التحولات الداخلية والتوتر المشبع بالسرد .
تأتي مجموعة زهرة الريح لوسيلة أمين بوصفها مشغلًا سرديًا مشبعًا بالتوتر الوجودي، ومرتفَعًا دلاليًا يتقاطع فيه الخراب الخارجي بالتحولات الداخلية للشخصيات. فالكاتبة لا تقدّم قصصًا فحسب، بل تؤسس فضاءً سرديًا لإعادة ترتيب علاقة الإنسان بالألم والأمل والهوية والذاكرة.
ثلاث قصص: ثلاث ساعات، الغريب، اللوحة—تبدو، في ظاهرها، متباعدة الموضوعات، لكنها تتآلف في باطنها من خلال ثيمتيْ الامتحان والتحوّل. هنا يصبح السرد معبرًا روحيًا، ويغدو الشخوص في مواجهة ذواتهم قبل مواجهة العالم.
أولاً: “ثلاث ساعات” — دراما الانبعاث من الحطام
تُعدّ قصة “ثلاث ساعات” النموذج الأكثر كثافة في المجموعة؛ إذ تستخدم الكاتبة وسيلة أمين بنية سردية تعتمد على التصاعد الانفعالي عبر ثلاث مراحل:
الظلام – الاكتشاف – التحوّل.
1. ثنائية الظلمة والانبلاج
يفتتح النص بلقطة سينمائية محكمة:
رجل “يخرج من جلده”، يركل ما يصادفه، محمّلًا بسواد الداخل.
تتوالى العلامات الدالة على الخراب: الليل، البرق، المطر، الركام، الصاروخ.
لكنّ الناصّة لا تكتفي بوصف الدمار الخارجي، بل تشتغل على دمار داخلي تجسّده شخصية “محمود” التي تحمل أرشيفًا من الخيبات: اليُتم، الجوع، الإهمال.
هنا يتجلى البعد الوجودي للنص: الخراب ليس قذيفة، بل تاريخ معذّب يتجوّل في هيئة رجل[1].
2. الأنين كآلية استدعاء للضمير
التحوّل الجوهري في القصة يبدأ من الصوت: “صوت أنين خافت”.
هذا النداء السمعي يشتغل في النص بدلالة رمزية؛ فهو دعوة للعودة إلى الذات.
فالإنقاذ ليس إنقاذًا لجسد الفتاة فقط، بل لروحه هو، التي كانت على وشك الانطفاء.
3. كوثر: المعادل الرمزي للضوء
تظهر “كوثر” تحت الركام، تمامًا كما تظهر البصيرة في لحظة الخطر.
اسمها يشي بالفيض والنقاء، في مقابل شخصيته الملطّخة بالمظالم.
ومع الحوار والاختلاء الإجباري في السيارة تحت المطر، يتحول محمود:
من لصّ—إلى ملاك.
من شخص مشوّه بطفولة منتهكة—إلى ذات تستعيد حقها في النقاء.
وتستخدم الكاتبة وسيلة أمين ، هنا تقنية التحوّل المتدرّج عبر عناصر الطبيعة:
المطر، السيول، البرق—لتكون إطارًا تطهيريًا يرمّز لولادة جديدة.
4. ثلاث ساعات كعمر روحي
الزمن ليس وحدة قياس، بل طقس عبور.
“ثلاث ساعات” تُعادِل عمرًا جديدًا، أو ميلادًا معنويًا، كما يختم السارد:
“كأنما قدّت لعمره من ضيّ الإشراق دهرًا”.
هذا الخاتم يكشف جوهر القصة:
السرد هنا علاج — والنجاة ليست جسدية بل نفسية وروحية.
ثانياً: “الغريب” — المعراج الرمزي بين عالمين
إذا كانت “ثلاث ساعات” قصة إحياء، فـ “الغريب” قصة تماس بين الأرضيّ والغيبيّ، بين الواقعيّ والأسطوريّ.
1. الفتاة: جوع الوجود قبل جوع الجسد
الساردة تقدّم طفلة/فتاة في حالة جوع، لكن الجوع هنا ليس بيولوجيًا فقط؛
إنه جوع الأمن، الانتماء، اليقين.
تحمل وعاءها كمن يحمل مصيره، وتسير في طرق مثخنة بالحجارة، في رمزية واضحة لوعورة الحياة.
2. القصر: الرمز الميتافيزيقي
حين ترى القصر كاملًا غير متأثّر بالقصف، تتشكّل المفارقة الدلالية:
الأماكن التي في متناول الجائعين محرّمة عليهم، بينما الخراب يصيبهم وحدهم.
القصر هو مثال أفلاطوني للطهر، للحياة الممكنة، للنعيم المؤجّل.
3. الرجل الجريح: صورة الشهيد
تتعمد الكاتبة ربطه بالكوفية—رمز الهوية، المقاومة، الفداء.
النصف الملطّخ بالدم ليس مجرد جرح؛ بل اختزال سردي للموت المؤجّل.
يقول لها:
“بهذه الجراح أفنيت موتي”
وهي جملة تفتح باب التأويل الصوفي؛ فالموت هنا ليس نهاية بل “عبور”.
4. العودة إلى الجثة: انغلاق الدائرة
حين ترى الجموع تحيط بجثة الشهيد وتكتشف أنه استشهد قبل ثلاثة أيام،
يكتمل البناء الدائري:
لقد دخلت الطفلة عالمًا ماورائيًا للحظة، شاهدت فيه “الحقيقة بعد موتها”[2].
القصة هنا ليست واقعية بل رؤيا، تمزج الفقد بالمعنى، والموت بالحياة.
ثالثاً: “اللوحة” — الفن بوصفه خلاصًا من الخواء الداخلي
القصة الثالثة تختلف من حيث الجو العام؛ فهي تنتقل من فضاء الحرب والدمار إلى فضاء الذات الداخلية.
1. المظروف:
شرارة الإحياء الجمالي
وجود مظروف في الطريق يمثل دخول “القدر” إلى حياة البطل أحمد.
المظروف—والخواطر التي بداخله—يعملان بوصفهما محرّكًا جماليًا يعيد إليه حساسيته الفنية.
2. ريم: التجسّد الرمزي للمحفز الإبداعي
ريم ليست شخصية حقيقية بمقدار ما هي شبح ملهم،
قوة تُعيد تشكيل ذاته الفنية، كما أعادت كوثر تشكيل ذات محمود.
تعمل ريم بوصفها “مخاطَبًا غائبًا”، في نفس الدور الذي أدّاه الشهيد مع الفتاة:
محفّز على النجاة الداخلية.
3. عودة الفنان إلى مرسمه
المرسم المغبرّ يرمز إلى سنوات القطيعة مع الذات.
وبعودة أحمد إلى الرسم يعود إلى نفسه، وإلى تاريخه، وإلى معنى وجوده.
4. ازدواجية ريم والعم صالح
تعبّر الكاتبة عن ثنائية:
ريم = الجمال والذاكرة
العم صالح = الحكمة والامتداد الإنساني
اللوحة التي يرسمها أحمد لريم هي إعادة خلق لـ “امرأة لم يرها”،
تمامًا كما أعاد محمود خلق نفسه عبر كوثر.
رابعاً: خيط الوحدة بين القصص الثلاث
رغم اختلاف البيئات، تتشارك القصص في أربعة معايير بنيوية:
1. الألم بوصفه محور التحوّل
كل قصة تبدأ بـ أزمة:
صاروخ، جوع، فقدان الإلهام.
لكن الأزمة ليست النهاية، بل منفذ التبدّل.
2. العنصر البشري الذي يعيد تشكيل الذات:
كوثر → محمود
الشهيد → الفتاة
ريم → أحمد
كل شخصية تتطهّر عبر “آخر”، في رؤية إنسانية تعتمد على العلاقة لا العزلة.
3. الطبيعة بوصفها وسيطًا سرديًا:
مطر، برق، موسم، ضوء فجر، غابة، قصر، ريح…
هذه ليست زينة نصية، بل لغة موازية تكمل اللغة البشرية.
4. نزعة صوفية جمالية
تبرز روح التلقي الصوفي للأحداث:
التحوّل، الكشف، النور، الطهر، الفيض، البعث.
هذه العناصر تُخرج القصص من حدود الواقعية المباشرة إلى مساحة رمزية/عرفانية.
خامساً: اللغة والأسلوب
1. شعرية السرد:
لغة وسيلة أمين شديدة العناية بالإيقاع، وتقترب من الشعر الحر في كثير من المواضع.
الإيقاع في النصوص يعتمد على:
الجمل القصيرة المتتابعة
الانزياح الدلالي
الاستعارات الضوئية (نور/وهج/وميض).
الصور الحركية (زخّ، انهمر، تراءى، انتفض)
2. البناء المشهدي :
اعتماد واضح على تقنية الـ سينماتوغراف:
المطر ينعكس على الزجاج، البرق يكشف الوجوه، خطوات الرجل، الوعاء الساقط…
هذه المشاهد تزيد من عمق التلقي البصري للقارئ.
3. التوازن بين الوصف والحوار.
الحوار قليل لكنه حاسم؛ إذ يأتي في نقاط التحوّل:
“أرجوك أنقذني”
“بهذه الجراح أفنيت موتي”
“من تكونين يا ريم؟”
تتمة نقدية :
نحو قراءة إنسانيةللمجموعة:
تكشف المجموعة عن مشروع سردي يركّز على الفرد في مواجهة الموت الرمزي:
موت الضمير، الجوع، التيه، فقدان الإلهام.
وفي المقابل، تحضر قوى الضوء:
امرأة تحت الركام، شهيد ينهض رمزيًا، امرأة تكتب فتبعث فنانًا.
هكذا تحوّل وسيلة أمين قصصها إلى أناشيد للنقاء الإنساني وسط عالم مثخن بالقسوة،
وتعيد للإنسان مكانته الأصيلة بوصفه كائنًا قادرًا على التحوّل مهما بدا الخراب شاملًا.
الحواشي:
[1] تُستخدم تقنية “المرآة النفسية” حيث يتجسد الداخل في الخارج، وهو أسلوب شائع في القص الواقعي النفسي.
[2] ينتمي المشهد إلى ما يسميه النقد السردي “لحظة الكشف epiphany” عند جيمس جويس، حيث يدرك القارئ والشخصية حقيقة تتجاوز الواقع المباشر.
المراجع:
1. تزفتان تودوروف. مدخل إلى الأدب العجائبي. ترجمة سامي الدروبي، دار الفكر.
2. هانز روبرت ياوس. جمالية التلقي، سلسلة عالم المعرفة.
3. جيرار جنيت . خطاب الحكاية، دار توبقال.
4. عباس، إحسان. فن السرد القصصي، بيروت.
5. محمود درويش . في حضرة الغياب — للإشارة إلى البنية الشعرية في النثر الحديث.
6. جورج لوكانش . النظرية الروائية، ترجمة جورج طرابيشي.