مدخل :
يمتاز الشعر الحديث بالتحرر من القوافي ولو أنه مقيد بأوزان التفاعيل ، إنه يتفرد في كتابته بأسلوب لغوي بسيط واضح إلى جانب مصطلحات لها وقعها في بناء القصيدة الشعرية مفعمة بالحس الداخلي للإنسان مع الغوص في عالم الخيال كثيرا .. ويختلف عن الشعر القديم في أساليبه ، ومضامينه ، وبنائه الفني ، وموسيقاه ، وأعراض موضوعاته ، وأنواعه المستجدة والمختلفة . لقد تعاطى لهذا الشعر جل الأقلام المتأثرة بالطابع الغربي ، حيث أصبح هو لسان كبار المبدعين بشكل ملفت للنظر ، ومن بين هؤلاء في زمننا الحاضر نجد الأديب ( عبد المجيد بطالي) الذي أتحفنا بنص شعري عنونه ب (غزل المعنى …)
دلالة العنوان :
لتفكيك مضمون النص الشعري لا بد تحليل تركيبة العنوان الذي يعتبر العتبة الأولى لولوج صرح النص وفضائه الرئيسي ، كما يعتبر العنوان الإطار الرسمي للموضوع لكونه هو الذي يمهد السبيل إلى الفكرة الرئيسية العامة وفك شفرة النص الشعري ….
وبما أن العنوان مكون من كلمتين : (غزل المعنى) .
فما معنى كلمة غزل : غزل فعل غزل يعزل غزلا ، والمفعول مغزول ، نقول غزل الصوف أو القطن ونحوهما : فتله خيوطا بالمغزل . والجمع غزول …
نقول كبة غزل: لفة مخروطية أو أسطوانية الشكل من الخيوط ملتقة على مغزل .
مغزل اسم آلة من غزل.
نقول اغتزل القطن ونحوة : غزله ، فتله خيوطا بالمغزل. أما كلمة المعنى: حسب التعريف اللغوي يمكن القول ما يلي : تحديد المعنى المقصود من اللفظ أي ما يراد منه في اللغة ، ويكون بمعنى تحديد الكلمة فيما يسمى : علم معاني المفردات ، أحد أنواع علوم اللغة ، ويكون بمعنى : تفسير المقصود من اللفظ بصفة عامة بخلاف المعنى الاصطلاحي فيكون المعنى (المصدر) هو الاسم الذي يدل على شيء مجرد (غير محسوس) وقد نقول المعاني : ما يدل عليه اللفظ ، والجمع : معان .
والمعاني : ما للإنسان من الصفات المحمودة ، يقال : فلان حسن المعاني. ويمكن إضافة ما يلي:
ـ المعنى الحقيقي للكلمة : التصور الذهنى المرتبط بالكلمة ارتباطا بالمطابقة …
ـالمعنى الضمني : التصور الذهنى المرتبط بالكلمة بالتضمن أو اللزوم. ـالمعنى المجازي : التصور الذهنى المرتبط بالكلمة مجازيا استعارة . ـ المعنى الطبيعي التصور المرتبط بالكلمة على سبيل حكاية الصوت للمعنى ….
وقد نختم بما يلي :
المعنى : مضمون ، فحوى ، دلالة ، ما يدل عليه لفظا. هذا في معنى هذا : مماثل له ومتشابه .
دقة المعاني : دقتها ولطفها .
معنى مبتكر : معنى غير مألوف .
بكل معنى الكلمة : بكل ما في الكلمة من تعبير .
الثيمة :
نص مفتوح بدلالات تتدفق بالرموز، يحاول الشاعر تجسيد رؤيته بما يدور في فلكه الإبداعي من أفكار تعكس ضوء دواخله بما يخالجه من هواجس حارقة بعمق فلسفي . بحيث برقة الأحاسيس وناصية اللغة ، نسج قصيدة شامخة الضاد والتي تعكس بقوة مدى ارتباطه بالبيئة التي تتدفق بأجمل المعاني وأرقى الارتسامات الممشوقة بالبهاء التي تمنح متنفسا للذات الشاعرة بامتياز.
البيئة الشعرية :
لا يختلف اثنان على اعتبار الشاعر ابن بيئته ، وكل أدب غالباً ما يكون موشوما بطبيعة الوسط الثقافي الذي يعيش في ظله الشاعر … والمتعمق في النص الشعري للشاعر عبد المجيد بطالي قد يكتشف أن مبدعنا له ارتباط وثيق بالكتابة الشعرية الشاعرية النثرية التي تساهم بفعالية في بناء وعي ثقافي هادف ببصمة شعرية عميقة وثقافة ثرية .. إن الشعر عنده حسب ما يتبين للمتعمق يرمم كل الشروخ كما أنه كفيل أن يرتق ثقوب الروح . ونص شاعرنا ليس عاديا بل هو مطروز من حروف تعزف على أهداب المعنى ، ودروة الامتاع ، إنه يكتب بمعية الإبداع بكلمات تتناغى مع الأعماق ، تجلو معاني الأعماق بشكل دقيق الأبعاد لا تكف تتغنى بما تحمله المفردات من موسيقى تضيء دهاليز الذات الشاعرة وكوامن النفس العاشقة للحرف الشعري الشاعري المتفرد بأسلوب يحاكي رؤية تبيح للقارىء الانخراط في اقتناص لذيذ المجازات ومعانقة البهاء في اسمى تجلياته ..
أليس الشعر مغامرة لغوية ؟
اللغة :
بكل المعاني إن الشاعر عبد المجيد بطالي رائد من رواد الإبداع في تشكيل القصيدة الحديثة وفق المعايير الإبداعية والفنية التي تكتب بها القصيدة .. وظف أسلوبا بلغة رشيقة شاعرية زئبقية تحرك لواعج الذات وكوامن النفس ، كما أنه حاول طرز المضمون بطرائق تصويرية خلاقة بحنكة تتنحى كل نمطية معيارية ، كما حاول أن يختار الكلمات الشعرية الشاعرية الممتعة مخاطبا المتلقي بخيارات التأويل المفتوح ليشركه بشغف في الوصف الأدبي المبني على الثوابت الفنية والجمالية والإبداعية بشكل يجدد الإحساس ، ويوحي بالصور الشاعرية الآسرة . فاللغة كما يراها البعض هي نبراسا لواقع الحياة ، رسالة تجسد ما يخطر بخواطر الإنسان ….
المعجم اللغوي للنص :
معنى القصائد : القصيد ، والقصيدة : من الشعر العربي سبعة أبيات فأكثر ، والجمع : قصائد . وغالبا ما تتحدث القصيدة عن موضوع موحد عكس الشعر فهو أعم من القصيدة .
تبرجت : تزينت وأظهرت محاسنها.
ممشوقة :حسنة القوام مع طول وضمور ورقة .
أرفل ….: جر ذيله وتبختر في سيره .
أزف … : حان الأجل .
حسان : مصدر حاسن : جمع حسناء وحسن .
حسان : الشديد الحسن ، كثير الحسن .
بوارق …: السحابة التي يكون فيها برق ، مصدر برق .. برق لاسلكي/ لامعا .
الخنساء : وصف الظبي به
الخرنق : ولد الأرنب ، جمع خرانق .
سنا : ضوء ساطع / يبهر الأبصار.
السناء : ارتفاع وعلوم ، سمو المقام .
الانتشاء : النشوة هي قمة السعادة وهي حالة نفسية من الابتهاج الغامر المؤدي إلى غياب العقل عن إدراك ما حوله وتعلقه بالعالم العلوي .
أسابق : تقدمهم فاتهم … بقي ، يبقى ، بقاء .
انطلاقا من تدليل كل مفردة مفردة التي جاءت بالقصيدة يمكن الجزم على أن المضمون أنيق المعنى وبهي الإيقاع ، يأخذ المتلقي في سفر إبداعي ماتع وفي بهاء لا متناهي ، ذاك حال قصيدة (غزل المعنى) لقد حاول الشاعر بوصفه الساحر شد المتلقي بقصيدة تسكب الجمال المذهل ، تتغنى بطعم الشموخ و تتوزع إلى أربع فقرات متناغمة ، تزدان بمعجم آسر ووحدة عضوية تتقاطر عذوبة … قصيدة تراود فضول المتلقي بسحر الإتقان والمعاني التي رسمت بصور تجسد روح الإبداع المتميز …
خاتمة :
قد نختم الورقة التنويرية بما يلي : إن المحركات الأساسية للحس الإبداعي هي المادة التي بنيت عليها القصيدة (غزل المعنى ) . فتحية للمبدع الأديب عبد المجيد بطالي على ما أبدع .
(الخرنق : ولد الأرنب ، جمع خرانق . )
سنا : ضوء ساطع / يبهر الأبصار.
السناء : ارتفاع وعلوم ، سمو المقام .
الانتشاء : النشوة هي قمة السعادة وهي حالة نفسية من الابتهاج الغامر المؤدي إلى غياب العقل عن إدراك ما حوله وتعلقه بالعالم العلوي .
أسابق : تقدمهم فاتهم … بقي ، يبقى ، بقاء .
انطلاقا من تدليل كل مفردة مفردة التي جاءت بالقصيدة يمكن الجزم على أن المضمون أنيق المعنى وبهي الإيقاع ، يأخذ المتلقي في سفر إبداعي ماتع وفي بهاء لا متناهي ، ذاك حال قصيدة (غزل المعنى) لقد حاول الشاعر بوصفه الساحر شد المتلقي بقصيدة تسكب الجمال المذهل ، تتغنى بطعم الشموخ و تتوزع إلى أربع فقرات متناغمة ، تزدان بمعجم آسر ووحدة عضوية تتقاطر عذوبة … قصيدة تراود فضول المتلقي بسحر الإتقان والمعاني التي رسمت بصور تجسد روح الإبداع المتميز …
نص القصيدة : (غَزْلُ المَعْنَى…)
—
بيْنَ الْقَصائِد
تَبَرَّجْتُ بِالْمَعَانِي
شَامِخَةَ الضَّادِ
أَعْشَقُ الْحَرْفَ
كَغَزَالَة
مَمْشُوقَة بالبَهَاءِ
الْمَفْتون…
أَرْفُل بساحَةِ المَتْن
الْمَشْحُون…
بعقد من بيان
—
بين القصائد
أزفُّ رقصتي
على نغمات المعنى
أُذَلِّلُ الكلمات
للإصغاء
أفشي الغموض
المَدْفون
بينَ حروف حِسَان
—
بين القصائد
أُوقِدُ المَعنى…
بوارفاتٍ طلْعُها
من خالدات “حسَّانِ”
قَبَساً احتفاليا
من بَوَارقِ الأزمان
أَرْشُفُ عِبْقَها
من نشيد “الخنساءِ”
ومن دَواةِ “الْخِرِنْقِ”
يَسيلُ سَنا حِبرِي
على السَّناءِ
—
بين القصائد
أزهو وأزهو
في مَوْكب الاِنْتِشاء
مُغرِّدةً أنشودةَ الأعراسِ
أسابقُ الأنْوار
أُوقِظُ الْحَرفَ
صَرْخةَ الأَجْراس
أخْترِقُ الأسْوارَ
لِأَغزِلَ المَعْنى قبساً
بَاتَ رهِينَ الأقْواس