(حكي)
تحكي الأم لجاراتها :
ـ يوم مولد شهاب الدين السهروردي ، ظل والده يدلف الخطوات في باحة البيت ، حتى لمع أول خيط من نور الشمس ، وتسرب من نوافذ الغرفة ، تزامنا مع الطلق ، وصرخة الصبي ، وهو يخرج من ظلمة البطن .
زغردت النسوة في البيت . غفوت قليلا ، فرأيته مثل ملاك بجناحين ، يحمل قلما في اليد اليمنى ، يتكلم وينظر إلى السماء ، وعلى يساره يلمع بريق سيف ، فوق سرير مفروش بديباج أحمر .
قالت إحدى الجارات :
ـ ربما كان ذلك مجرد وهم ناتج عن آلام الولادة ، وما يرافقها من ضعف وتعب .
أجابت الأم بثبات :
ـ لا لم يكن وهما . كان رؤيا قوامها القلم والسيف ، الكلمة والقوة ، وجهان لعملة واحدة هي السلطة . عندما حكيتها لوالده قال بأنها فأل خير، وأن الولد سيكون له شأن كبير . لذلك سماه شهاب الدين تيمنا بالنور الذي انبثق من النافذة لحظة ولادته .
كبر شهاب الدين السهروردي ، وشد الرحال إلى كل الآفاق التي تشرق منها الشمس أو تغرب . تنضب الجداول ، فيرحل بحثا عن الأنهار ، حتى انتهى به المطاف في حلب ، عين الشام وبؤبؤها . الحلم الذي انتظره الأيوبي ثمان سنوات . وعندما دخلها فاتحا بلا حرب ، طمأن فقهاءها بعدم التدخل في شؤونهم .
لم يترك عالما معروفا في عصره ولم يجلس إليه . هل حان الوقت ليجلس الآخرون إلى هذا الفتى القادم من الشرق ؟
لتحكم الشرق القديم ، وتغري الناس بطاعتك ، عليك أن تخفف من وضع يدك في جيوبهم ، وأن تسترضي فقهاءهم . كان الاتجاه الغالب في حلب ، تيار سني تقليدي قوي يسيطر على الأحباس والقضاء ودار الفتوى وإمامة المساجد وخطب الجمعة والمقابر وباقي المؤسسات الدينية .
بعد وقت وجيز من وصوله حلب ، اختلف الناس حوله . البعض تحدث عنه ، وكأنه نهر يتدفق ويتفرع إلى جداول ، يترقرق ماؤها صافيا ، يروي مساجد ومجالس حلب العطشى إلى فكر مغاير . والبعض انتهى إلى سمعه ، بأنه مارق وخارج عن الدين ، يسمم الهواء النقي الذي تنفسته المدينة قبل حلوله بها . واتفق الفريقان على أنه عديم الاعتناء بهندامه وطعامه . البعض ربط ذلك بتصوفه وزهده ، والبعض ربطه بزندقته ومجونه .
وصل صيته إلى القصر ، استضافه الأمير الظاهر الابن الثالث لصلاح الدين الأيوبي . قيل بأن والده عينه حاكما على حلب ، وهو ابن الخامسة عشرة ، ولم يمر على تعيينه إلا وقت قصير . الشباب يميل إلى بعضه . أُعجب السلطان الغر بالشيخ الفتى وشطحاته الصوفية . شيء واحد نفره منه ، هندامه الرث المليء بالثقب والرقع ، وعدم قص شعره ، والوسخ الذي يظهر على بشرته بفرط الإهمال المقصود التي يتعرض له الجسد .
اشتعلت نار الحسد والحقد في صدور أهل العمائم . نظم له مناظرات مع خصومه ، وأفحمهم أمامه بقوة العقل والقلب والمنطق والحدس . بدا السلطان وكأنه ينتقم منهم بسبب تضايقه كثيرا من تدخلاتهم في سلوكه وتصرفاته كحاكم تحت غطاء تقديم النصائح :
ـ افعل كذا ولا تفعل كذا . ورد في صحيح البخاري كذا ، وأن أبا بكر الصديق (ض) كان يفعل كذا ، وعمر (ض) نهى عن كذا . جاء في صحيح مسلم كذا ، وأن عثمان (ض) تصرف بهذه الطريقة .
هي الحرب إذن . من أشعلها ، عليه أن يدفع ثمنها . بدئوا بتغذية وتأكيد الإشاعات التي نشروها من قبل ، وهي تتهم الوافد الجديد بالزندقة وإفساد العقائد . نصحوا الملك بالابتعاد عنه ، فلم يسمع . طلب منهم البرهان إن كانوا على حق . عقد لهم مناظرة داخل القصر ، حضرها كل أهل المعرفة والدين في حلب .
طرحوا السؤال المشنقة الذي نصبوه للشيعة والمتصوفة عبر التاريخ . هل يمكن لله سبحانه أن يبعث نبيا جديدا بعد سيدنا محمد خاتم الأنبياء والرسل ؟
أشهروا سيوفهم ، وكمنوا لشهاب الدين السهرودي في منعطف الطريق بين حرفية النص ، ومطلق القدرة الإلهية .
“ـ الفقهاء : أنت قلت في تصانيفك إن الله قادر على أن يخلق نبيا . وهذا مستحيل .
ـ شهاب الدين السهروردي : ما حدا لقدرته ؟! أليس القادر إذا أراد شيئا لا يمتنع عليه ؟!
ـ الفقهاء : بلى .
ـ شهاب الدين السهروردي : فالله قادر على كل شيء .
ـ الفقهاء : إلا على خلق نبي جديد فإنه مستحيل .
ـ شهاب الدين السهروردي : فهل يستحيل مطلقا أم لا ؟
ـ الفقهاء : كفرت .”
لا اعتراض على صحة النص الديني القاضي بأن النبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء ، كما أنه ليست هناك استحالة مطلقة تعطل القدرة الإلهية .
الفقهاء التزموا بحرفية النص ، وشهاب الدين السهروردي حلق بعيدا في سماء العقل والفكر والفلسفة . كان الجواب معروفا سلفا ، لذلك وقع في الفخ الذي نُصب له ، فحكموا عليه بالمروق ، والخروج عن شرع الله .
الآن اثبتوا بمنطقهم أنه زنديق ومارق وخارج عن الدين . بعد أن أصبحت رقبته تحت رحمتهم ، طلبوا من الأمير بأن يطبق شرع الله ، وإذا لم يفعل فقد انتقلت إليه العدوى .
أمام تماطل الظاهر ابن صلاح الدين الأيوبي ، وتبرمه من تنفيذ رغبتهم في قطع رأس خصمهم ، بعثوا الرسائل إلى والده متهمين الاثنين معا ، معللين ذلك بصغر سن الأمير وانسياقه وراء هذا الصوفي الملعون ، الذي أفسد عقيدة السلطان الغر .
وصلت الرسائل إلى قصر السلطان . خبر صلاح الدين الأيوبي بتجربته أن الرسائل القادمة مباشرة من الفقهاء ، ولا تمر عبر قصر ابنه في حلب ، لا تحمل خيرا .
لم يستتب له الحكم في مصر والشام إلا بعد أن حارب تشيع الفاطميين ، وناصر أهل السنة ، وبنى المدارس المالكية والشافعية ، وانتصر على الصليبيين في حطين ، واستعاد بيت المقدس . فماذا يريدون منه أكثر من ذلك ؟ أما آن لأبنائه أن يريحوه بعض الوقت ؟
تلقى بعض الأخبار عن قلق فقهاء حلب من الفتى الشيخ الذي أزعجهم ، وبدأ يهد قلاعهم .
مشاكل الدولة لا تتوقف ، الصليبيون من جهة ، وأعداء الداخل من جهة ثانية . الزنكيون في الموصل وما جاورها ، والسلاجقة في الأناضول ، وصراعات خفية مع حاشية الخليفة العباسي في بغداد .
في كل مرة يفتح رسالة ، وهو يتمعن في سطورها ، يُحسّ وكأن السم مدسوس بين كلماتها .
كيف يقف بجانب الفيلسوف الشاب ضد أغلب فقهاء حلب ؟ وكيف يأمر بقتله ، وهو لم يخرج عن سلطته ؟
نصبوا له المشنقة ، وأصدروا الحكم ، وها هم يهددون ابنه بمناصرته عليهم !
علمته تجربة السنين الطويلة مع الحروب والدسائس ، كيف يعمل الفقهاء مع خصومهم . أن تواجه جيشا كبيرا ، ومجهزا بكل أنواع الأسلحة ، أهون من أن تواجه جماعة من أهل العمائم تتحكم في مصير بلد . يعملون في الخفاء مثل التماسيح والعفاريت ، ولا أحد يعرف من أين يقبضهم . هذا ما لم يفهمه اليافعان . غاب عنهما أن الثعلب نصح ابنه بألا يهجم على دجاج فقيه القرية لأنه سيُجنّ ، ويُصدر فتوى تُبيح قتل الثعالب وأكل لحمها .
الظروف صعبة وعليه أن يتخذ القرار . لعن السلطة في نفسه قائلا :
ـ كيف تجعل السلطة من الإنسان سفاحا باسم الحق !؟ يا الهي كيف نذبح الناس فقط لأنهم يفكرون بطريقة مختلفة عنا ؟ لا يحرضون ضد سلطة أو ملك . لا يطمعون في عطاء . يعشقون الكلمات . يشعلون فيها نار المحبة . لماذا لا يتركهم هؤلاء الفقهاء وشأنهم ؟
لو لم أحارب الفاطميين ولو لم أنتصر للأشاعرة وأهل السنة ضد الفلاسفة والباطنية لما تربعت على عرش هذه السلطة الملعونة . السلطة في الشرق تحتاج إلى العمامة التي تغطي على حسناتها وسيئاتها . لا يمكن أن تشهر العصا كل يوم في وجه الناس ليقدموا لك فروض الطاعة . العمامة تساعدك في فرض السلطة بشكل ناعم .
إدمان السلطة أخطر من الإدمان على شرب الخمر أو تدخين الأفيون . الخيارات محدودة . في السياسة قد تقتل أخاك أو ابنك أو أعز الناس إليك . بين الحلال والحرام خيوط رفيعة إذا لم تعرف كيف تتعامل معها خنقك الحلال أو الحرام .
لم يعد هناك مجال للتراجع . جاءت الرسالة من صلاح الدين الأيوبي ، تختصر الأمر ، وتطلب من السلطان الصغير ، أن يقتل الفيلسوف الشاب على الفور ، ودون تردد .
بات الأمير الظاهر الابن الأصغر لصلاح الدين الأيوبي يتقلب في الفراش . لم يعرف النوم لجفنيه طريقا . سؤال واحد ظل يتردد في نفسه ، ويكاد ينفجر داخل رأسه : كيف يضعه والده في كفة ، وإرضاء الفقهاء في كفة ؟ ثم كيف يسمح فاتح بيت المقدس وقائد جيوش المسلمين في مصر والشام لنفسه بإصدار حكم بالإعدام على فقيه شاب ، حلق بين كلمات القرآن الكريم ، ولم يخرج عنه ؟
أمر السلطة حاد مثل السيف إذا لم تقطعه قطعك . كل السلاطين يكرهون من يتدخل في شؤونهم ، ويملي عليهم ما يفعلون . لكنها موازين القوى ، لا تسمح بإعدام مدينة بكاملها من أجل عيون حكيم صوفي لا حول ولا أتباع له غير زاده المعرفي .
هؤلاء المتصوفة عندما يشبعون من الحكمة حد التخمة ، لا يبق أمامهم سوى طريق الموت ، طريق الخلاص من الجسد ، وتحرر الروح من أدرانه ، واتحادها مع الروح الأعظم .
شهاب الدين السهروردي شيخ الإشراق من اختار هذا الطريق ، ولم يفرضه عليه أحد . هو أدرى من غيره بألاعيب الفقهاء ، وأصحاب العمائم .
حان وقت الحسم . أرسل الأمير في طلب السهروردي . بعد ذلك اختلف الرواة في طريقة القتل .
البعض قال بأنه مات حرقا ، والبعض أنكر ذلك ، وقال بأنه قتل بالسيف ، والبعض قال بأنه خُنق بوتر .
وقيل والعهدة على الرواة ، بأن الأمير خير شهاب الدين السهروردي في طريقة موته ، فطلب أن يتركه بلا ماء ولا طعام حتى تصعد روحه إلى السماء .
لم يفاجئ الموت شهاب الدين السهروردي ، فقد تهيأ له ، وطلبه كما فعل قبله الحلاج :
لا ترعكم سكرة الموت فما
هي إلا انتقال من هنا
ما أرى نفسي إلا انتم
واعتقادي أنكم انتم أنا
رحل شهاب الدين السهروردي ، لكن لم يرحل فكره ، ولم يجف نبعه . كل المتصوفة الذين عاصروه ، أو جاؤوا بعده ، شربوا من نهره ، ابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما وساروا في نفس الطريق ، بعد أن شقوا لأنفسهم دروبا جديدة .
مراكش 02 أكتوبر 2020
قصة تاريخية تحكي حياة ايقونة التصوف
” شهاب الدين السهروردي ” ومعاناته مع أصحاب
” العمائم ” العلماء والذين كانوا يرفضون كل خروج عن النص وإعمال العقل.
حكي بأسلوب سلس، وموضوع جد غني بالمعلومات عن حقبة بصمت بمداد من ذهب
( رغم الاختلاف) تاريخ الحضارة الاسلامية.
بوركت أيها الكاتب المتألق، ومزيدا من النجاح والعطاء بحول الله.