شكل الفرس جزءا من شعرية القصيدة العربية عبر تاريخها ، فهو لم يكن مجرد كائن يتخذ مطية لقضاء الحاجات من سفر وحمل ثقل وخوض حروب وإنما ارتبط به الإنسان العربي ارتباطا حميميا للدرجة التي جعلته يستشعر أحاسيسه ويستقرئ خلجاته وهو البهيمة العجماء يقول عنترة لما أصيبت فرسه برمح :
فازور من وقع القنا بلبــــــــــانه وشكا إلي بعبرة وتحمـــحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
إنها ليست مجرد علاقة عادية بين الشاعر والفرس ، تظهر فيها المحبة ويتبدى فيها التجاوب بين الكائنين ، حيث الإحساس بالألم الشديد من وقع الرمح لما أصاب صدر الفرس لدرجة أنه شكا بدمع عينيه لصاحبه ما وجده من حر الإصابة ووقعها ولو أنه كان يستطيع النطق لباح لصاحبه بكل ما يجده من ألم ، لذا رسمت لنا هذه الصورة جمال وجلال العلاقة بين الشاعر العربي وفرسه ؛ لذا كان تمجيد الفرس وإنزالها منزلة متخيرة وجعلها مناط فخر لما عرف عن العرب من تمييزبين الفرس وغيرها وإعلاء شأن الكريمة منها والتفاخر بأجودها وأحسنها أمرا مألوفا في الثقافة العربية ، فنجد امرئ القيس في معلقته يمنح الفرس توصيفات مكثفة ليحيطها بما شاء من هالة ويهبها قيمتها التي تتعالى بها عن غيرها من الأفراس فيقول :
وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر مــــــــعا كجلمود صخر حطه السيل من عل
له أيطلا ظبي وساقا نعـــــامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فهو يصف حركة الفرس في سرعتها ورشاقتها مشبها إياها بالصخر المنحدر من القمة دلالة على الشدة والقوة في الركض سواء في حالتي الفر والكر، جاعلا من فرسه صورة مركبة من صنوف الحيوانات عبر التقاط سماتها المميزة فهو فرس يمتلك ساقي الظبي لما يعرف عنه من رشاقة في الركض وساقا النعامة لقوتهما وثباتهما وهو فرس يضاهي الثعلب والذئب في الإرخاء والتقريب راسما صورة بديعة للحركة السريعة والرشيقة للفرس القادرة على المراوغة في أرض المعركة ؛ ولعل المكانة التي مازت الفرس هي ما جعلت شاعر بني عامر بن صعصعة يدعو قبيلته الى ضرورة الاعتناء بالخيل قائلا :
بني عامر إن الخيول وقاية لأنفسكم والموت وقت مؤجل
أهينوا لها ما تكرمون وباشروا صيانتها والصون للخيل أجمل
فالخيل درع حصين وصاحب في الملمات به يدافع المدافع عن عرضه ونفسه وشرف قبيلته التي كانت تقاس بمقدار ما تملك من خيول كريمة وبما تصنعه من إكرام لها ورعاية واعتناء لما فيه من مجلبة للمفخرة وإبعاد للمعرة عنها بين قبائل العرب ، وليس من الغرابة أن نجدهم قد أنزلوا الخيل منزلة التفضيل على الأولاد فيكرمونها بالطعام على ألا تجوع وإن اقتضى الأمر جوع العيال يقول عبيدة بن ربيعة :
أبيت اللعن إن سكاب علق نفيس لا يعار ولا يباعُ
مفداة مكرمة عليـــــــــنا يجوع العيال ولا تجاعُ
بل إننا وجدنا الشاعر العربي يستعيرالفرس النجيبة و صهيلها ونواصيها ليدلوا به على مجد القبيلة ورفعة النسب يقول حسان بن ثابت: رجال تهلك الحسنات فيهم يرون التيس كالفرس النجيب
وكل هذا يدل على شديد الاعتناء الذي أولاه الرجل العربي لفرس التي حظيت بمنزلة رفيعة في الثقافة العربية ؛ وإن نحن مضينا عبر تاريخنا الشعري سنجد أن الفرس ظلت حاظية بنفس المكانة في مفكرة الشاعر العربي الفارس كما عند المتنبي الذي جمع بين مكانة الفرس والكتاب لما قال :
أعزمكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
فالخيل ذو مكانة عزيزة على النفس ، لذا تجد الشاعر العربي معتنيا بتوصيفها مجليا تفاصيلها الجميلة يبين عن دوره وتجاوبه مع صاحبه في لحظات الشدة والرهبة يقول أبو الطيب :
وعيني إلى أذني أغر كأنه من الليل باق بين عينيه كوكــــب
له فضلة عن جسمه في إهابه تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدني عنانه فيطغى وأرخيه مرارا فيلعـــــب
وأصرع أي الوحش قفيته به وأنزل عنه مثله حين أركــــــبُ
إنه فرس أسود كالليل تبرق عيناه الواسعتان مثل كوكبين قوي الجسم ذو صدر رحيب يخوض به الشاعر الظلماء ويصرع به الوحش ، فيكون الفرس مطية المفخرة ومركب الشاعر إلى إعلاء أناه والصدح بها عاليا ، ثم إن الشاعر العربي سيجد في الفرس سلوة من الألم والوجد لا يسليه غير خوض الحروب وركوب ظهر الفرس فيقول أبو تمام :
تداو من شوقك الأعضى بما فعلت خيل ابن يوسف والأبطال تطرد
ذاك السرور الذي آلت بشاشــــــته ألا يجاورها في مهـــــــجة كمد
لقيتهم والمنايا غير دافعـــــــــــة لما أمرت به والمـــــــلتقى كبدُ
فالفرس تتجاوز حد كونها صاحبة ومطية في الحرب ومفخرة إلى كونها بلسما يكشف الأحزان ويذهب الآلام ، كما أنها لا تقل وفاء عن الكلب لصاحبها ؛ صورة جميلة يرسمه أبو تمام حين يشبه الخيل بالكلب في الوفاء إن غاب عنها صاحبها فهي لا تنسى رفقته رغم الأهوال التي كانت تحف بها فيقول :
إن طال يومك في الوغى فلقد ترى فيه ويوم الهام مـــــــنك طويل
فستذكر الخيل انصلاتك في السُّرَى والقفر معروف الردى مجهولُ
لتستمر نفس العلاقة الحميمية بين الشاعر والفرس كما سطرتها الشعرية العربية الجاهلية وما بعدها في العصر العباسي ويظل الفرس متمتعا بنفس المكانة باعتباره رمزا حضاريا وثقافيا للبلاد العربية.
لم يكن الفرس مجرد مطية أو ركوب شبيهة بغيرها من الدواب كالنوق والجمال وغيرها من المراكب ، وإنما كان الفرس كائنا قادرا على خلق جسور التواصل مع الإنسان العربي ومع الشاعر / الفارس بشكل خاص ، جسور تجلى فيها العمق الإنساني في أسمى معانيه حيث الارتباط الوثيق بين الكائن الآدمي وكائن حيواني يتجاوز حدود الأدوار التي خلق لأجلها إلى بناء علاقات حميمية تنبثق فيها الأحاسيس المتشابهة في بوثقة واحدة انصهرت فيها العاطفة والحب معا.