أوقف السائق السيارة أمام باب الأوبرا.. نزل الفنان الكبير صحبة قريبه، واتجه نحو السلالم.. قاد السائق السيارة بضع خطوات، وتوقف بجانب الرصيف في المكان المخصص لذلك.. الرجل تجاوز الخامسة والستين من العمر.. في السنوات الأخيرة أصبح كل ساعتين أو ثلاث يذهب إلى المرحاض.. ألف ألا يفعل ذلك حتى يشعر بمثانته تكاد تنفجر..
البرد والانتظار داخل السيارة لمدة تفوق ثلاث ساعات، لم تترك له فرصة للتحمل أكثر.. نزل وسار بضع خطوات.. بحث عن مقهى مجاور.. اعتقد بأن المقاهي في هذا الحي الراقي لا تسمح لزبائن من الفئات الشعبية بالدخول إليها، وبالأحرى استعمال مراحيضها.. ابتعد قليلا.. لاح له فضاء يشبه الحديقة.. الوقت ليلا، ودرجات الحرارة منخفضة، والطريق خال من المارة.. اختفى خلف شجرة كبيرة حتى لا يكشفه ضوء المصباح.. بمجرد ما فتح سرواله، انفجر شلال من البول.. سكون المكان جعله يسمع وقعه بقوة على أسفل جذع الشجرة (شرررررر).. بعد لحظات تنفس الصعداء، كأنه خرج من حرب منتصرا.. تذكر الفنان وحفل التكريم.. لاحظ بأن مزاج الرجل وشخصيته في التلفزيون أو على خشبة المسرح مختلفة عن شخصيته في الواقع.. الرجل يتقن التمثيل، ويلعب أدوار شخصيات مختلفة تنتمي للقاع الشعبي، ويعري ما تعيشه من بؤس وفقر، حتى تعتقد كأنه واحد منهم.. أما عندما يكون خلفه في السيارة فيبدو شخصا آخر، قد تشك بأنه يمثل.. يطلب منه بنرفزة مرة أن يسرع، ومرة أن يبطئ.. بعد ذلك يفقد السائق تركيزه، ولا يعرف هل يسرع أم يبطئ، فيقول لنفسه:
ـ ما تأتي وتسوق بنفسك؟!
ثم ينظر في المرآة، ويخشى أن يكون قد سمعه..
عندما اقترب، ظهر له جمع من الناس متجمهرين حول السيارة.. ارتبك.. قال لنفسه.. يخرب بيتك يا عمر!؟ ليلتك سوداء؟! سيكون آخر يوم لك في السياقة!
اقترب أكثر، وخاف أكثر.. توجه إليه الفنان أمام حشد من الصحفيين، وصرخ في وجهه:
ـ هات المفاتيح! هات!
استجاب المسكين للطلب من غير تردد.. فتح الفنان باب السيارة بنرفزة، وجلس مكان السائق، وركب إلى جانبه أحد أقاربه.. أدار المحرك، وسار ببطء في الزقاق المؤدي إلى الشارع، والسائق يجري خلفه.. فجأة بلع الشارع السيارة.. صعد السائق إلى الرصيف، تحسس جيبه، وجده فارغا.. قال لنفسه:
ـ الآن عليك يا عمر أن تقطع هذا الطريق الطويل إلى البيت راجلا.. ابتداء من الآن اعتبر نفسك ضيفا على جهنم.. لا شغل، لا مصروف، لا إيجار.. حتى البيت لن تصله حتى تزهق روحك..
مراكش 12 / 12 / 2025