
خاص لمجلة بصرياثا:
..لابد لنا أن نعترف وأن نكون صرحاء مع انفسنا أن الثقافة العربية تمر بأزمة كبيرة لما تواجهه من محاولات مسميته لطمس هويتها وبصمتها الخاصة واختراقها بشتي السبل والأساليب، لأن الأوطان التى لا تتمتع بهوية ثقافية خاصة بها ولها سماتها المعبرة عن أوطانها لا يوجد لها أمن قومى يكون حائط صد قوى ومنيع ضد أى محاولة للاختراق أو للسيطرة والهيمنة على مقدرات الأوطان وجعلها تدور بأفلاك لا تمت لها بصله، لذا طرحنا هذا المحور ( كيفية إعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية) على بعض الكتاب والكاتبات لنري رؤيتهم حول هذا المأزق.
أحمد طايل- مصر
—–
“إعادة الوعي بالموروث الثقافي والفكري: نحو تعزيز الهوية العربية في العصر الحديث”
بقلم: د. نجلاء نصير- دكتوراه الفلسفة في الآداب تخصص الدراسات الأدبية والنقدية من كلية الآداب جامعة الإسكندرية
تعد الثقافة العربية إرثًا حضاريًا غنيًا يعكس هوية الشعوب العربية عبر العصور. غير أن التحولات العالمية، والعولمة، والتحديات الفكرية أدت إلى تراجع الوعي بهذا الموروث، مما أضعف الانتماء والهوية الثقافية. من هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات تعيد إحياء هذا الموروث وتوظفه في تعزيز الهوية العربية.
أولًا: أهمية الموروث الثقافي في تشكيل الهوية العربية الموروث الثقافي يشمل اللغة، الأدب، الفنون، العادات، والتقاليد، وهو ما يميز العرب عن غيرهم من الأمم. إذ يشكل هذا الموروث الركيزة الأساسية للهوية العربية، حيث يُعزز الشعور بالانتماء ويساهم في توحيد الشعوب العربية رغم اختلاف البيئات الجغرافية والسياسية.
ثانيًا: أسباب تراجع الوعي بالموروث الثقافي والفكري والعقائدي العولمة الثقافية وتأثير الثقافات الغربية على الشباب العربي. الإهمال التعليمي في تدريس التاريخ والفكر العربي بطرق تحليلية نقدية. الإعلام المُوجَّه الذي يروج لنماذج ثقافية غربية على حساب الموروث العربي. الحداثة غير المدروسة التي تفصل الحاضر عن الجذور الثقافية بدلًا من توظيفها بطريقة متجددة.
ثالثًا: كيفية إعادة الوعي بالموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي لإحياء الوعي بالتراث العربي، يجب تبني مقاربات حديثة ومتوازنة تشمل: إعادة قراءة الموروث بعيون نقدية:
دراسة النصوص التاريخية والفكرية في سياقاتها الأصلية، وعدم الاكتفاء بالقراءة التقليدية الجامدة.
استخدام مناهج تحليلية حديثة (مثل السيميائية والتفكيكية) لإعادة تأويل النصوص التراثية.
دمج الموروث في الفنون والإعلام:
تحويل القصص والأساطير العربية إلى أعمال سينمائية ومسلسلات تاريخية بجودة عالية.
دعم المسرح والأدب العربي لإعادة تقديم الشخصيات التاريخية والفكرية بشكل معاصر.
إصلاح التعليم:
تدريس التاريخ العربي بطريقة تفاعلية تحليلية، بدلًا من الاقتصار على التلقين.
تعزيز دراسة الفلسفة العربية والتراث الفكري كجزء من المناهج التعليمية.
رقمنة التراث العربي:
إنشاء منصات إلكترونية تحتوي على المخطوطات والأعمال التراثية مترجمة ومفسرة بأسلوب عصري.
دعم مشاريع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لتسهيل الوصول إلى المعلومات التراثية.
رابعًا: تعزيز الهوية العربية عبر الموروث الثقافي
تعزيز الهوية العربية لا يقتصر على استرجاع الماضي، بل يتطلب استراتيجيات تعيد دمج التراث في الحياة المعاصرة، مثل:
الاعتزاز باللغة العربية:
تشجيع استخدامها في التعليم والإعلام بدلاً من هيمنة اللغات الأجنبية.
دعم الأدب العربي المعاصر ليواكب التحديات الراهنة ويصل إلى الشباب.
تنشيط الفنون العربية:
إحياء الخط العربي والفنون الإسلامية وإدماجها في التصميم الحديث.
دعم الموسيقى العربية التراثية وتقديمها بأسلوب متطور يجذب الأجيال الجديدة.
تعزيز التعاون الثقافي العربي:
تنظيم مهرجانات ثقافية عربية تُظهر التنوع الثقافي بين الدول العربية وتسلط الضوء على تراثها المشترك.
دعم الترجمة المتبادلة للأعمال الأدبية والفكرية بين الدول العربية لخلق تواصل ثقافي أعمق.
تشجيع البحث الأكاديمي في التراث العربي:
إنشاء مراكز دراسات تهتم بإعادة قراءة الفكر العربي والإسلامي في ضوء التحديات الحديثة.
دعم البحوث التي تربط بين الموروث الثقافي والتطورات المعاصرة.
ومجمل القول إن :
إعادة الوعي بالموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية ضرورة حتمية للحفاظ على الهوية العربية وتعزيزها. من خلال النقد والتحليل، ودعم الفنون والتعليم، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، يمكن إحياء هذا التراث بطريقة ديناميكية تجعل منه قوة ثقافية قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة، وترسيخ الهوية العربية في ظل المتغيرات العالمية.
—-
مقدمات أساسية فيكيفية إعادة الوعي والنهوض بالموروث الثقافي والفكري للثقافة العربية..
بقلم الكاتب حسن إمامي/ المغرب
المقدمة الأولى:لقد صدق جيل دلوز الفيلسوف الفرنسي(1925/1995)، حينما اعتبر الفلسفة رحلة وتاريخا وتطورا للمفاهيم (الفلسفة صناعة للمفاهيم). ونحن إذ نتناول موضوعا مركبا مثل هذا، يتحتم علينا تحديد إطار مناسب لكل مفهوم، منفتح على متغيرات المعادلات الطارئة عليه حين تفاعله كحقل وكموضوع اشتغال مع حقول ومواضيع مرتبطة به. وسنتساءل عمّ ستكونه الثقافة العربية، ومعها الموروث الثقافي، والموروث الفكري، والعقائدي ـ كون اقتراح المساهمة تضمن الجانب العقائدي، رغم أن العنوان أعلى لم يتضمنه ـ، حقول كبيرة ممتدة في التاريخ والجغرافيا وتنوع الشعوب والأمم واللغات والبيئات والامتداد الخاص والعام لكل تجمع بشري قد يشكل قبيلة أو منطقة أو مذهبا متبعا أو طبقة اقتصادية واجتماعية وسياسية منتجة لما هو ثقافي وفكري وعقائدي. وتتجلى لنا الصعوبة الموضوعية في إمكانية الإحاطة والتحليل الجامع وغير المهمِل لعناصر لها دورها في الحدوث والتشكل ثقافةً وفكرا واعتقادا. كما أن تناول الفرد لموضوع ثقافي وفكري يحتاج منه العودة لمن سبقوه أو عايشوه وكانوا أكثر تخصصا ونفادا في تناول الموضوع.
كون الفرد لا ينطلق من الصفر في تناوله لموضوع وتبنيه لخطاب وتحليل. وكون الثقافة هي ذلك المؤثر الناعم الذي يوقع تأثيراته في الفهم والوعي والسلوك. وهذا تحديد لها من زاوية وظيفتها في السياق. فدائما هناك مرجعيات تكون أساسية وموِّجهة لوعي الفرد وإدراكه وتفاعله مع موضوع ما. هي علاقة الذات بالموضوع، والتي ستتأثر ما شكلّها كوعي وإدراك إذا.
قد تصبح المقاربة كبيرة وشاسعة لا نلمس لها حظوظ تناولها، خصوصا إذا ما استحضرنا البعد الأنثروبولوجي في تعريف الثقافة. وستكون معه الأنثروبولوجيا الثقافية “نوع من أنواع العلم التي تهتم بدراسة سلوك الإنسان وفقا لتأثره في حيا الجماعة التي يعيش فيها وضمنها، ويشمل هذا التأثر كافة الجوانب الدينية والثقافية والاجتماعية والتراثية”. قد يدخل العمران، كما العادات والتقاليد وأساليب الوعي والإدراك، وطرق معالجة العلاقات مع الطبيعة والظواهر والأشياء، كذا المنجزات والسياسات الكبرى والمشاريع المؤثرة في الجماعة والتاريخ البشري، فنكون أمام فعل الحضارات. ونكون بذلك أمام مشروع كبير لا يسع الفرد وحده الإلمام به في معالجته.
ها نحن أقحمنا بُعدين للثقافة على الأقل، دون أن نكون قد بدأنا في تحليل الموضوع. لذلك سيكون من الأفضل ربط مفهوم الثقافة بالعناصر الأخرى المقترحة في النقاش والمؤطِّرة له في الورقة المطلوب معالجتها منهجيا في ارتباطها بالعناصر المتضمنة لها، ونعني بها علاقة الثقافة بالفكر، وعلاقتها بالموروث أو التراث إذا ما أردنا جعل إطار يوضح الرؤية، وعلاقتها ب”العقائدي” دون أن نكون قد حددنا المراد العقائدي هنا ولذلك سنجعله بين قوسين يؤجلان تجلية ذلك. إنه ربط سيعني بالثقافة أسلوب تناول العناصر الثلاثة ومقاربتها ومَوضَعتها في حياة الفرد والمجتمع والأمة.
وحينما نتحدث عن “الثقافة العربية”، فالإشكال يتعقد رغم تحديدنا لدائرته. لكن المشترك الجامع سيبسط لنا السبيل والسير فيها والجمع والاستنتاج. فمن ناحية إن الثقافة العربية تجربة مشروع امتد في عصرنا الحالي لمدة قرن ونصف على الأقل، إلى يومنا هذا. هو حديث عن العصر الحديث حتى يكون السياق واضحا وموضوعيا: عصر النهضة وظهور التيارات المذهبية التي قاربت العلاقة مع الموروث الثقافي والفكري والعقائدي تماشيا مع مقترح العرض للموضوع. نجد الاتجاه القومي والسلفي واللبرالي والاشتراكي، ونجد بزوغ النداءات الهوياتية التي اشتعلت معها الذات وتنازعت الحق والشرعية كما المصداقية التاريخية ومصالحها عموما، فاشتغلت على ما يقوي طرحها وإعادة الاعتبار لموروثها الذي يشكل شخصيتها ووعيها ووجودها المركب في اللاشعور وفي التمثل والتمظهر الخارجي والسلوكي..
هي ذي أرضية لابد لنا من تحدي صعوباتها. وقد سبق لمنظرين ومفكرين تناول موضوع التراث. كان لجيلنا تفاعل مع طروحات محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وحسين مروة، وغيرهم من الأعلام الذين تبوؤوا صدارة الاهتمام والاشتغال المنهجي المرتبط بالتراث ومدى أهميته في النهوض بمجتمعاتنا. قد نكون قد أغفلنا أسماء مثل مالك بن نبي وغيره من الأعلام، إنما هو المقام الذي يجعلنا نستحضر على سبيل المثال لا الحصر. وعليه ما يمكننا إضافته هو ضرورة الاشتغال النقدي على هذه التجارب الرائدة، وضرورة تشذيبها من التأثير الإيديولوجي الذي قد يكون نعمة مثلما قد يكون نقمة، ذلك أن الخلفية الإيديولوجية تخنق انسيابية التفاعل مع الموروث بالشكل الصحيح والسليم، خصوصا إذا ما ابتعدت عن العلمية والموضوعية وتعصبت للتأويل يحيد عن الحقيقة والوظيفة السليمة.
المقدمة الثانية
ستكون رؤيا مرنة ومتغيرة ومواكبة للمتغيرات والحاجيات الأساسية مع كل وضعية. وهو تصور لا يعني الغموض وعدم الإدراك، او اللخبطة والفوضى، بل سيعني واقعية جديدة تبين أهمية المادة المشتغل عليها، ودورها في خدمة الإنسان وتحقيق مصالحه وسعادته وتوازنه مع الحفاظ على مكوناته التاريخية والوجودية التي يتمسك بها لدرجة العقائدية. وربما هذا ما يجعل الاختلاف في التناول والنهل بين فرد وآخر، وبين جماعة وأخرى. هذا ما يجعل تشكل المذاهب والتيارات حتى إنها قد تصبح متنافرة في خلاف بدل أن تكون متعايشة في اختلاف موضوعي صحي وسوي. وقد جاء في الأثر أن في الاختلاف رحمة.
يمكننا جعل تشبيه يقربنا من هذه الفكرة، بما يقوم به الرسام والفنان التشكيلي، حينما يخلط ويمزج الألوان المناسبة أو يخلقه مما هو متوفر عنده، لكي يعطينا لوحة متناسقة وممتلكة لجمالية مطلوبة في التلقي والاستحسان والاستقبال والتعلق. هكذا سيكون إبداع كل فنان مميزا بخصوصياته ومحققا لجمالية التلقي والقبول، فالمواد واحدة والتشكيل متنوع. ربما هي الثقافة حينما تتنوع مجالات تنزيل عناصرها المشتركة، فنتحدث إذا عن ثقافات داخل المجتمعات العربية الإسلامية، وليس عن ثقافة واحدة.
المقدمة الثالثة
أوحت لنا الفكرة الأخيرة في المقدمة الثانية بالقول إن إطار التحديد للثقافة العربية كان مشروعا قوميا ارتبط بمقاومة ما يهدد محو المشترك بين شعوب، وطمس هويتها المشتركة التي شكلتها تاريخيا ولغويا وفكريا و”عقائديا”. ونحن نعلم أن امتداد الإمبراطورية العثمانية عبر الزمان والمكان، أثر كاختلاف وكصراع وكهيمنة وفرضٍ للتبعية، تغلب القوي على الضعيف، وبحث هذا الضعيف عن آليات دفاع عن الذات وحفاظ عليها، كان من نتائجها الانتصار لمفهوم الثقافة العربية التي توحد مناطق وأقاليم وتجعلها في مواجهة واحدة ضد المهيمِن. ورغم كونه يعترش باسم الدين ويحكم باسمه، فإن جدلية التاريخ والمجتمع والاقتصاد والسياسة تجعله صراعا موضوعيا فيه الرغبة في التغلب والهيمنة وجعل التبعية والدونية للآخر أمام القوي المتغلِّب والمستغِّل لتحقيق مصالحه كأولوية في العلاقة بينهما. ومن أقدار التاريخ الموضوعية أن هناك تجاور للقوى وتفاعل لها مع الآخر. فقد كان صراعا تاريخيا ما يزال مستمرا إلى يومنا هذا بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. هو جزء من صراع عالمي بين حضارات وقوى سياسية واقتصادية إذا ما استحضرنا باقي الشعوب والدول القائمة عبر التاريخ وعلى امتداد القارات فوق الكرة الأرضية.
هكذا كانت الثقافة العربية المعاصرة على موعد كل مرة مع قوى تهدد مكوناتها التاريخية والهوياتية الثقافية وغيرها. تهدد تماسك تجمعاتها ومصالحها المادية وحريتها وكرامة عيشها. مرة مع المهيمِن العثماني، وأخرى مع المستعمِر الغربي الذي يتجدد ككائن مركب كل حين ويعيد فرض قوته واستغلاله عليه إلى يومنا هذا.
ونتساءل: كيف ستدافع الثقافة العربية عن كينونتها وشرعيتها التاريخية والفكرية والاعتقادية أمام هذه القوى؟ وكيف سيكون عليه الوضع اليوم وغدا أمام ما يقع ويستمر من عمليات تدمير واحتقار ومحو وإقصاء ممنهج للثقافة العربية كلما رأى الآخر القوي أنها تهدد تفوقه وتمزيه ومصالحه؟
المقدمة الرابعة
ربما ستكون هذه المقدمة وديعة وهادئة في التأمل، متابعة لما يحقق التطور السلمي والطبيعي والإيجابي الذي تنشده الشعوب داخل مشروع سلام عالمي تتبناه الهيئات الأممية والحقوقية والثقافية والتنموية المرتبطة بها. ولعل هذا ما نحتاجه اليوم لأجل تصحيح ما يقع على أرض الواقع الدولي من صراعات ظاهرة وخفية، سلبية تؤثر في مصير الإنسانية المستقبلي ومصير أطفالها رمز البراءة الملائكي كل حين. وقد جربت الشعوب العربية التيار القومي، وذهبت به أبعد حدود ممكنة وليست نهائية، لأجل تحقيق استقلالية وجودية وسياسية ولأجل مواجهة الآخر المناقض والسالب لحقوقها ومصالحها، خصوصا وأنها تعاني من الاستغلال كما قلنا ومن استمرار عجرفة وهيمنة وتحكم القِوى الأقوى وليس العظمى في حياته، فتسلبها حرية القرار والاختيار وحرية التنفيذ المستقل والمحقق لمصالحها أولا.
يا لهذا الوجع الذي يبدو مستمرا حتى في لحظات التفكير السلمي والمنطلق من قيم إنسانية راقية. إنه الواقع الموضوعي الذي لا يرتفع عن الحقيقة القائمة والمرة ربما. لكن، لا يمكننا التوقف عن الحياة، أو كما يقول محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. وهنا نعلم قيمة الشعر وقيمة الإبداع والفن وحرية التعبير في تحقيق حياة كريمة وحرة للإنسان داخل مجتمعاتنا كما داخل المجتمعات البشرية ككل. وحتى لا نغطي الشمس بالغربال، فقد دافع عن كرامة شعوبنا من هم ليسوا بمنتمين مباشرة للثقافة العربية الإسلامية. فكيف نفسر هذه المفارقة الغريبة، بين من يصون وبين من يخون؟ !
المقدمة الخامسة
يبدو أن عنوان المداخلة أو العرض أو الرأي المطلوب، ينتظر منا وصفات علاجية وتغذية لاستمرار وتطور الحياة لهذا الجسد العربي، الذي وصفه عبد الكبير الخطيبي بالجريح. وسيكون الفرد ـ الذات مطالبا بالمساهمة الإيجابية بما يحقق الحياة والكرامة والحرية. سنكون مطالبين بإعطاء القيمة للذات ولثقافتها وفكرها ومنظومتها العقدية وخصوصياتها التي تستقل بها دون أن تكون تبتعد بها عن الانتماء والمشاركة الإنسانية العامة في الوجود والحياة والتواصل والتبادل الحضاري والثقافي والفكري الراقي.
ربما هي منطلقات وتصورات فردية تحاول إقناع المتلقي بأهميتها وأولويتها، وتنتظر تفاعله وتجاوبه معها. هكذا يبقى المكتوب مفتوحا للتفاعل وتبادل الآراء والاقتراحات، وتشاركِ كما تقاسمِ التجارب، وتصحيح المواقف لأجل المُضي قدما بأقل ما يمكن من الهفوات والتعثرات. وهكذا ستأتي اقتراحات هذا المقال داعية إلى تبادل وتشارك وتقاسم، مؤمنة بنسبية وقابلية للتطور واحترام الآخر ورأي الآخر، وأنه لا اكتمال إلا بالآخر المغاير حتى نحقق الانتصار للإنسانية ككل.
ـ الاهتمام بالإنسان وكرامته وحقوقه.
ـ النهوض ببيئة العيش وتوفير الأساسيات التي تضمن الحقوق الأممية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ـ الاهتمام بالتنمية الشاملة والتي تساهم فيها جميع المكونات لأجل استمرار ما يشكل الحياة الثقافية والفكرية والعقائدية واحترامها وتوفير الضروري لأصحابها.
ـ ربط المشاريع التنموية بالحياة الثقافية وجعل قوانين يؤطرها دستور لحماية العمران الثقافي والإرث الثقافي الذي يشكل أوكسجين الشعوب ويحقق لها راحتها وأمنها الروحي والوجودي والمادي معه.
ـ الرقي بالحياة المجتمعية لكي يهتم الفرد بالثقافة والحياة الثقافية. وهذا يعني الرقي المستدام بالتربية والتعليم، وتوفير المؤسسات والفضاءات والمرافق التي تحمي وتجعل الحياة للثقافة والفكر. ورغم كون هذا يبدو قائما وموجودا، إلا أنه يعني كذلك حمايته ومحاربة ما يضعف قيمته.
ـ الابتعاد ما امكن عن الصراعات الإيديولوجية ومحاولات إقصائها للآخر وطمسها لحقوقه الثقافية والفكرية وغيرها.
ـ تخصيص ميزانيات مبرمجة في الميزانيات السنوية التي تشرعها برلمانات الأنظمة والحكومات لأجل مزيد بنية تحتية، وحقوق معيشية وصيانة للموروث الثقافي والفكري بحسب التخصصات والمجالات. فلا يعقل أن نجد منطقة لها إرث تاريخي كبير، ولا توجد بها معاهد أو متاحف أو دور خاصة لهذه الشخصيات التاريخية المعنوية التي شكلت جزءا من تاريخها وأمجادها. وفي ذلك طبعا نهوض بالمجال سياحيا وتنمويا، إلى جانب النهوض الثقافي والفكري.
الاعتزاز بالذات وباللغة وإعطائها قيمتها الاعتبارية والمادية التي تجعلها بثقة في النفس وثقة في المجتمع، لا تفكر في هجرة سرية أو اغترابية. وهنا نقول إنه كلما تحققت كرامة وعدالة وديمقراطية، أمكننا الافتخار بالذات والتراث وبالثقافة الخاصة بنا.
ويبقى أنه ما لا يدرك كله لا يترك بعضه. هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما لم تكتمل باقتراحات ومساهمات الآخرين الذين يتشاركون معنا همّا واحدا جميلا: النهوض بكرامة الإنسان وحقوقه، والمساهمة في تنمية وجوده وعيشه، كما ثقافته وفكره، داخل مجال منظومة قيم عالمية كلها تسامح وتعايش وسلم ومودة وأخوة بين الشعوب والأمم. ونحن أمة اِقرأ، وأمة القرآن الذي جاء فيه قول الله تعالى: “(يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم) من سورة الحجرات، الآية 13.
—-
حفظ التراث الثقافي بقلم: السيد نجم/ مصر
تعد النظرة إلى التراث الثقافي الآن, باعتباره جزءا مهما من ذاكرة الأفراد والأمم بما فيها من قيم ثقافية واقتصادية واجتماعية، و لم تعد مقولة “يجب أن نحفظ التراث”, مقولة حماسية وتعبيرا عن الانتماء والوطنية وحسب. باتت الدعوة “إنسانية” وتبنتها المحافل الثقافية الدولية مع دعم من رجالات الفكر والسياسة.
ولدت الدعوة مع البحث فى تأسيس علم جديد هو؛ علم الحفاظ على التراث, بذوره الأولى ترجع مع التفات علماء الاجتماع والاقتصاد مع طوائف المهنيين من الأثريين والمهندسين وغيرهم. فقد شهد القرن العشرين عددا من الحروب الإقليمية والعالمية, كما شهد الكثير من الآثار السيئة من تقلبات طبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات وغيره.. كلها مهدت للتفكير في منهج مناسب للحفاظ على التراث الثقافي.. وهو ما تبته اليونسكو كمنظمة ثقافية عالمية, بالإضافة إلى المحافل العلمية والثقافية في أوروبا خلال فترة مبكرة.
وقد نبه “جوفانى كاربونارا” إلى أن الفرق بين الثقافات يرجع (من وجهة نظره) إلى النظرة نحو تعريف “الأصالة”, تلك التي تعنى الجانب المادي من ثقافات الشعوب, بينما تعنى الجانب المادي والمعنوي عند أهل أفريقيا والشرق الأوسط, وبالطبع عند العرب.
إذا كان “الترميم” هو إعادة التأهيل بسب الاستخدام أو لأسباب اقتصادية, لأي منتج للنشاط اﻹنسانى, ولأنه يتعامل مع الأصل التراثي, فاحتمالات الخطأ محظورة ويجب مراعاة أعلى درجات الدقة (وهو ما أشار به د.جمال عليان في كتابه “الحفاظ على التراث الثقافي”).
وقد تقدم الترميم بحيث لم يعد ملأ الفراغات أو التهذيب كما كان قديما, بل أصبح يدور حول ثلاثة محاور كمجال للدراسة والعلوم:
محور تاريخ العمارة ومعرفتها – محور المعارف الهندسية وخواص الخامات والعناصر الفاعلة في الترميم – محور الجانب الانسانى/ القانوني/ الاجتماعي/ الاقتصادي المتوافق والتالي لعملية الترميم.
وان يرى د.عليان أن الترميم يسير نحو الفناء, نظرا للرؤية الاقتصادية العملية الجديدة التي بدأت في الشيوع مع بدايات القرن 21!!, وهى نظرة تشاؤمية يشاركه فيه البعض.
وقد نظرت الدول الأوروبية والأمريكية إلى الحفاظ على التراث نظرة مشتركة, إلا أن المدرسة الأمريكية ترى الحفاظ على الأصل يسبق الترميم والإضافة, بينما في أوروبا العكس.. لذا تحددت الآن مدرستان للحفاظ على التراث (الأوروبية والأمريكية).
وفى سبيل سعى العلماء للحفاظ على التراث, بدأت المحاولات الدولية ببعض المواثيق والعهود.. منها “ميثاق البندقية” في عام 1964م, وميثاق بورا بعده. وهو ما استتبع ببعض الاتفاقيات الملزمة للدول الموقعة عليه, وهو ما تبنتها هيئة اليونسكو مع العديد من الدول, والتي بدورها حولتها إلى قوانين داخلها قابلة للتنفيذ.
تلك الخطوة توافقت مع إجراء هام, وهو تعريف بعض المصطلحات, منها:
: “الممتلكات الثقافية”.. هي الممتلكات المنقولة أو الثابتة الهامة عند الشعوب (مثل الأماكن الأثرية- المباني بأنواعها), ثم المباني المخصصة لحفظ ذلك التراث, وأيضا المراكز التي تتضمن مجموعة من الممتلكات الثقافية.
: “التراث الثقافي والطبيعي”.. وهى جملة الأعمال المعمارية, وأعمال النحت والتصوير على المباني, وكذلك النقوش والكهوف.. ثم أعمال الإنسان المشتركة مع الطبيعة أو الجمالية أو الأنثروبولوجية.
: “التراث الطبيعي”.. هي المعالم الطبيعية من تشكيلات فيزيائية أو بيولوجية لها قيمة استثنائية من وجهة النظر الجمالية أو العلمية.
: “التراث غير الملموس”.. يعنى الخبرة والتمثيل والإظهار والمعلومات والمهارات.. وأيضا المصنوعات اليدوية.. وهى تلك الثقافة التي تنتقل من جيل إلى آخر.
ومن تلك الثقافات غير الملموسة: “الموسيقى وفنون العزف”, “العادات الاجتماعية”, “التراث الشفهي المتناقل”, “المعرفة والتعامل مع الطبيعة”, “الحرف التقليدية”.
على قلة ما كتب في موضوع الحفاظ على التراث بمعناه الأكاديمي الشامل, يعد كتاب “الحفاظ على التراث الثقافي”-“د.جمال العليان” من أهمها, يكفى الإشارة إلى حرصه على إبراز ملامح مدرسة عربية للحفاظ على التراث إلى جوار الأمريكية والأوروبية.
عرف العرب/والمسلمين من سكان الحضر قديما قدرا لافتا من “المواطنة” والتعريف بما تتضمنه مواطن التجمعات والمدن من معالم, منهم: “ابن قتيبة- الهمذانى-ابن رشيق- الخطيب التبريزى”.كما يذكر التاريخ الاسلامى أن الإسلام لا يعتدي على معارف وآثار المخالفين لهم في الدين, كما كان الحال مع عدم هدم كنيسة القديسة صوفيا. كما لعب نظام “الوقف” دورا هاما في الحفاظ على التراث الثقافي.. سواء للمساجد أو المكتبات أو المستشفيات..الخ. كما يذكر أن هناك العديد من المؤسسات العربية التي تلعب دورها في الحفاظ على التراث الثقافي, منها “الكسو أو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم”, “المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة”, “منظمة المدن العربية”, “منظمة العواصم والمدن الإسلامية”.. بالإضافة إلى العديد من الهيئات والمنظمات غير الحكومية.
وان بدت هناك بعض المعوقات في الوطن العربي, لعلها بسبب عدم وضوح أسس ومصطلحات الحفاظ على التراث, مثل أن الترميم يعنى إعادة تأهيل الآثار ولا ينظر إلى المباني التاريخية مثلا. كما أن الدراسات المتخصصة لتأهيل الكوادر المناسبة غير متاحة بشكل مناسبة.
تتميز الآثار الإسلامية ومنها تتوالد خصائص المدرسة العربية, أن النظرة الإسلامية العربية قامت على فكرة المنفعة أثناء البناء لأي مبنى كان, أو البناء يتم حسب الوظيفة.. مفهوم عدم التبذير في البناء.. فكرة احترام البناء القديم, حتى أن بعض المدن تشكلت بفكرة تراكم الأبنية القديمة متجاورة من حي إلى آخر.. التراكم المعماري الأفقي (البيت العربي وخصائصه)..
مما سبق يتضح أن التراث الثقافي العربي, عام وخاص, وبالتالي هناك إمكانية لسن القوانين المنظمة لعمليات الحفظ تلك.
وقد نشطت مدرسة حديثة الآن في العمارة العربية, تربط بين القديم والحديث, ومن مبرراتها: وجود رصيد ثقافي كبير – وجود ثقافة إسلامية خاصة في موضوع المسكن- تقنية البناء في العالم العربي لا تساعد على إحداث طفرة- الذوق الخاص لسكان المنطقة العربية هو اسلامى عربي.
وأخيرا.. فمهما تعددت المدارس والمسارات التاريخية, فان نشأة علم الحفاظ على التراث يتقدم خطوة بعد خطوة, ومن المؤكد أننا بحاجة إلى جهود كل المتخصصين في هذا المجال.
الخلاصة:
وقد نخلص ﺇلى أن وسائل الوعي للموروث الفكرى والثقافى العربى، يلزم معه: الوعى بالدور الفعال للمؤسسات الثقافية والتعليمية فى توفير المواد الثقافية وغير المادية والتعريف بها والحفاظ عليها.. كما أن دور الأفراد لا يقل أهمية، حيث تتكفل الافراد برعاية وحف ما تنتجه المؤسسات، والحفا على كل المواد الخام وتوصيلها الى تلك المؤسسات.
—-
استعادة الهوية: تجربة البحرينيين في صون الموروث الثقافي..
بقلم: د. جميلة الوطني/ البحرين
لقد تملّكني سؤال جوهري، بل هاجس ملحّ، لطالما استبدّ بذهني: كيف لنا أن نُحيي في النفوس ذلك الوعي العميق بموروثنا العربي، بكل ما يحمله من ثراء ثقافي، وعمق فكري، ورسوخ عقائدي، وجذور تاريخية؟ كيف نُعيد إلى الأذهان تلك الكنوز التي تشكل هويتنا، وتُعرّف بجوهرنا؟
وبصفتي مهتمة بالآداب والفنون، أجدني مدفوعة بشغف عميق نحو الاجابة على هذا السؤال باستكشاف وإحياء كنوز موروثنا الثقافي العربي.. إنه تراث زاخر بالإبداع والجمال، يستحق أن يُعاد اكتشافه وتقديره في عالمنا المعاصر.. إن إعادة الوعي بالموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية ليست مجرد مهمة أكاديمية، بل هي ضرورة حيوية للحفاظ على هويتنا العربية وتعزيزها في عالم يموج بالتغيرات والتحديات.. إنه بمثابة استعادة لجذورنا، واستلهام لقيمنا، وتأكيد على إسهاماتنا الحضارية التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الإنسانية.. إحياء التراث والفنون: نافذة على الماضي، وإلهام للمستقبل.. إن إحياء التراث والفنون العربية هو بمثابة نافذة نطل من خلالها على عظمة الماضي، ونستلهم منها إبداعات الحاضر والمستقبل.. إنه رحلة عبر الزمن، نستكشف فيها روائع العمارة الإسلامية، ونستمع إلى ألحان الموسيقى العربية الأصيلة، ونقرأ صفحات المخطوطات التي تحمل بين طياتها كنوز المعرفة والحكمة.. حماية الذاكرة الجماعية.. إن صيانة الآثار والمخطوطات هي بمثابة حماية لذاكرتنا الجماعية، وحفاظ على شواهد حية على عظمة حضارتنا.. إنها مسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، لضمان بقاء هذه الكنوز للأجياد القادمة.. أما إحياء الفنون التقليدية كاستعادة الهوية والإبداع.. مثل الخط العربي والزخرفة الإسلامية والموسيقى العربية الأصيلة، هو بمثابة استعادة لهويتنا وإبداعنا.. إنها فنون تعكس روح الثقافة العربية وتجسد قيمها الجمالية والإنسانية..
في الجانب الآخر أرى بأن استلهام التراث، وتجديد الهوية هو بمثابة تجديد لهويتنا وتأكيد على قدرتنا على الابتكار والتطور.. إنه جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويفتح آفاقًا جديدة للإبداع العربي في مختلف المجالات..
وإذا ما أردنا أن نجسد هذا الشغف على أرض الواقع، فإن البحرين تقدم نموذجًا ملهمًا في الحفاظ على التراث العربي وإحيائه.. ففي ربوع هذه الجزيرة العريقة، تتجلى صور التراث العربي بأبهى حللها، من خلال العمارة التقليدية البيوت البحرينية القديمة، والمساجد التاريخية، والقلاع الشامخة، تحكي قصصًا عن الماضي العريق، وتعكس مهارة الحرفيين البحرينيين.. الحرف اليدوية: النسيج التقليدي، وصناعة الفخار، وصياغة الذهب، وغيرها من الحرف اليدوية، تمثل جزءًا لا يتجزأ من الهوية البحرينية، وتجسد الإبداع والمهارة..
أن البحرين تعيش اليوم زمنًا لم تعشه قط. بدأت الأحياء القديمة تستعيد عافيتها وعبق التاريخ وأرث الأجداد يفوح في طرقاتها ويتجول بين جدران مبانيها. وما إعادة ترميم وبناء بعض المنازل الأثرية ما هي إلا تتويج لمكانة الوعي للموروث التاريخي لمناطق البحرين كافة ومنطقتي المحرق والمنامة، وتكريم لأهلها الكرام.. ولقد كان الاهتمام بالاحتفالات والفعاليات أزقة الأحياء تقدم قصص “وحزاوي” من خيال ألف ليلة وليلة، عاد الزمان فيها للمكان، وطافت جموع الزوار بكل أطيافهم وأعمارهم يقطعون طرقات المدن العتيدة، إحياء للثقافة والفكر القديم الذي يحمله الأهالي من صولات وجولات لأهازيج الموروث في غوص اللؤلؤ في القديم.
وأجدني في هذا الصدد أشير إلى الموسيقى البحرينية الأصيلة، والرقصات الشعبية، والأهازيج التراثية، والتي تعبر عن روح الشعب البحريني، وتنقله عبر الزمن إلى عوالم من الجمال والإبداع..
البحرين، بسجلها التاريخي المتلألئ وإرثها الثقافي الزاخر، تقدم للعالم نموذجًا فريدًا في صون التراث العربي وإحيائه، وتؤكد على أن هذا التراث هو حجر الزاوية في بناء مستقبل مشرق…
وما إذا أردنا أن نحي التراث بكل أشكاله الثقافية والفكرية والعقائدية تبدأ بالأحياء القديمة لتستعيد عافيتها لعبق التاريخ وأرث الأجداد يفوح في طرقاتها ويتجول بين جدران مبانيها.
————-
كيفية إعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية..
بقلم: د.محمد إقبال حرب- كاتب وشاعر لبناني
إن الموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي في أي مجتمع تشكل هويّته الخاصة، ومجموع الثقافات في أي أمة ما هو إلّا قطع فسيفساء خاصّة في لوحة الأمة المعروضة في سجّل الحضارات. هذه الهوية بما فيها من ثقافات، وذخر فكري وعقائدي وتاريخي في مؤسسات عديدة تحت أي من هذه العناوين لا بد أن تكون نعمة، ليس لأمة محدّدة فحسب بل للحضارة الإنسانية. يخطئ كثيرون باعتبار أن هذه الثقافات ملك خاص لأبناء تلك الأمة. نعم، الشق المادي هو الإرث الخاص بمنافعه المادية، أما على الصعيد الإنساني فالأمة وصيٌة ومسؤولة عن سجلّها الإنساني الذي هو ملك للبشرية جمعاء. لذلك يجدر بكل أمّة المحافظة على ارثها من أجل جيلها الحاضر وأجيالها القادمة، كما المحافظة عليه لوحة فسيفساء خلّابة في معرض الحضارات الإنسانية.
وحيث أن هذا الموروث له أهمية ثقافية واجتماعية وأخلاقية، علينا أن ننقله إلى أجيالنا القادمة والمحافظة عليه من دون أي مبررات. وعلينا أن نحذر من تقديسه، بل علينا أن ننظفه من الشوائب من خلال مختصّين، في مجالاته العديدة، ,ان نمزجه بحاضرنا حتى يتشرب أبناء المجتمع روحانيته الفكرية، وأن نعلّق حاضرنا على الإرث المادي ليتناغما في عالم متقدّم. في عالمنا العربي المترامي الأطراف كنوز ثقافة حضارية، هي الأعمق في التاريخ الإنساني، ان جذور الحضارة البشرية تنبع منها، في بلاد ما بين النهرين، ومصر مرورًا بالهلال الخصيب، واليمن والمغرب العربي. يكفي أن مهد الحضارة الإنسانية في العراق ومصر والهلال الخصيب، وأن ستة أقدم مدن العالم هي عربية، بل، ما زالت مأهولة إلى اليوم. لذلك مهمتنا تحمل مسؤولية محلية وعربية وعالمية مما يستدعي استنفارًا، بل ثورة ثقافية حضارية تحافظ على هذه الكنوز ضمن تدابير صارمة للمحافظة والترميم عليها بقداسة وجودنا. يجب أن نعلم أن أهم متاحف العالم تحتوي في أكبر أجنحتها على التراثين العراقي والمصري سُرقت وما زالت تُسرق إلى يومنا هذا.
والسؤال هنا كيف نحافط ونزرع الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي حفاظًا نقيًا. هناك عدد من الخطوات التي أعتقد، بل أجزم أنها فعّالة في هذا المجال:
التعليم: يجب أن تتضمن المناهج المدرسية موادًا تعرّف طلبة المدارس والجامعات بالتراث الثقافي والفكري والعقائدي، بالمعنى الحضاري والإنساني. وأن تشمل المناهج ورشات عمل حول التراث بعد تشذيبه من الشوائب المدسوسة والتزوير الدسيس. وأن تكون الرحلات المدرسية لزيارة المواقع التاريخية والقيام بأبحاث مستمرة تهدف إلى تعميق الربط بين الواقع والإرث الثقافي. كما أن الفلكلور الشعبي بأغانيه، وشعره المحكي مادة وطنية أصيلة يتلقفها الشعور الوطني بشموخ وكبرياء.
الإعلام: انتاج برامج وثائقية تُعرض على التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي تحت اشراف خبراء مختصّين من علماء الاجتماع والانتروبولوجي والمؤرخين والمدرسين المتخصصين في هذا المجال.
الأبحاث والدراسات: أثبتت التجارب أن الإرث الثقافي بأنواعه ينضج ويتألق من خلال دعم البحوث الأكاديمية التي تبحث وتوثّق الحقائق من خلال أدلة وبراهين. كما أنها تمنع الادعاء والسرقات لكنوزنا.
المتاحف والمعارض: لها الدور الأكبر في توجيه الطلبة والرأي العام كما السوّاح إلى الثراء الثقافي والتاريخي لأي بلد، وذلك من خلال متاحف ومعارض متخصصة بالآثار،المخطوطات، الفنون التشكيلية، الأدب والشعر والموسيقى.
الحفاظ على التراث المادي والمعنوي: أعتقد أن هذا البند من أهم البنود كونه يشمل وضع قوانين حازمة للحفاظ على الآثار المنقولة وغير المنقولة، بما في ذلك المخطوطات بأنواعها ومنع المساس بها إلا من جهّات معنية متخصصة بالترميم. كما أن توثيق كل الإرث الشفهي من أمثال شعبية، وأغاني بلدية توارثتها الأجيال كتاريخ يعبّر عن حقبات تاريخية بين تنقلات البشر الحضارية.
التوعية الاجتماعية: لا يدرك المواطن العادي أن حاضره هو نتاج أجداده التراثي، من بقايا آثار معنوية وفكرية كما القلاع والحصون، الكهوف والمغاور. لذلك تكون حملات التوعية مع التشريعات وسن القوانين عاملًا محافظًا على الإرث الثقافي ورادعًا من السرقات والتلف.
اعادة تفسير وشرح الموروث الثقافي من دون تدخل سياسي لربط الأجيال القادمة بالتراث والبناء عليه كإرث نفخر به لا إرث نعيشه.
كلمة أخيرة، مهما كان الإرث الثقافي متواضعًا، يبقى تاجًا من الجواهر بما فيه من عمق حضاري قد يتمثّل في قطعة حجر، أو لوح محفوظ أو قلاع وقصور مشيّدة. كلٌ من هذه لها عمق انساني وحضاري. وفي عالمنا العربي مئات الثقافات الغائرة في التاريخ التقت في انسانيتها على درب واحد اسمه الوطن الأكبر.
—————–
كيفية إعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية..
د. بسيم عبد العظيم عبد القادر- أستاذ الأدب والنقد المتفرغ/ قسم اللغة العربية- كلية الآداب..جامعة المنوفية- رئيس لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر
تكمن أهمية السؤال في أهمية الموضوع والحاجة الملحة له في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، لأن أمتنا العربية والإسلامية تشهد ظروفا عصيبة وهجمة شرسة تريد اقتلاع الأمة من جذورها وسلخها من ثقافتها وعقيدته وتشويه تاريخها وتمييع أفكارها وتذويبها للقضاء على مقومات هويتها وخصوصيتها، تحت شعارات براقة من العولمة الثقافية والفكرية والمبادئ الإنسانية.
وقد بلغ الأمر حد الدعوة إلى الانسلاخ من الإسلام تحت دعوى الديانة الإبراهيمية التي تجمع أرباب الديانات السماوية تحت راية دين واحد هو دين سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء، وهي دعوى باطلة لأن إبراهيم عليه السلام كان حنيفا مسلما، ولأن الدين عند الله الإسلام، فالدين واحد وإن اختلفت الشرائع بين يهودية ومسيحية وإسلامية.
وعلى أمتنا العربية والإسلامية أن تتمسك بهويتها النابعة من خصوصيتها التي زودها الله بها من لغة مشتركة ودين سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأرض مشتركة وتاريخ مشترك عريق. ولا تتمتع بمثل هذه المقومات أية أمة من الأمم.
فقد ساد العرب والمسلمون العالم أكثر من ألف عام منذ اشرقت شمس النبوة الخاتمة وشهد لهم بذلك المنصفون من أبناء الحضارة الغربية ويكفي أن نطالع كتاب شمس العرب تسطع على الغرب المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة لنرى كيف أسهم العرب والمسلمون في صنع الحضارة الإنسانية في كافة المجالات العلمية والفلسفية والإنسانية في وقت كانت أوربا تغط في سبات عميق وكانت أمريكا في طي النسيان.
على المؤسسات الثقافية والعلمية ومراكز البحوث ووسائل الإعلام في سائر الدول العربية أن تتعاون لتعزيز المشترك الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي الذي يشكل نسيج الثقافة العربية فما نشترك فيه أكثر مما نختلف فيه، فلندعم الأمور المشتركة مع عدم إهمال التراث الثقافي الخاص لكل دولة ولنجعل من هذا الاختلاف وسيلة للتكامل فيما بيننا والثراء الحضاري.
وعلى جامعة الدول العربية أن تدعم المشروعات الثقافية وتؤكد على المشترك التاريخي والثقافي لأمتنا العربية.
كذلك هناك دور مهم لاتحاد المجامع اللغوية العربية في النهوض باللغة العربية التي هي حجر الزاوية وقطب الرحى في الثقافة العربية المشتركة لأن اللغة هي وعاء الفكر.
وعلى اتحاد الكتاب العرب أن يلعب دوره المنوط به في التواصل الفكري والثقافي والأدبي بين الشعوب العربية، أقول هذا من واقع مسؤوليتي عن لجنة العلاقات العربية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر منذ ثلاثة أعوام لأن الأدب والفكر والثقافة هي عناصر القوة الناعمة التي تؤكد على وحدة الأمة وتحافظ على هويتها في عصر العولمة.
أما عن دور وسائل الإعلام فحدث ولا حرج فهي التي تسهم في تعزيز هذا الوعي بالموروث الثقافي والفكري والعقدي والتاريخي للثقافة العربية.
—-
إستعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية، .
بقلم: عبد اللطيف الموسوي- رئيس تحرير مجلة (المأمون) الثقافية – العراق
إن الإجابة على مثل هذا السؤال المهم والخطير لا تبدو صعبة ولكن عملية تطبيق معطياتها هي الأصعب وذلك جراء النكوص العميق الذي يعانيه العرب على جميع المستويات. أرى أن علينا أن نبحث عن نقطة شروع لنبدأ منها انطلاقة حقيقية لكسر الجمود المحيط بنا والمكبل لنا. فكما أن هناك نقطة شروع بدأ منها الجمود العربي والإسلامي بعد أن كان العرب سادة الدنيا في العصور الوسطى، وهيمنوا فكريًا وتقنيًا وعلميًا وثقافيًا، فعلينا أن نجد النقطة الشروع التب علينا أن ننطلق منها لنستعيد ماضينا الثقافي التليد. وقبل ذلك لا بد أن نستكشف العوامل والأسباب التي أوصلتنا الى هذا الحال .
أجزم أن التردي الفكري وتراجع الاهتمام بالعلم والتعليم من أهم تلك العوامل ولذا فإن نبينا الكريم قد أولى الأهمية القصوى لهذه المسألة والحديث المأثور عنه : (حبر الطالب أقدس من دم الشهيد) لهو خير دليل.
والمؤكد إن العرب بحاجة إلى تنمية حقيقية على الصعد كافة وهنا أشير إلى ما توصل إليه تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي خاص بالعالم العربي، كتبه فريق من الباحثين المسلمين من أن عوامل التراجع العربي تكمن في ثلاث ثغرات على مستوى الحرية السياسية، والمعرفة، وتمكين المرأة، وهو ما يسميه المؤلفون “نواقص العالم العربي الثلاثة”: وما يهمني هنا ما أورده التقرير في النقطتين الثانية والثالثة، فأما بشأن الثغرات المعرفية فأن بلداننا تتسم بتدهور التعليم، وافتقار عدد هائل من الأطفال للتعليم بشكل تام (10 ملايين طفل لم يلتحقوا بالمدارس منذ عام 2008 في مجمل العالم العربي)، وارتفاع عدد الأميين. والأبحاث والتطوير محدودان، والتقنيات الجديدة قليلة الانتشار (1% من السكان لديهم جهاز كمبيوتر، ونسبة من بوسعه الوصول إلى الإنترنيت أقل من ذلك). ويخلص التقرير إلى خاتمة لافتة للنظر مفادها أنه بعد نحو 1200 سنة من حكم الخليفة العباسي المأمون، فإن عدد ما ترجمه العرب يعادل ما تترجمه إسبانيا في عام واحد في عصرنا الحاضر.
أما النقطة الثالثة الخاصة بتدني مكانة المرأة فيقول التقرير إن نصف القدرات الإنتاجية للمرأة يستخدم بشكل سيء أو محدود، وهو ما يفسر إلى حد كبير هذا التخلف. وأن نصف النساء العربيات لا يجيدن القراءة والكتابة، وهناك 44 مليون امرأة أمية من مجموع 65 مليون أمي في البلدان المشمولة بالبحث.
وثمة عوامل أخرى منها التضييق التدريجي لحرية الفكر الذي مارسته السلطات على مر العصور في بلداننا وهذا ما دأب المستشرقون الأوائل في أوروبا على تأكيده . وهو على النقيض مما كان عليه الحال في عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين بالرغم من الاستبداد الذي عُرفوا به لكنهم كانوا متسامحين للغاية تجاه الفكر الحر للفلاسفة العرب، ولكن منذ القرن الثالث عشر الميلادي، أخذ التعصب يسود فبدأ حظر تدريجي مقيت على كل فكر حر وأخذ العالم الإسلامي ينغلق على نفسه ويرفض تبني الأفكار والتقنيات الغربية، القادمة من شعوب كان ينظر إليها منذ مدة طويلة بعين الاستصغار، من جراء عيشنا المستمر في الماضي الذي هيمنا خلاله وعلى مدى ألف عام على المجالات العسكرية والاقتصادية والتقنية والفكرية. وكانت حينها الحضارات الأخرى تتوق إلى ما بلغته أمة العرب . وعلى النقيض من ذلك، أصبح حالنا اليوم .
وخلاصة القول أنه إذا ما أردنا إستعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية، فإن علينا مراجعة أنفسنا ومناقشة الأسباب والعوامل التي ذكرتها آنفًا وغير ذلك من عوامل وأعتقد أن نقطة الشروع التي تحدثت عنها في البداية تتمثل في البدء بحوار شامل يتجاوز عقد المؤتمرات والندوات ذات الطابع الترويجي وإنما العمل الجاد والمضني المصحوب برغبة حقيقية وإرادة صلبة من أجل تغيير الواقع المثير للشفقة.
—
كيفية إعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية
بقلم سارا هشام حسن- باحثة اقتصادية في الشأن الافريقي
قال ابن خلدون: ‘الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل شيء'” ويرى تالكوت بارسونز أنه بدون الثقافة يستحيل تحقق تجمع بشري في شكل ثقافة مشتركة ك “شرط وظيفي مسبق أو حاجة أساسية لمجتمع يريد البقاء” وبما أن الثقافة مرآة عاكسة للهوية وطرق التفكير لدى أفراد المجتمع، فالمتأمل في ثقافتنا العربية، لابد أن يتسائل: كيف يمكن أن نترك هذا الكنز الثمين – بكل ما يحمله من شعر وفكر وعقيدة وتاريخ – يغفو في زوايا الذاكرة، بينما نحن نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ الثقافة العربية ليست مجرد صفحات في كتب قديمة، بل هي نبض حي يمكن أن يدفعنا للأمام إذا أعدنا اكتشافها بعيون جديدة. إنها تلك الأبيات التي كتبها امرؤ القيس في وصف الصحراء، وتلك الحكمة التي سطرها ابن رشد في نقاشاته الفلسفية، والإيمان الذي جمع العرب تحت راية واحدة، والتاريخ الذي شهد إبداعاتهم في العلوم والفنون. لكن في زمن العولمة، حيث تتلاشى الحدود وتضعف الهويات، أصبح إحياء هذا الموروث ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، إعادة الوعي للموروث الثقافي والفكري والعقائدي والتاريخي للثقافة العربية هو أمر ضروري لتحقيق النهضة الثقافية والفكرية في العالم العربي.وإزاء كل ذلك، يبدو أنه من الضروري العمل على إعادة صياغة وترتيب الأفكار بما يمكّن من فهم وتشخيص هذه التحوّلات العميقة بداية، ومن ثم الانخراط في تحويل وتغيير الواقع الثقافي في اتجاه التكيّف الإيجابي مع معطيات وتحوّلات العالم المعاصر.، وعلاقة ذلك بواقع الوطن العربي ومن المؤكد أنّ الثقافة هي المدخل إلى معالجة مختلف إشكاليات العالم العربي، على أن تُفهم بمعناها الأوسع والأغنى والأكثر فاعلية، أي بوصفها تجسد حيوية التفكير بقدر ما تمثل منبع المعنى ومصدر القوة لكل العرب، وبقدر ما تجسد سيرورة التحول والازدهار في العالم العربي. ومن أجل تجسيد حيوية التفكير بات من التبسيط والتضليل مقاربة الإشكاليات الثقافة العربية من خلال فكر أحادي الجانب والمستوى، فالعالم هو في بناه ونظامه و صيرورته من التعقيد ،التشابك والتحول، بحيث لا تفي فهمه نظرية واحدة ولا ينجح في تغييره نموذج أوحد. الأجدى أن تتضافر المقاربات والمعالجات، عبر استثمار نتائج الدراسات العلمية و الابداعات المعرفية في مختلف الاختصاصات، وبما يؤول إلى ابتكار الاستراتيجيات والآليات والوسائل التي تسهم في بلورة رؤى ثقافية مستقبلية.
تراثنا الثقافي للأجيال القادمة، من الضروري أن نعطي الأولوية للحفاظ عليه. من خلال تبنّي التكنولوجيا، وإشراك المجتمعات، والحفاظ على اللغة، والاحتفاء بالممارسات التقليدية، وتمكين المتاحف، وتوثيق التراث غير المادي، والحفاظ على المناظر الطبيعية الثقافية، والاعتراف بالتراث ، وتطبيق الأطر القانونية، وتعزيز التعليم والتوعية، ومراعاة الجوانب الاقتصادية، وتعزيز التعاون العالمي، وغيرها، يمكننا ضمان استمرارية إرثنا الثقافي. يتماشى هذا الالتزام مع المبادئ الأوسع لحقوق الإنسان ، التي تؤكد على أهمية الحفاظ على الوصول إلى الموارد الثقافية والتاريخية كجزء من كرامة الإنسان وهويته.
الحفاظ على التراث الثقافي ليس مجرد خيار، بل هو واجب. فهو شهادة على هويتنا وتاريخنا وقيمنا، ويربطنا بجذورنا، ويشكل أساسًا لابتكارات المستقبل. ومع ذلك، تُهدده تهديدات عديدة، مما يجعل الحفاظ عليه أمرًا بالغ الأهمية.
عندما نتحدث عن التراث الثقافي، فإننا نشير إلى الجوانب الملموسة وغير الملموسة لتاريخنا المشترك. وهو يشمل الهياكل المادية والقطع الأثرية والأعمال الفنية التي توارثتها الأجيال، بالإضافة إلى العادات والتقاليد والمعارف التي تُميز مجتمعاتنا. التراث الثقافي كيان حيّ، يتطور باستمرار ويُشكل حاضرنا ومستقبلنا
إعادة الوعي للموروث الثقافي
إعادة الوعي للموروث الثقافي للثقافة العربية يمكن أن يتم من خلال:
1. *التعرف على التراث الثقافي*: يجب التعرف على التراث الثقافي العربي من خلال دراسة الكتب والمؤلفات التي كتبها علماء العرب وأدباؤهم.
2. *التعليم الثقافي*: يجب تعليم الأطفال والشباب عن التراث الثقافي العربي من خلال المناهج الدراسية والأنشطة الثقافية.
3. *الاحتفال بالمناسبات الثقافية*: يجب الاحتفال بالمناسبات الثقافية العربية مثل المهرجانات الأدبية والفنية.
ولا يصح الحديث عن مجتمع متقدم وثقافته راكدة لا تجدد من مستلزمات نهوضه، ولا تحث على استنهاض همم أفراده. ولا يمكن نعتها بالثقافة الفاعلة إلا إذا كانت متجددة تدعو إلى التغيير والتجديد للبنيات المترسبة العتيقة، ثقافة تعي مختلف المتغيرات الذاتية والموضوعية
الثقافة مجددة ومتجددة حيث نجد ذلك الدور الذي تسعى من خلالها إلى تطوير حساسية التلقي الجمالي لدى الأطفال منذ حداثة سنهم، تجاه أشكال التعبير الحديثة المختلفة من موسيقى ورقص وفن تشكيلي وغيرها من الميادين والمجالات الإبداعية. ولن يتأتى لها ذلك إلا بالاهتمام بالمواهب المطمورة وإبرازها للعلن، وذلك عبر صقلها حتى تستطيع أن تقول كلمتها وتنشر رسالتها المجتمعية والحضارية.
الموروث العقائدي وتطويره من خلال مبدأ (الحوار العقائدي كأساس للوحدة)
التراث العقائدي، المتمثل في الإسلام و(الأديان الأخرى أيضا في حالة مصر )كمنبع ثقافي وعربي، يحتاج إلى حوار يعيد التواصل بين الأجيال. يمكن تنظيم منتديات فكرية تناقش القيم المشتركة مثل العدالة والتسامح، مستندة إلى نصوص مثل “الرسالة” للإمام الشافعي أو تفاسير ابن كثير. الهدف ليس فرض رؤية واحدة، بل فهم التنوع داخل الإطار العقائدي العربي، مما يعزز الانتماء دون تعصب.
تجديد الموروث التاريخي :
إن التراث غير المادي، كالروايات الشفوية والفنون الأدائية، يتطلب أيضًا جهودًا للحفاظ عليه. تُتيح هذه التقاليد الحية رؤىً ثاقبةً حول النسيج الغني للتجارب الإنسانية.
التاريخ الشفوي
تحتوي المخطوطات الشفوية على معارف قيّمة توارثتها الأجيال عبر الحكايات والروايات الشخصية. ومن خلال تسجيلها وأرشفتها ونشرها، نحافظ على رؤى قيّمة حول التقاليد الثقافية والأحداث التاريخية والتحولات المجتمعية.
الفنون الأدائية
الفنون الأدائية، بما فيها الموسيقى والرقص والمسرح، جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي. ويضمن دعم فناني الأداء، وتنظيم المهرجانات، وتوفير منصات للتعاون والتبادل، استمرارية هذه التعبيرات الفنية وتعزيزها.
المناظر الطبيعية الثقافية
تشمل المناظر الطبيعية الثقافية التفاعل بين الناس والبيئة، عاكسةً قيمهم الروحية والجمالية والثقافية. وتُعد حماية التراث الريفي والحضري والحفاظ عليه أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على العناصر الملموسة وغير الملموسة التي تُميز هذه المناظر الطبيعية.
التراث الريفي والحضري
تتشابك المناظر الطبيعية التراثية الريفية والحضرية مع الأنشطة والتقاليد البشرية. وتشهد المناظر الطبيعية الريفية، مثل المدرجات الزراعية والقرى التقليدية والمواقع المقدسة، على التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة. وتعكس المناظر الطبيعية التراثية الحضرية، بما في ذلك مراكز المدن التاريخية والمعالم المعمارية، طبقات التاريخ الثقافي والاجتماعي المتجذرة في النسيج الحضري. ومن خلال تطبيق سياسات الحفاظ على البيئة التي تحافظ على هذه المناظر الطبيعية وتعززها، نحافظ على هوياتها وقصصها الفريدة.
*التكنولوجيا كجسر للتراث
التقنية الحديثة تمثل مفتاحًا لنقل التراث إلى العصر الرقمي. إنشاء منصات تفاعلية تعرض المخطوطات العربية، مثل تلك في دار الكتب المصرية، باستخدام الواقع الافتراضي، يجعل التاريخ ملموسًا. إنتاج بودكاست أو فيديوهات عن إنجازات ابن الهيثم في البصريات أو الكندي في الفلسفة، مع ترجمات عالمية، سيُعيد الثقافة العربية إلى الساحة الدولية كمصدر إلهام.
الخاتمة :
التوازن بين الأصالة والمعاصرة ليس سهلاً. لكنني أؤمن أن الثقافة العربية ليست مجرد ماضٍ، بل طاقة حية. يمكننا أن نجعل هذا التراث ليس فقط ذكرى، بل قوة تدفعنا لنكون جزءًا من العالم بثقافتنا الفريدة، كما كنا في أيامنا الذهبية.”