يقول سبحانه وتعالى ” لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ” وكل منا فهم من الآية أن الله خلق الإنسان متكامل البنيان مضبوط الجسم والهيئة ، ثم توقفنا عند هذا الحد من المعنى المحدود ، مع أن القرآن الكريم المعجزة التي منحها الله لرسولنا الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – هو كتاب الحياة والآخرة للبشر عالمين .. وقد علمونا فقط أن القرآن جاء باللغة العربية لغة العرب بل جهابذة اللغة العربية ليعجزوا عن الإتيان بآية مثله فقط.
ولكن لغة القرآن العربية لغة مقدسة ومنزهة عن أي نقص أو عيب يقول سبحانه ” إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون” يوسف2.. و ” بلسان عربى مبين ” ..الشعراء195,
وهى لغة واسعة رحبة؛ ولذا كل كلمة لها مدلولات وأسرار حتى الحرف الواحد له سره ، وما بين الحين والحين يكتشف العلماء معاني وأسرار أشمل مما كنا نعرفه من قبل ؛ لذا كان وسيكون القرآن صالحًا لكل زمان ومكان ومنهج حياة للبشر جميعًا وليس لقوم بعينهم .
لذا فإن خلق الإنسان فى أحسن تقويم لا يقتصر على الشكل والبنيان المحدود فقط؛ بل يتفرع التقويم إلى أشياء أخرى تفرق هذا المخلوق الذي ميزه الله عن الحيوان وباقي الدواب ليكون خليفة على الأرض .. فميزه بالعقل الذي يفكر ويتفكر ويعقل ويتفقه ويبدع ويصنع لأنه سيحمل الأمانة الكبيرة .. وحملها الإنسان ، لأنه سيكون قائمًا على قيادة الحياة على الأرض وحمل الأمانة يتطلب أن يحتفظ الإنسان بالتقويم جسمًا ومضمونًا وآدميًا فاعلًا ،وعاقلًا عاملًا، وقلبًا مطهرًا عابدًا لله كأن الله يراه ، وأن يظل بتقويمه تامًا سليمًا – ولله المثل الأعلى – كمن يصنع غسالة أو ثلاجة أو آلة مفيدة وتم ضبطها وجاء وقت التشغيل وعملت بكفاءة فى بادئ الأمر ثم يبدأ الإهمال وإساءة استعمال الأدوات كالزراير والباب .. إلخ ..
وهكذا بدأ الإنسان بأحسن تقويم معافى من كل نقص ثم بدأ تشغيله لأداء مهمته التى خلق من أجلها ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” ، وليست العبادة بمفهومها المحدود من صلاة أو صيام ؛ بل مفهومها الواسع الممدود بعمر الإنسان فالعمل هو عين العبادة والصدق عبادة ، وعدم الإفساد فى الأرض عبادة ، وألا تسرق وتكذب وألا تظلم وتجور عبادة ، وكل حركة فى الحياة بما يرضي الله عبادة .
أن تكون الإنسان الذى خلقه الله فى أحسن تقويم.. فإذا أهمل وأساء فلن يؤدى المهمة والأمانة التى حملها.
عندما ينجب الوالدان طفلًا سليمًا معافى من أى مرض هل يفكرون فى تربيته من مبدأ إنسان فى أحسن تقويم؟ أم ينصب تفكيرهم على تقويمه جسمانيًا بالطعام والملبس والعلاج فقط .. وينسون تقويمه كإنسان صالح وعاقل مسئول يستطيع حمل أمانة الحياة ، ليكون رجلًا مسئولًا أو فتاة مسئولة وليسوا مجرد كائنات تأكل وتشرب مثل دواب الأرض وتأخذ كل ما تريده مهما كانت الظروف فينشأ أناني واتكالي لا يعرف مبادئ ولا أخلاق ولا إنسانية الإنسان الذي فى أحسن تقويم .
فليبحث كل فرد فى أطفاله الصغار كيف يجعله إنسان الله وخليفته على الأرض ويحافظ عليه من كل النواحي ليخرج لنا الإنسان الذى يقود الحياة ويكون قيمًا عليها ليكون الإنسان الذي خلقه الله فى أحسن تقويم .