العامري
•اكتشفت أن العزلة تجعلني أتكلم كثيراً جداً..
•ما يعوز شعرنا الآن هي الأفكار واللغة الجديدة والنظرة العميقة للأشياء في العالم..
•التجارب الشعرية تجعلني أسعى للبحث عن المختلف والجديد..
•الرهان الدائم عندي حول المران الطويل في الكتابة هو الذي يجعلني أواصل المغامرة والتجريب..
•مصيبة الشعر العراقي الراهن انه خاضع لمفهوم الاشاعة..
•لا يمكننا أن ننتظر من هذا الوزير أو ذاك المدير أن يأخذا على عاتقهما النهوض بالواقع الثقافي..
نصيف الناصري، أو كما يحلو له ان يُطلق عليه الشاعر الغجري، شاعر اختط طريقه في زمن كان الطريق مليئاً بالألغام، بسحنته الجنوبية تشعر أنك أمام كاهن سومري، يحمل في رأسه مفاتيح الكون.. سفره طويل، وحياته مليئة بالتساؤلات، هو يبحث عن اجابة لسؤاله الأزلي: (كيف يتسنى لنا أن نتسلل بهدوء من الأفق المعتم للعالم ، صوب أفق آخر أكثر رحمة ورحابة ؟) لكنه يجد اجابة واضحة في مخاضات زمن أبعده عن وطنه الأم، وعاش يتأمل أيامه التي احرقتها الحروب ونسى بعضا منها في غرف التوقيف لانضباط الحارثية يوم كان الهروب من خدمة محارق الموت لصيقاً به..اختصرنا معه كل المسافات، وجمعنا كل السنوات لنلقيها أمامه في سلة واحدة من البوح العراقي الصادق.. فكان هذا الحوار:
•كيف يقدم الشاعر نصيف الناصري نفسه للقراء بعد سنوات الغربة عن العراق..؟
-أود هنا أن أضع اجابة لسؤال لصديقي مازن المعموري لكي يكون اجابة على سؤالك هذا { أنا مغترب ومنفي منذ مجيئي الى العالم . عشت حياة عاصفة ولا انسانية في الماضي . { 12 سنة جندي هربت فيها عدة مرات وعشت حياتي متخفياً . 3 سنوات بعد تسريحي من الجيش أمضيتها ببغداد على الرصيف في الصعلكات والكحول من دون وظيفة معينة . 4 سنوات تشرد في العاصمة الأردنية عمّان التي لم أستطع أن أكتب فيها سوى قصيدة واحدة عن موت صديقي الشاعر المرحوم رياض ابراهيم }. في مدينتي السويدية هذه التي يعيش فيها بشر من 165 دولة . استطعت أن أجد الوقت الكافي للتأمل والقراءات العميقة وتطوير مشروعي الشعري عبر العزلة التي حرصت عليها في سنواتي الأولى هنا . بعد العودة من المدرسة الاجبارية { سوق العمل مغلق في السويد دائماً ويتوجب عليّ الذهاب كل يوم الى دراسة اللغة من أجل أن يدفعون لي نقود الطعام وايجار البيت } أغلق بابي ولا التقي أحداً باستثناء صديق أو صديقين من الكتّاب العراقيين . حاولت التخلص دائماً من الماضي المؤلم الذي دمّر حياتي في الحب والحنين والأشواق ، وأستطيع القول انني بعد أنجزت 9 كتب خلال 10 سنوات هنا ، أشعر انني أصبحت أكثر دقة في عملي الشعري وتنظيمي الحياتي . العزلة والبحث منحاني أشياء عظيمة ، لكن ربما يكون العامل الثاني أقل شأناً وسأوضحه الآن . بعد نهاية دوام المدرسة اليومي أعود الى البيت وأبقى الى اليوم التالي مع القراءة والكتابة والموسيقى والتأمل وحيداً { قبل تعرفي الى شبكة الانترنت } . أحياناً التقي صديق أو أكثر أثناء النزهات المسائية لمدة معينة وأعود من حيث أتيت . في المدرسة أثار انتباهي ذلك الحديث السريع والجمل الطويلة التي لا تنقطع في كلام الناس الذين يعيشون مثلي بمفردهم . اكتشفت أن العزلة تجعلني أتكلم كثيراً جداً حين التقي الناس في الخارج للتعويض عن ساعات الصمت الطويلة في البيت ، وبما انني كنت معجباً في الشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ وحاولت في الماضي أن تكون جملتي الشعرية طويلة كما هي عنده ، فقد استثمرت هذه الحالة الغريبة وواصلت المران الدائم في الكتابة حتى تجلت أخيراً في مجموعاتي الجديدة . الوعي الشعري الذي يتطور باستمرار عبر التجارب والأحاسيس المختلفة ، كان له الدور الأساسي في انتاج هذه اللغة التي أستخدمها الآن من دون قصدية .
•هل تشعر ان للقصيدة تاثير في تغيير الواقع العراقي الملبد بالعواصف والمتناقضات..؟
-الواقع العراقي بعد التغيير أوجد أساطيره ورموزه المتناقضة والعاصفة ولا أعتقد أن للقصيدة أيّ دور في تغيير هذه المتناقضات . ومن فضائل شعرنا العراقي الآن انه لا يسير وفق الأهواء الآيديولوجية أو تلك المضامين التي تسعى الى أن تكبله بترهات الواقع اليومي . أتابع التجارب الشعرية العراقية الجديدة دائماً وأرى انها تحاول تلمس ما وراء الواقع عبر شعر يحنو على الاخلاص للتجربة الروحية للشاعر وامتداداتها المعرفية والجمالية . قلتُ في مناسبة ما أن الحصيلة الابداعية للفعل الشعري في كل العصور كانت قليلة بسبب الجوهر الحقيقي للشعر وهذا هو سرّ الابداع الذي يحافط عليه هذا الفن العصي . هل تهمنا الآن تلك القصيدة العمودية المتحجرة والمتخلفة التي يكتبها الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة جابر الجابري المهموم بمهرجاناته التافهة ؟ وهل تهمنا تلك المجموعات البائسة والمنحطة التي أصدرها بالعربية بعد سقوط النظام ، الوكيل الثاني لوزارة الثقافة فوزي الأتروشي وهو يقلد فيها نزار قباني ؟ بالطبع لا تهمنا ترهات هؤلاء الأدعياء الذين يهيمنون على مؤسساتنا الثقافية الآن بسبب الطائفية والمحاصصة وستكنس رياح الابداع العراقي كل أفعالهم ومشروعاتهم الحقيرة التي تحاالتغطية على النسيم الابداعي الأصيل بالعراق الآن .
•امتازت قصائد الناصري الاخيرة بالعمق والنظرة الفلسفية للحياة، هل تعد نفسك فيلسوفا..؟
– كنتُ ومازلت أطمح الى أن تكون القصيدة ذات محتوى فكري عميق وتعالج المسائل الكبيرة في الحياة والوجود ، بعد أن شوهت مفاهيم الشعر وقيمه الأهداف الآيديولوجية للقوى التي هيمنت على واقعنا الثقافي والسياسي منذ عهود طويلة . لا أعتبر نفسي فيلسوفاً ولا مؤرخاً ولا مشتغلاً في الفلسفة . ما يهمني هي تلك الموضوعات التي تشغل بالي في الزمن والموت والحب والتحول والصيرورة وماوراء الوجود . هل لي أن أتحدث عن المطلق في لغة صحفية مباشرة ؟ ما يعوز شعرنا الآن هي الأفكار واللغة الجديدة والنظرة العميقة للأشياء في العالم ونحن نحاول أن نقدم قصيدة تسعى الى التصالح أو سبر الأغوار العميقة لتجاربنا ومخاوفنا وآمالنا في هذه المتاهة المعلقة ما بين لحظة الولادة ولحظة الموت . المضامين العميقة في القصيدة والنظرة الفلسفية للعالم والأشياء التي نسير بين متاهاتها . تأتي عبر المرجعيات المعرفية للشاعر وقلقه الدائم من التحول والصيرورة وهو يحاول أن يكتشف معنى الكينونة وسط هذا الركام من الأفعال والأحلام المتناقضة في العالم والراهن اليومي الذي يحيّرنا في كل حين وهو نحاول أن نتلمس الفجر البعيد لحياتنا وأحلامنا في الوصول الى السرّ الحقيقي للوجود . في محاولاتي الدؤوبة أسعى الى لغة وصياغات ومضامين لقصيدتي غير تلك اللغة والصياغات التي تأتي عبر قراءة التجارب التي سبقتني . كل شرارة حقيقية في الابداع تأتي عبر الاضافات للتجارب الماضية ولا نستطيع أن نضيف شيئاً جديداً ونحن نكتب وفق الصيغ والأشكال التي سبقتنا . ماعاد موتي يهمني الآن بعد أن تدربت عليه طويلاً من خلال فهمه والاحاطة به عبر الموقف الفلسفي للتحول والصيرورة ، وفي قصيدتي أسعى الى العيش بتوازن مع اللحظات القليلة الممنوحة لي في العالم من أجل أن يكون لحياتي ذلك المغزى العميق الذي بحثت عنه دائماً . التشابه الحاصل الآن في أغلب التجارب الشعرية يجعلني أسعى للبحث عن المختلف والجديد من خلال قلقي وصراعي مع الزمن والموت والتجددات الدائمة للطبيعة واللحظات التي تعبر بخفة في الزمن . لا يمكن الآن كتابة القصيدة بمعزل عن الرؤيا والموقف من العالم . التجارب الشعرية التي تتوخى البساطة والعاطفة الخاوية لا مكان لها الآن في الفعل الشعري ، وما عادت مفاهيم الشعر التي سبقتنا تلبي الحاجات العميقة لانسان عصرنا المبتلى بالقلق والسأم وهو يواجه المصير البائس لنهايته في هذا العالم المتغير والمتحول دائماً . كل قصيدة هي رؤيا للعالم ومعرفة ، ومن خلال المعرفة ينشّط الشعر الذاكرة العاطلة للانسان ويمنحه وعد ورجاء في ظلمة العالم الذي يستلبنا في كل حين . جئنا من العدم والى العدم ننتهي . لماذا يظن الانسان انه خالد في هذا العالم ؟ حيواتنا تمرين دائم لتعلم الموت . ينبغي أن لا نقرف من الحقيقة المرّة . ينبغي أن نحيا اللحظات القليلة الممنوحة لنا في الحياة ببراعة وخفة دم رشيقة من أجل الجمال الساحر للفصول وتنوعها والتعدد البرّاق لأجناس الطبيعة غريبة الجمال ، ومتعة السرور التي نخلقها نحن في تخلينا عن الطمع والقسوة والبخل . الرهان الدائم عندي حول المران الطويل في الكتابة هو الذي يجعلني أواصل المغامرة والتجريب من أجل خلق لغة وكلمات وأنساق خطابية جديدة للقصيدة التي اكتبها عبر الصراع الطويل مع اللغة وانزياحاتها وبلاغتها . ما عادت الطريقة الغنائية الآن في النص الشعري تلبي الحاجات النفسية والشعورية للشاعر . لا يمكنني أن أكتب جملة من سطرين أو أكثر وأنا أحاول التعبير عن محنتي الدائمة من زوال الأشياء في العالم ، أو استحالة وجود الانسان على الأرض كما يقول هايدغر . أنا أعيش حيرة كبيرة ووعي مدمر في التحولات وصيرورة الانسان والعالم والزمن والطبيعة . عندما صدرت مجموعتي { أرض خضراء مثل أبواب السنة } عام 1996 كتب عنها الشاعر خيري منصور في صحيفة { الدستور } الأردنية أن لغتها محتدمة . أنجزت بعدها 5 مجموعات وواصلت التصعيد والاحتدام عبر التجريب الدائم لأن المشاكل التي واجهتني في الحياة وتجاربها تطلبت مني أن أغيّر في كل حين طرائقي الكتابية وقاموسي اللغوي والانساق الخطابية في النص .
•للحب صورة اخرى قد تختلف عن صور مجايليك من الشعراء بماذا تبرر ذلك..؟
ربما لعلني عاشقاً طوال حياتي وقد أضفيت قيمة زائفة على المرأة التي أحببتها من خلال الشعر وحوّلتها الى رمز لكي أحتفظ في الجوهر المثالي للحب . للحب كما هو معلوم طاقة عظيمة في الشعر وهو أحد الموضوعات الكبرى طوال التاريخ وفي سعينا الدائم الى امتلاك المحبوب ، نعرف اننا مرضى وأنا أعتبر نفسي من مرضى الوجود . حاول الكثير من شعراء الثمانينيات تقديم قصيدة حبّ لكنهم فشلوا ولا نتذكر الآن أيّ قصيدة حبّ لشاعر منهم والسبب يعود الى انهم كتبوا قصائد حبهم وفق التقليد والذاكرة الجمعية للشعر العربي والتجارب التي سبقتهم . امتزج حبي دائماً في الموت والتحولات الكبيرة في الزمن ولذلك بدت قصيدتي وكأنها محاولة للخروج من نفق الموت / الزمن ، وعلى الرغم من امتلاكي لنساء كثيرات في حياتي وآخرهن اوروبية شقراء تعيش معي منذ 8 سنوات ، لكن صورة تلك الفتاة السمراء التي أدعوها { الشفيعة } ظلت عالقة في ضميري طوال حياتي . نعم انها تجربة عاثرة وحب من طرف واحد ويبدو انني أحبّ الحبّ وليس امرأة واقعية من لحم ودم . يكمن عزائي الآن في العيش بالجوهر الحقيقي للحبّ عبر معايشتي له في الأحلام والأشواق والذكرى الحارة لصورة المحبوب وأنا أتكبد الخسائر الكبيرة في ناره ورماده . وفي سعيي للخلاص من هذه النار وهذه المتاهة اكتشفت انني لم أقطع علاقتي مع فتاتي هذه وظل تواصلي الحميم معها يتم عبر اللقاءات العابرة والرسائل الدائمة والمحبة التي تستعر جذوتها عبر كل لقاء وكل همسة أو لمسة . حبي هذا كان وما زال أحد الينابيع الشعرية في حياتي ولولاه لكنت قد تحجرتُ أو انتحرت . العشق في الزمان النفسي طاقة مبطنة والسهر تحت ظلالها يمدّنا بالقوة الدائمة. للتسلط على لحظاتنا الخائبة في العيش . ينبغي للانسان أن يقذف نفسه في البركان وأن يعشق وأن { يكون وحيداً في العالم مع المحبوب كي يحتفظ الحب بطابعه كمحور اشارة مطلق } هكذا يقول سارتر في { الوجود والعدم } .
•في قصيدتك ظل للثمرة المتعفنة لحركة التاريخ تقول (عبرتُ في شبابي حقول ألغام كثيرة ، وعشتُ حياتي كلها في قلب الفوضى) هل هو اقرار بفوضوية الحياة التي عشتها وحلمك بحياة اكثر استقرارا..؟
-اكتشفتُ الشروط الحقيقية لمواصلة مشروعي الشعري وتجاربي مع الكتابة حين غادرت العراق باتجاه المجهول وحين قذفت نفسي في البركان . عشت حياتي الماضيى في قلب الفوضى واستلبتني مرارة الواقع العراقي دائماً . أمضيتُ كما قلت في عمّان 4 سنوات مشرداً وجائعاً ولم أكتب فيها سوى قصيدة واحدة عن موت صديقي الشاعر رياض ابراهيم عام 1996 . حين أنظر الآن الى صورة حياتي الماضية أشعر بالاشمئزاز والقرف بسبب تأديتي للخدمة العسكرية الاجبارية التي كنت أهرب منها دائماً وعيشي متخفياً من عيون السلطة الغاشمة وخوفي من القتل وضياع أيام شبابي في جبهات الحرب والمعسكرات والبارات والمعتقلات . { 12 سنة خدمة اجبارية . 7 مرات هروب . سجن عدة مرات } . عام 1980 قبل بداية الحرب العراقية الايرانية كنت أستلم راتبي من وزارة النفط وأذهب مع صديقي الشاعر ناصر مؤنس الى { اورزي باك } ونشتري الاسطوانات الموسيقية ونحلم في مستقبل أفضل . جاءت الحرب وتمت عسكرة المجتمع العراقي وأغلق ال { اورزدي باك } ومنُعت الكتب التي تصدر في القاهرة وبيروت ودمشق من دخول المكتبات العراقية وتحولت دور السينما الى مسارح لتقديم العروض التهريجية . هنا وجدت نفسي شأني شأن بقية العراقيين أعيش في الفوضى والخواء الروحي وظلام الثقافة التي أوجدها نظام صدام حسين . الآن بعد أن توفرت لي الشروط الانسانية لمواصلة مشروعي الكتابي . عدتُ الى اقتناء ما حرمت منه في الماضي . بيتي الآن مليء بالكتب والاسطوانات الموسيقية الكثيرة واللوحات التشكيلية والأفلام التي حلمت دائماً في مشاهدتها . من خلال صديقتي آنّا تعرفت على جوانب مختلفة من الثقافة الاوروبية في مناحيها الروحية السامية .
•من خلال سعيك للبحث عن المختلف والجديد هل وجدت ضالتك.. وكيف تقنع الراهن الشعري العراقي الذي تخندق من جديد بخندق الكلاسيكية بالتجربة الحديثة..؟
-لا أدعي انني وجدت ضالتي حتى الآن لكنني أطمح الى أن أتلمس طرائق جديدة للتعبير الشعري في هذه المتاهة التي تتشابه وتتكاثر فيها الطحالب والأشنات . دعني هنا أن أقدم الى القارىء ما ذكرته عن القصيدة في كتابي { سنبلة قمح لم تولد } حتى يطلّع على ما أطمح اليه :{ قالت لي آندريه شديد مرة وهي تناولني أحد كتبها . لا يمنحنا الشعر الشهرة ولا الجاه ولا السلطان ، لكنه معلق بين أهدابنا ويدلنا على تلمس الفجر . منذ تلك اللحظة العظيمة التي التقيت فيها آندريه . قبضتُ بقوة على الجمرة المشتعلة للكتابة وواصلت طريقي الطويل في الظلام من أجل أن أتلمس الفجر ، لكنني حتى هذه اللحظة لم أكمل عبور الطريق وفجر حياتي ما يزال بعيداً ، بعيداً جداً . بعض الشعراء الحمقى يتأثر في الشخصيات التي يقرأ نتاجاتها ويكثر من الاستشهاد منها . مصيبة الشعر العراقي الراهن انه خاضع لمفهوم الاشاعة . الاشاعة الآيديولوجية والثراثية واشاعات الخدائع المتواصلة التي تركتها لنا الأجيال الشعرية الماضية . قال شاعر ما { أظنه بودلير } في أحدى شطحاته الصوفية وهو يعرّف الشعر انه { الطفولة المستعادة قسراً }. أصبح هذا المفهوم الخاص و هذه الاكذوبة والهلوسة البودليرية حقيقة مؤكدة في أوساطنا الشعرية التي تقدس ثقافات الأحزاب السياسية والدينية . وصلت الى حدّ أن يعنون أحد شعراء السبعينيات مجموعته الأولى بسطرين من قصيدة للشاعر الاسباني انتونيو ماشادو { أنا صحوت من الطفولة . لا تصحو أنت أبداً } واعتقد أن كلمة { أبداً } هنا خاطئة والأصوب هي كلمة { قَط }. الفهم خاطىء والترجمة خاطئة والفعل الشعري خاطىء أيضاً . ما العمل الآن من أجل ترك الشعر يحلق بعيداً عن الأقفاص التي يحاول البعض حشره فيها ؟ تبقى القصيدة غير مكتملة حتى وان نشرت في صحيفة أو مجلة أو كتاب . لا تكتمل القصيدة التي هي مشروع محو واعادة كتابة دائمة إلاّ بموت الشاعر . تضجرني قراءة قصائد الشعراء الرسميين الأحياء في طبعات { أعمالهم الكاملة }. قصيدة الشاعر الحيّ في كتاب ، أشبه بجثة في تابوت . في قصيدتها { شبح قايين } تقول إيدث سيتول في أحد السطور { صوت سنبلة قمح لم تولد }. كل قصيدة قبل موت شاعرها ينطبق عليها سطر ستول هذا . مرض شعري عراقي جديد بدأ يتوسع الآن بتأثير من بيئات وعصابات شعرية مصرية ولبنانية وخليجية. شاعر مزعوم يتوسل حد الخنوع هذا وذاك من أجل الكتابة عن شخابيطه وشاعريته الحلزونية . أغلب هذه الكتابات يقوم فيها هواة صحافة وليسوا نقاداً. يقوم هذا البغل الشعرور بعد ذلك باعادة نشرها في صحف ومواقع كثيرة ومن ثم يطلب من أحد ما كتابة مقدمة لها وتصدر على حسابه الشخصي في الأردن أو لبنان. لماذا يتكلف هذا الطحال المنفوخ كل هذه الخسائر في التنطع والجهد والوقت والمال؟ { هل لأنه عديم القيمة } وخفيف . خفيف كصخرة .
•كيف تنظر الى الواقع الثقافي والادبي للعراق بعد 9 نيسان 2003..؟
-على الرغم من العتمة التي تخيّم على الواقع الثقافي والأدبي بالعراق منذ التغيير . أرى أن هناك بعض التجارب المضيئة قد بدأت في التكوّن والظهور ، وهذه التجارب هي ما نعول عليه للخلاص من العتمة والثقافة الشعبية المنحطة التي أوجدتها الأحزاب الطائفية عبر التهريج وما يسمى الشعر الشعبي . سعت الثقافة والابداع العراقي دائماً الى الجمال والمحبة بعيداً عن ثقافة السلطة التي تروج الى أهدافها البعيدة عن قيم الحق والخير ، وفي تواصلي الحميم مع الثقافة بالعراق أعرف حجم التحديات التي تواجهها هذه الثقافة والتعتيم عليها من خلال التشويه والتشويش وعدم قدرة المؤسسات الثقافية في العراق الى مساعدتها والاهتمام بها . لا يمكننا أن ننتظر من هذا الوزير أو ذاك المدير أن يأخذا على عاتقهما النهوض بالواقع الثقافي . الثقافة الآن تسير وتحفر في الصخر من أجل ردم كل المستنقعات التي أوجدها النظام السابق والنظام الحالي .
•هذا يجرنا الى سؤال، كيف ترى المربد القادم الذي سيقام نهاية ابريل/نيسان الحالي واين تضعه في قائمة المهرجانات الدولية..؟
– المربد مهرجان بائس وكل المهرجانات بائسة أيضاً لأن من يتولى اقامتها يطمح الى غرض إما دعائي أو الترويج لبضاعة سياحية معينة . أنشأت سلطة حزب البعث مهرجان المربد في بداية استلامها السلطة عبر الانقلاب المشؤوم ومن ثم راح نظام صدام حسين يقيمه كل عام من أجل التمجيد والاشادة بحروبه واجرامه . الآن بعد زوال نظام طاغيتنا مازال أولئك البؤساء الجدد الذين هم على شاكلة صدام وثقافة حزبه يحاولون اقامة هذا المهرجان . ينبغي الغاء مهرجان المربد من ذاكرتنا الآن وترك الشعر يسير بعيداً عن المهرجانات وثقافة السلطة الرسمية .
•كنت وما زلت مبدعاً دون ان تتوفر لك أدنى الشروط الانسانية خلال هروبك وتجوالك في مدن مختلفة فهل عوضك هذا ما كنت تبحث عنه ام انك تشعر أن ما خسرته من سنوات لا يمكن ان يعوض..؟
– ليست هناك قوانين معينة في الابداع عبر الألم والسرور وسواهما من الأحاسيس . الألم الذي تحدثت عنه في كتابي { معرفة أساسية – الحرب . الشعر . الحب . الموت } عاشه أغلب الناس والشعراء الذين ابتعدوا عن المؤسسة الثقافية الرسمية في عراق الثمانينيات . من الصعب الآن قراءة الواقع الذي عشته في الماضي ، ذلك لأنني كما أوضحت في حوار أجراه معي الشاعر عبد العظيم فنجان ونشره في موقع { ايلاف } قد قمت بتمزيق 7 مجموعات شعرية لي عندما كنت في الأردن عام 1996. أردت في عملي هذا أن أبدأ من جديد واعتبرت أن ما أنجزته في السابق هو مجرد تمرينات لما هو قادم . ولكن يمكن التعرف الى بعض الألم الذي عشته في الماضي من خلال مجموعتي { أرض خضراء مثل أبواب السنة } التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1996، وكذلك مجموعتي { في ضوء السنبلة المعدة للقربان } التي صدرت عن دار بابل في دمشق عبر اصدارات المركز الثقافي السويسري العربي عام 2007 ، وهو ألم يبدو لي الآن مازال مستمراً ولا أستطيع التخلص من جذوته المشتعلة دائماً . كل كتابة تحتوي على عاطفة أو انفعال غير مسيطر عليه . لا عمق فيها وتشبه تلك المنحنيات المعوجة وغير المتناسقة في فن عمارة عصر الباروك . الانفعال يهدم { التوازن التماثلي } لجمال اللغة ويضفي طابعاً دينياً على النص . يجب التخلص من هذه الدمامل حين نرغب في تقديم ما يتوق الى الظهور ونحن نغطس في الأعماق السحيقة للحلم أثناء لحظة الكتابة .
•بطاقة:
– ولدتُ في محافظة الناصرية عام 1960 . بعد شهر عادت بي أمي الى بغداد حيث تسكن عائلتي منذ عام 1958 . دخلت مركزاً لمحو الأمية وتعليم الكبار في مدينة { الثورة } بمدرسة الجبل الأخضر بقطاع 9 لمدة 6 شهور عام 1975 . منحوني شهادة { يقرأ ويكتب } . عام 1979 تم سوقي الى الخدمة العسكرية الاجبارية وتسرحت منها في أعقاب حرب الخليج الأولى في عام 1991 . عام 1986 أصدرت بخط يدي مجلداً ضم 4 مجموعات شعرية بعنوان { جهشات 4 مجموعات شعرية } . كان أول ظهور أدبي لي عبر مجلة الكرمل عام 1986 عبر 7 قصائد نشرها لي الشاعر والروائي سليم بركات . صدرت مجموعتي { أرض خضراء مثل أبواب السنة } عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1996 على نفقة المرحوم عبد الوهاب البياتي . عام 1997 صدرت مجموعتي { قبر في الذاكرة } ضمن اصدارات دار مخطوطات في هولندا . صدرت مجموعتي { في ضوء السنبلة المعدة للقربان } عام 2007 عن دار بابل بدمشق . أصدرت عبر موقع { الكاتب العراقي } 4 كتب نثر { معرفة أساسية . الحرب . الشعر . الموت . الحب } و { ردات واندفاعت الشعر العراقي } و { العودة الى الهاوية . بؤس الشعر العربي الراهن } و { مقالات في الشؤون الراهنة } . أصدرت في موقع { الكاتب العراقي } أيضاً 3 مجموعات شعرية { أشياء ما بعد الموت } و { الشرائع الجليلة للسنبلة } و { كتاب الحكمة الغجرية } . لي مجموعة ب 3 نصوص طويلة أجلت نشرها الآن وأحاول انجاز كتابي الجديد { سنبلة قمح لم تولد } الذي نشرت منه فصلين بموقع { ايلاف } . أقيم في السويد منذ عام 1998 بعد أن وصلتها لاجئاً من الأردن حيث عملت في فصيل سياسي معارض لسلطة الطاغية صدام حسين . مهنتي في جواز سفري العراقي هي { شاعر } . متفرغ للكتابة ولا عمل لدي سوى الكتابة .
نصيف الناصري
العتمة اللامتناهية للفناء
{ الراحة والنوم ، ما هما إلاّ صورتان منكَ ….
جون دن . قصيدة : يا موت لا تتباه بنفسك } .
1
سنوات طويلة أمضيناها بصحبة { ايبيس } في أنهار فن التنجيم .
لم نعثر على وجه الانسان المتقوض في ضوء الشمس ، ولم
نعثر على سوسنة الرجاء المتفسخة . في الممرّ المنخفض الذي يوصلنا
الى ليل وأبواب بحر الموت . اختفت أصواتنا وتلوّت الأشجار صائتة في
الطريق . كل ما نراه الآن . صراصير تترنح في طيرانها عبر
اللهب الأسود لجهات الأرض المهتزة دائماً . لماذا لحظة الرغبة
مليئة بالاشارات التي تفصل الثمرة عن شجرتها ؟ الحشائش
الجافة التي يجمعها الانسان في الليل ويركنها قرب قفير عسل
حياته . تطيرها الريح المسوّدة والمثقلة بمعطفها عليل الأجفان .
الى أيّ حدّ نبقى نصيخ السمع الى شجرة الزوال المثقلة بالأعطيات ؟
ينبغي لنا أن نتخلص من الظلال الداكنة والمشرئبة لموتنا ، ونرمي
شفرة الصلاة في الأسرار الطنّانة للطبيعة . يحتاج الانسان الى فجر
جديد يتجادل فيه مع الملائكة حول الأدوية والأقراص التي تخفف
الصدمة المسبقة لموته . الى متى نبقى نستعد ونرحب في العناصر
الأكثر ترويعاً في موت الانسان ؟ وحدها مصائرنا التي لم تستنطقها
تماثيل الآلهة . معلقة من دون حصانة في أسفل الشجرة التي تصاهر الجذام .
2
حياة كلّ منّا تستمدُ بذرتها من الكلمة التي تنمو في فوضى الماوراء
ودائماً نخفي صمتنا قبل انطلاق المراكب في قناديل الفجر الصافية
ونؤجل رحلتنا الى الينبوع الضامر للحظة الانبعاث . حياة كلّ منّا ضفة
شديدة الانحدار ، لكن احساسنا تحت العوالم الخبيئة للقلق هو ما يمنحنا
بداية جديدة لطقوسنا المتحفظة في عبور اللحظات . أحلام الانسان تمرّ
كنسمة جافة في الجزر الطحلبية لليله ونهاره ، ويتدفأ موته في التهيجات
المرصعة لحصاد قمح أيامه ، وفي الرنّة المتصلبة لصرخته تحت الجذوع
العتيقة لشجرة العالم . يكتمل البرق وتنتصب في يقظتها أشرعة رغبته في
الوصول الى النيران المفتوحة على الحافة المتلألئة لشواطىء الأمل .
3
عابراً حمم بركان حياتي . أقيسُ الظلال المشنوقة للوردة في الضغائن
الشائنة للحظة موتي ، ومثل تفككات لا مرئية في الأعماق المتكتمة لجروح
الجنس البشري في ينابيع القرون . تتقدم صرختي بين المرايا التي توّسع المتاهة .
هل لي أن أشهد مآثر الصاعقة المجدولة فوق الصواري العظيمة لأحلام
الانسان النائم ما بين الموت وما بين الميلاد ؟ غاباتنا المتحجرة الآن بلا بروق
ولا صلاة ، وفي بخار تطوافاتنا يتناسل الضجر الطويل لقرابيننا المرفوعة .
كل شيء ينغلق علينا في المياه الآسنة لمرايا آمالنا .
4
خلاص الحجارة وتمائمها من الفناء ، خلاصنا نحن وخلاص العشبة المستجيبة
لنداءاتنا تحت القلاع الضخمة للخوف وأناشيده المحرمة . هل ينبغي لنا
أن نحضر التاريخ في الانفصالات التي نغريها بالقدوم لصعود الديمومة ،
من أجل أن لا تفلت منّا اللحظة الأخيرة المطبقة على الانسان الميت ؟ كيف يتسنى
لنا أن نتسلل بهدوء من الأفق المعتم للعالم ، صوب أفق آخر أكثر رحمة ورحابة ؟
حيوات تنفست هواء الأرض بالمليارات وغابت . خطّافات مصوّتات .
ديناصورات وحيوانات ثعبانية مالت فيها الرياح العظمى للفناء صوب الهاوية .
كل شيء ينتهي الى حجر وصاعقة . حيوات أخرى قادمة تنتظر عند الجدار
الصريح للصلب . هذه المنظومات التي يسير في فوضى شرائعها العالم . اهانة
لوجود الانسان . ينبغي أن نسقط رهاناتنا الصدئة في بئر النجمة الكبيرة ، ونحيا
في فراديس الأحلام والسطوعات الأثيرية للفكر .
5
ندفعُ في كل آنٍ مجاذيفنا صوب التدميرات التراجيدية للشيخوخة ، وتتحطم بين
رمال تنفساتنا قناديل الزمان . هل لنا أن نصالح ما بين موتنا وما بين الصخرة
التي تشعشع في مجدها وغبطتها السرمدية على الشواطىء المتكشفة للطبيعة ؟
طائر الطيطوى بشير الكارثة العظيمة وشاهد اللحظة المنحنية على الهاوية .
يصرخ تحت ثقل الرياح الثلجية اللاتطاق فوق رماد مصائرنا وينذرنا : { لا ثمرة
شهاب تباغت ليلنا في الماضي والحاضر والمستقبل ،
ولا ميراث عيد ينوّر شفاهنا المتورمة في انفتاح الرماد على الأغنية المختنقة ،
ولا صلاة تترك ملحها على الرغيف المتعفف لصيفنا قليل الحمولة ، ولا الأنهار
تصبّ في التسليات المتغضنة للحظتنا الراهنة } . علامة بلا شكل تتلمس بانتظام كل
ماهو حيّ في أصواتنا ، وتغرقنا في العتمة اللامتناهية للفناء .
6
يخاطبُ النفرّي ويتضرع في نار محبته المريضة ، الى فكرة اخترعتها الشعوب
السامية ، من أجل خلاصه المرتجى . هل نحتاج نحنُ الجراد المريض في السل
الى ايمانات وشعائر وأساطير ، أم نحتاج الى الاخوة والحب والجنس والطعام
والموسيقى والأحلام والمعرفة ؟
اخترعنا في حيرتنا وضعفنا ولعثمتنا الفادي ، واخترعنا الهادي .
لا الفادي نوّرت في ليل العالم أضاحيه ، ولا أينعت وردة الرجاء
ولا الهادي رست سفينة نجاته في مرافئنا التي زلزلتها الأعاصير .
حقيقة . حقيقة واحدة يجب أن نتقرب من مصاهرتنا ونتقبلها بمحبة عظيمة .
ما نحن إلاّ حشرات زاحفة تتماثل مع كل المخلوقات في الطبيعة ،
والأجمل والأكثر قداسة منّا ، هي الرخويات ، والطنّانات في خلاياها المستلقية
على العطر اللازوردي للنذور والأشجار الصاعقية للحياة .
7
أيها الموت يا خليلي
يا خليلي الذي يكّسر مصابيح وغُصينات حياتي
ويقرع للعدم ندى أجراسي
ويسهر بثقله الجبّار على الأريج الزعفراني لرغباتي وآمالي .
منكَ لا شفيت من ألمي العضال
ولا دوّيداتكَ الذئبية التي ستجيء
تحنوّ على فضة جثماني وخزامى أنفاسي .
23/ 3 / 2009 مالمو