تُعدّ السينما فناً مركّباً تتقاطع داخله مختلف أشكال التعبير الجمالي والفكري، حيث لا تقتصر وظيفتها على نقل الواقع أو محاكاته، بل تتجاوزه إلى إعادة تشكيله وصياغته ضمن رؤية إبداعية تحمل أبعاداً رمزية ودلالية عميقة. وفي هذا الإطار، تكتسب الصورة السينمائية مكانة مركزية بوصفها لغة خاصة قادرة على إنتاج المعنى وإثارة الوجدان وفتح آفاق التأويل، من خلال ما تحمله من عناصر بصرية وسمعية وإيقاعية متداخلة. ويُعدّ عنصر النار من بين أكثر العناصر الطبيعية حضوراً وقوة في المتن الفيلمي، لما ينطوي عليه من طاقة رمزية وجمالية متعددة الأوجه، تجمع بين التطهير والهدم، الحياة والموت، الثورة والألم. ينطلق هذا البحث من مساءلة حضور عنصر النار في السينما بوصفه عنصراً جمالياً ورمزياً فاعلاً، لا يُوظَّف اعتباطياً، بل يُدرج ضمن بناء دلالي وإيقاعي يخدم الخطاب الفيلمي ويعمّق أبعاده التعبيرية. فالنار، بما تحمله من غموض وسحر وجاذبية، تتحول في الصورة السينمائية إلى أداة للكشف عن المسكوت عنه، وإلى وسيط تعبيري يربط بين الذات المبدعة والواقع الاجتماعي والثقافي، وبين الفيلم والمتلقي. ومن هنا تطرح الدراسة إشكالية مركزية تتمثل في: كيف يتم توظيف عنصر النار داخل النص الفيلمي؟ وما حدود اختلاف دلالاته الجمالية والرمزية من مخرج إلى آخر ومن تجربة سينمائية إلى أخرى؟ يعتمد هذا العمل مقاربة تحليلية جمالية ودلالية، تستند إلى تحليل الصورة السينمائية وعناصرها السمعية والبصرية، مع الانفتاح على أبعادها الاجتماعية والثقافية والأسطورية. كما يسعى إلى إبراز خصوصية التوظيف الإبداعي للنار في بعض التجارب السينمائية التونسية، من خلال تتبع اختلاف الرؤى الإخراجية وتباين الأساليب الفنية في التعامل مع هذا العنصر، بما يسمح بفهم أعمق لآليات إنتاج المعنى داخل الخطاب السينمائي. وبهذا، لا يهدف البحث إلى تقديم قراءة نهائية مغلقة، بقدر ما يسعى إلى فتح مجال للتأويل، وإلى إبراز قدرة السينما على تحويل العناصر الطبيعية إلى علامات جمالية مشحونة بالدلالة والإيحاء.
المرحلة النهائية هي مرحلة استنتاجية توليفية.
وهذا ما يدعو إلى طرح التساؤل التالي :
ماهي أهم العناصر التي يمكن أن تكون مركز الاهتمام و التحليل في هذا العنصر ؟ حول مسالة رمزية النار ؟؟ حول الإبداع في حضورها الجمالي و حول مشروعيتها الفنية و إيقاعها ؟.
ربما الرمز هو روح حضور عنصر النار في أي فيلم من الأفلام المتناولة و هو ما يجعلها ذات أهمية مضاعفة فدراسته إلى جانب حضور عنصر الرمز هي بالأحرى دراسة فنية و جمالية و إيقاعية.
إن البحث ليس بحثا موحدا بل يحتضن درجات مختلفة لمدى وفائها للقيم الجوهرية لهذا العنصر و من ثم تحديد موقعها من الرمز. و المتعة من خلال ما تحمله رؤاه الفنية انها ترتفع على الحقيقة الواقعية…
و تمنح اللذة و الإحساس بالجمال و الحقيقة و نتأملها بارتفاع عقولنا عن سطح الواقع الذي من جرعة رمزية نجتهد في اكتشافها.
و لهذا نقول بان قدرة الفيلم السينمائي على الإلمام بمختلف هذه العناصر قدرة فائقة و تبقى عملية الكشف عن تعريف موحد و شامل للفيلم السينمائي من المسائل الصعبة و المعقدة جدا و لكن يمكن ذكر عناصر تعاملت مع الفيلم كفن جديد استفاد من التجارب الفنية الأخرى و استثمر نتائجها, كما تعامل مع التجارب الإنسانية بشكل عام بأسلوب المحاكاة و الخلق و من النص الأدبي و النص الموسيقي و الصورة التشكيلية تناسقا و توازنا و تالفا ليس بمقدور أي فن آخر خلقها و المحاولات المعنية هي اعتبار الفن السينمائي.
ظاهرة و تطوير لحقل تقليدي من حقول الفن وفن مركب و مستقبل.
إن نظرة الناس و علماء الجمال و النقاد تطورت أكثر فأكثر لفن السينما مع تطور السينما نفسها و قد كانت علاقة السينما بالواقع من أهم المسائل التي طرحت إشكالية مفهوم الفيلم الفنية مع الإقرار دائما بصعوبة هذه المهمة.
فالفيلم السينمائي فن مركب و متطور على الدوام وهو ما يزيد من صعوبة الإمساك بخصائص فن الفيلم و تحديد مفهوم واحد له و محاولة التعريف و تحديد الخصائص ترتبط كذلك بالمفاهيم الجمالية للفيلم. بل انها هي الوحيدة التي نعرف من خلالها متى يصبح الفيلم فنا.
و يرى الناقد الفرنسي “اندريه بازان” أن الفيلم هو طفل الفوتوغرافيا و بحكم كونه فوتوغرافيا متحركة عليه أن يكون أمينا بشكل مطلق للواقع و مهمة الفيلم هي الإدامة الأكثر أمانة لهذا الواقع و بدون إيهام و إضافات فعدسة الكاميرا تظهر الواقع النقي غير المحور الذي يكشف بنفسه عن معاناته و أهميته. و هكذا فان الفيلم عند بازان يصبح فنا عندما يقدم الواقع بصورة أمينة و يكشف الميزات الجمالية للواقع ذاته.
و يرى اينشتاين أن الفيلم تركيبا حقيقيا لجميع الفنون.
كما أن الصورة السينمائية الواقعية لا تعبر بالضرورة عن الواقع كما هو و هي أيضا مشحونة بذاتية مبدعها فهي إذن نتيجة للوسائل المنتجة لها. ووظيفة الصورة و مرجعياتها تختلف و تتغير تاريخيا و اجتماعيا ” و قد أخذت في فترات تاريخية متباينة طابعا مختلفا و لعبت وظائف متباينة قدسية و جمالية. و ارتكزت على مرجعيات مختلفة أسطورية و دينية و عقلانية.”
الصورة إذن ليست واحدة و لا يمكن بذلك أن تكون صحيحة أو خاطئة , بل هنالك صور متعددة بتعدد الانتظارات الثقافية و الاجتماعية. و لكن هل يمكن القول أن الصورة الفيلمية هي تصوير للأشياء, قد توجد في ذهن المخرج و قد تكون مستوحاة من الواقع. و قد تكون أيضا نقلا لقصة استوحاها كاتب لم تكن نيته الصورة المنقولة على الشاشة السينمائية أصلا؟ و إنما اعتمد فيها الصورة الجمالية المكتوبة و التي تصف بالكلمات و تنقل الأحداث اعتمادا على سرد روائي و شخصيات روائية؟.
الصورة السينمائية إذن تنبع من ذات إبداعية تصور الأشياء و الأحداث وفق تصوراتها الذاتية التي قد تكون مطابقة للواقع أو مختلفة عنه و تخاطب بلغة خاصة بها المتفرج الذي سيدخل معها في علاقة حميمة و مثيرة أو بالأحرى علاقة سحرية تدفع به إلى الضحك الشافي تارة و طورا إلى البكاء المختنق. و يرى الهادي خليل هنا ” أن الجانب التاثيري الذي يميز الصورة السينمائية مصدره لا حرفية ملتقطيها فحسب و إنما في تماثلها البالغ مع الواقع.”
كذلك تتجاوز الصورة السينمائية مرجعيتها و تنفتح على استيطيقا مخصوصة للموضوع المتناول.
إن الصورة السينمائية حالة إبداع و تخيل في علاقة حميمة طويلة قد تتجاوز ساعات البث السينمائي لتتواصل مع ذهن المتلقي وهو يستحضر في مخيلته بعض الأحداث و المشاهد و يتفاعل مع بعض الشخصيات و يتناقش مع نفسه و مع الآخرين و ما خلفه النص الفيلمي من انفعالات و أحاسيس.
فمثلا مكونات فعل النار من حيث جماليتها من شانها أن تتسرب إلى الأعماق و هي ذات جاذبية و تحتاج إلى تيقن و محاورة وفق المسكوت عنه داخل التواءاتها و تلوناتها. فان موضوع النار ينجذب إلى الكثير من هذا النوع لترابطها معا و اعتبارها من العناصر التي فيها الكثير من الغريب و العجيب في الكشف عن أسرارها و ألغازها و لغاتها المختلفة في التوظيف و الانفلات مباح داخل معظم هذه العناصر لان إدراك الصعوبة فيها على قدر متساوي لدى الباحث وهو يناقش موضوع النار ينازعه ما خلف الصورة كشفا عن بواطنها.
تحيلنا صورة النار إلى رموز و صور مرئية مختلفة ووفق انتاجات مختلفة تعددت فيها الشخوص عبر النار الرامزة إلى مهزومة و ثائرة و ضحية…
فصورة الشخصية واحدة و صورة النار واحدة و ان كانت اللغة الحاملة لمعنى النار و الأحداث تتجمع معا في خدمة المضمون الفيلمي و لكن يظل الواقع هو نفسه بل حضور الشخصيات متعدد لتفسير معاني و استعارات مختلفة الشخصية المناضلة و المتعبة و المحروقة الشخصية المبدعة و الثائرة عن كل القوانين و الرافضة لها أيضا كلها صور يعبر عنها المخرجين و مبدعيها لصنع تجربة فاعلة في الحراك الإنساني اليومي في فضاء التعبير و التغيير و هذا ما يفضي بدوره إلى طرح أسئلة هامة حول الأسلوب و التقنيات و المواضيع المطروحة و هذا ما يؤدي بدوره ببعض المخرجين إلى تعاليهم عن واقعهم و تعمدهم خلق تمويهات و حكايات سينمائية خاصة اغلبها تروي سيرتهم الذاتية و هذا ما يجرني إلى طرح التساؤل التالي حول بحثي ما الذي يميز حضور عنصر النار من مخرج إلى آخر ؟.
ربما هناك عناصر التقاء بين النوري بوزيد و المنصف ذويب و سلمى بكار في تناولهم لمادية النار لكن هناك تباين و تقاطع في هذا التناول على المستوى الجمالي و الرمزي و دلالات النار بالنسبة للمناخ الداخلي لعنصر النار حسب رمزيتها لدى كل مخرج في التوظيف و صياغة الفكرة و اللغة و لهذا ربما نلاحظ الحضور القوي و الفاعل لرموز مختلفة في هذه الأفلام الثلاثة فليس هناك أزلية للنار إذ أن كل مخرج يتوافق في موضوع النار و ميولاته و رغباته و رؤاه لأفكاره المبثوثة في هذا السياق. يمكن القول أن هذه الصورة تظهر جلية بالغة التأثير من فيلم لآخر و من توجه لآخر و الحضور هنا يلعب فيه الخيال دورا كبيرا في استنطاق ما خلف هذه الصورة و إن كانت الصورة توظف تقنيا و جماليا كأحسن ما يكون التوظيف و يتم اعتماد العلامات الدالة عن تميزها من خلال المقابلات و الإضاءة و طرق تصويرها و إيقاعها وسط متن الفيلم.
غير أن الصورة و في مقابلة رمزية لحضور النار تبدو حاملة لمستوى دلالة يرجع إلى معجم مشترك و هي في الواقع موضوع معالجة درامية و استيطيقية خاصة من شريط إلى آخر. و تستدعي في كل مرة تحليلا مختلفا.
و لعل استعمال إشارات مختلفة للنار في الأمكنة و الفضاءات من أهم ما يصنع منها صورة مختلفة تماما لأنه يرسم منها ” كرتوغرافيا” لشبكة مختلفة من الاستبدالات و العلامات تتنوع مستويات المعاني الحاملة لها في كل مرة.
فمثلا يمكن أن نستشف أن النوري بوزيد حامي جدا في توظيفه لعنصر النار و حتى الإيقاع حامي أيضا و متوتر و حاد في الجوانب الجمالية و جوانب المضامين هي لغة النار باعتبارها لغة توظيفية ساكنة في الظاهر و حادة في الباطن عبر عناصر تعطي لها تأسيسا جديدا فالشخصيات تتضافر بتضافر عنصر النار معها كما تعطي للفضاءات و الأمكنة و الإيقاع في النص الفيلمي لغة فالشخصية و الصورة يخلقان تواصلا لغويا بينهما و مع المتفرج يؤسسان المعنى الذي يدعم الخطاب السينمائي. إن فيلم ” ريح السد” للنوري بوزيد من خلال التسلسل الدرامي و تطور الشخصية الإشكالية و العلاقات القائمة بينها و بين بقية الشخصيات و علاقتها بالأمكنة و الفضاءات المحتضنة لمسيرتها و أيضا الرموز الثقافية تقدم خطابا سينمائيا مشبعا بالإيحاءات و العلامات الترميزية التي يمكن أن تعطي معاني عدة لمحاولات التحليل و الفهم. فالنص الفيلمي قدم لنا شخصيات متأزمة و شخصيات فاعلة و مهمشة كما خلق نوعا من المقابلات بين الشخصيات و الفضاء المعماري.
وقد حضرت في الفيلم ” رموز و علامات دالة أخرى” كانت تشكل مقابلات فيلمية هي عند النوري بوزيد, بحث عن الاختلاف و التجديد فقد وجدنا أن النار كرمز للتطهير و أيضا للحرقة و اللوعة و الألم و الانكسار و كانت هذه العلامة البصرية حاضرة بقوة في اغلب أفلامه. و شكلت في أفلامه عامة رمزية هامة للخطاب الفيلمي نستشفها في معاني مختلفة كمشهد الجنس العنيف و مشهد انكسار الشخصية المحورية.
تحتل صورة النار في هذا الفيلم امتدادا و تعانقا جميلا للصورة و حضرت على وقع هذه الصورة أيضا المدعمة للغة الفيلم و معانيه المراد البلوغ لها و التأثير و الخلق و هذه الأخيرة كانت دائما غاية النوري بوزيد و هو القائل بان وظيفة الصورة ليست الوصف و نقل الواقع بل هي الخلق و الإبداع، تصبح بذاتها عالما جديدا و مستقلا، عالما أرحب من العالم الواقع شيد حسب مقاييس و أبعاد فنية معينة . فالسينما أجمل من الحياة. فالصورة لم تعد مع النوري بوزيد صورة للواقع المعيش بل أصبح هذا الأخير مرآة للصورة و يؤكد على ذلك بأنه لم ينطلق في أعماله بتاتا من فكرة ما أو نظرة مسبقة بل أن الصورة هي منطلقه الأوحد و تتميز هذه الصورة بشعبذة تقنية في التاطير و التركيب و في الموسيقى و الشعر و الرسم و للمسرح مكان في أفلامه فهو يعبر من خلال كل الفنون. و بهذا يمكن القول أن النوري بوزيد اوجد للغته السينمائية ميزة خاصة به هي تآلف جميع الفنون في الصورة السينمائية. وقد تفيد كثيرا في تطويرها و البلوغ بها غاية الخلق.
إن التوظيف الحاد للنار لدى النوري بوزيد له انعكاس و ترتبات عينية فيها أشكال حسسنا بها من خلال الصورة السينمائية الخلاقة و الفاعلة و الجريئة هذه الرؤيا لا تخلو من التأثيرات العاطفية و النفسية و الفكرية و الواقعية مع الإقرار بأننا أمام صورة سينمائية غاية في التأثير و مشبعة بالعلامات البصرية و السمعية خاصة و نحن تناولناها من وجهة نظر جمالية و دلالية و سوسيوثقافية و السينما دائما حقل شاسع لا مهرب من تناول عنصر دون تناول آخر.
إن تناول عنصر النار من وجهة أخرى وظفه المنصف ذويب بطريقة التصوير المرن وهو متكأ أيضا على طريقة السرد وتطور السرد وتطور الأحداث والإيقاع في الفيلم فمن حيث الإيقاع وصورة النار المتفاعلان معا نلاحظ أنه حامي فتارة يخمد وتارة ينهض من جديد.
وبحضور عنصر النار الموظفة أسطوريا يؤكد على جانب الخرافة بمكوناتها المكتشفة داخل الفيلم.
إن مما لا شك فيه أن الإنسان القديم وحتى إلى عهد حديث نسبيا قد اصطدم بظواهر طبيعية وبيولوجية وفلكية كالتالي نراها في عصرنا الحاضر، فرأى رياحا تزمجر وبرقا يلمع ورعد يجلجل وصواعق تشعل النيران في الأشجار والغابات فتحرق وتدمر الأرض بين الحين والحين ترتجف تحت قدميه في زلازل تهزه هزا فتشق الأرض وتدمر الجبال… كل هذه الأمور وغيرها لا ريب في أنها أفزعته وأخافته، وطبيعي أنه لا يستطيع أن لا يستطيع أن يدرك مغزاها و معناها كما ندرك نحن ذلك بالعلم في أيامنا الحاضرة، ومن هنا تجسدت في خياله الخرافات و الأساطير… و سيطرت عليه أوهام شتى، لكن هذه الأوهام لم تختف حقا في عصرنا الحاضر… فلكل عصر خرافاته ولكل بيئة أساطيرها… والخرافات الحديثة هي بلا شك نتيجة للأنشطة المختلفة التي يعيش فيها الإنسان الحالي. وقد يكون لهذه الخرافات
جذور قديمة.
فالذي يتحدث عن الخرافات ويرجعها إلى ما يسميه بالمعجزات لا يدرك شيئا من نواميس الكون والحياة… فالمعجزة في نظره شيء خارق أو خارج عن المألوف صفة الخرافة طغت على فيلم حمام الذهب بالإيقاع الذي يتجه
نحو التسلسل والتواصل وفق لغة هي لغة النار ورمزيتها الأسطورية.
السرد بطيء ومسترسل يحكي عن قصة واقعية تقصها المرأة في الحمام ومن حيث جمالية مشهد النار داخل هذا الفيلم تزداد أكثر من خلال الألوان والإيقاع والإضاءة أيضا. كما أن أصوات النار أيضا فيها جمالية تكتوي ببطء أو بشرارة أو بحرارة. إن قراءة العمل السينمائي لا يكتفي بالبحث في الشكل الفيلمي بل يتطلب كذلك تحليل للمضمون الفيلمي واستخراج أهم العلامات السمعية البصرية غير الخاصة بالسينما والتي اعتمدت لخدمة ” الخطاب الفيلمي” وهذه العلامات تشمل جميع المجالات الثقافية والاجتماعية و التعابير الفنية الأخرى كالرسم و الموسيقى والفنون المعمارية ويذكر “ميتر” أن هذه العلامات التي لا تخص السينما بل تخدم النص الفيلمي يمكن أن نجدها في حياتنا اليومية الإجتماعية. كما يمكن أن تكون مادة تعبيرية في نصوص إبداعية أخرى كالأدب والمسرح والفنون التشكيلية وهي في كل الحالات
علامات ذات دلالة اجتماعية.*
إن الألوان والضوء والديكور والأصوات والغناء والموسيقى وجميع التعابير والشخصيات وكذلك الحوار الدائر بينهما كلها عناصر تكوّن النص الفيلمي في كليته وتحمل في الواقع وفي الفيلم دلالات معينة مرتبطة بالمجتمع
و الأفراد.
ووجود العلامات داخل المحتوى الفيلمي قد يجعلها محملة بمدلول رمزي لأنه عندما يقع توظيفها داخل أحداث الشريط تصبح حاملة لدلالات ومعاني مختلفة عن دلالاتها الإجتماعية والثقافية. وقد كانت أفلام السينما التونسية الجديدة وخاصة أفلام النوري بوزيد محملة بعلامات كثيرة عن الذاكرة، الفاضاءات التقليدية السلطة بكل أشكالها وكان النوري بوزيد موغلا في استغلال الرموز واعتماد الدلالات لذلك كانت أفلامه مشبعة بالأسئلة التي غالبا
ما تترك بدون إجابات.
الأغاني والموسيقى أيضا هي أحد أهم العلامات السمعية التي تحمل دلالة ثقافية وحضارية ولكن دلالة أغنية تراثية مثلا، كما نسمعها في حياتنا اليومية تختلف عن دلالتها عن توظيفها داخل الإطار الفيلمي إذ تصبح حاملة لمعنى
ووظيفة مغايرة لما هو يومي.
كما تعتمد تقنية الإضاءة في عديد التمثلات الفنية الأخرى كالمسرح والرسم وهو من أهم العلامات الدالة أثناء تفكيك اللغة السينمائية، حيث أن وضوح الصورة أو ظلمتها الظاهرة، أو الضوء الخافت داخل إطار الكاميرا
يصبح له دلالات رمزية في علاقة بالشخصية الفيلمية و بالأحداث وقد اعتمدت الألوان في أغلب أشكال التعابير الإجتماعية أو الفنية أو الجمالية للدلالة على وضعيات نفسية أو حالات اجتماعية. لكن الإنارة فعل جمالي يتعلق بالإخراج السينمائي فبالإضاءة يقوم المخرج بإنارة اللقطة وبالتكثيف من هذا الفعل تصبح مضيئة أكثر فأكثر يمكن أن أقول بأن الإضاءة مؤثر من المؤثرات التي يستعملها المخرج في حين أن مؤثرات النار متعددة من نار خافتة ملتهبة وباردة كما أن لحضورها فعل جمالي وهي أيضا لا تبطل عملية الإنارة فمرة تنير ومرة تعتم وعملية إخراج هذه النار فيها إحياء لها من جديد في بطء أو شرارة أو احمرار كيفما تحيى بذاتها بألوانها المتعددة فاللون الأسود رمز به للمأساة والحزن والأبيض كان دلالة على السلام والتعايش أما اللون الأحمر فهو رمز للحب والجنس ونستحضر هنا عديد السلوكيات الاجتماعية التي تستغل فيها الألوان في محمل معين للدلالة عن شعور عاطفي (الأسود) الحب (الأحمر) الغيرة (الأصفر).. اللغة السينمائية تتميز بقدرة تقنية على التلاعب بالألوان لإبراز موقف المبدع من الأحداث والشخصيات والظلام قد يكون علامة دالة على موقف سلبـــي من طرف المبدع لمضمون الصورة ومكوناتها وفي هذا الإطار نؤكد على الموقف النموذجي لمايكل أنجلو أنطونيوني حيث يقول: ” من الضروري أن نتدخل في الفيلم الملون من أجل ابعاد الواقع المعتاد وإحلال واقع اللحظة الراهنة مكانه ” في حين أن إنارة لقطة فيلمية تدل على وضوح المحتوى وبالتالي وضوح مكونات الصورة أي موقف إيجابي من الحدث الفيلمي. وفي السينما التونسية مثلا قدمت بعض الرموز أو الشخصيات في لقطات تطغى عليها الظلمة مما يجعلها حاملة لمعاني الضبابية وانعدام الوضوح. ففي فيلم صفائح من ذهب طغت الظلمة وغابت الإضاءة ربما عن قصد أو عن غير قصد، كذلك تحولت إحدى الغرف في فيلم يا سلطان المدينة إلى متاهات مظلمة يمارس فيها نشاط روحاني مرتبط بفكر أصولي ومثل هذه الصورة نجدها في فيلم حمام الذهب وهي مرتبطة بالمكان المظلم بطبيعته وهو الحمام. المسحة الضبابية هي الطاغية وتلحف المشهد داخل الحمام بحيث أن بقع الضوء الممتزج بها تنبه البصر إليها وهي تسهم في تشكيل غنائية أو حوارية هادئة بين مكونات الفضاء فصياغة الموضوع تفضي إلى تكوين فضاء تختلف أبعاده اللونية من حيث العمق هذا الاختلاف يحدد مدى قدرة المخرج على سيطرته الكلية على التدرج اللوني و إنارة الفضاء وتحديد البعد النفسي لهذه الإنارة وهي تحاور الباطن بوضعها المؤكد وإسهامها التشكيلي وإيقاعها التعبيري إيغالا في تمثلها وشفافية لنظرته الجمالية فتصبح بالتالي محملة لأفكار ودلالات تعبيرية وهي تمثل مشهدا جماليا جميلا للغاية يجمع بين التصوير والرؤية الفنية مع جماليات التنسيق بين المواقع والرموز الدلالية عبر التفاعل اللوني والتنوع الشكلي والتراكب البصري ليشرع من كل ذلك في كشف اللامرئي من خلال المرئي. وكأن المشهد داخل الحمام ومن حيث جماليته فيه إيقاظ لحالات ويلفت الإنتباه إلى مواقع الجمال فالمخرج يبعث الحياة في الجماد أساسا في تشكيلات ذات دلالات متعددة ولكنها تختزل رؤى أكثر امتداد في الأفق التعبيري والدلالي. كما قدمت الوجوه في هذا الفيلم في لقطة مكبرة يكون نصفها مضاءا والآخر مظلم وهي علامة دالة على شخصية متذبذبة في مواقفها وسلوكها تتراوح بين الماضي و المستقبل ومثلا يوسف سلطان في صفائح من ذهب ظهر في لقطات مكبرة تحيط به الظلمة من جميع جوانب الإطار وحتى وجهه لم يظهر منه إلا بعض التقاسيم ومشاهد التعذيب ظغت فيها الظلمة بشكل متعمد وهو علامة على الحالة التي يعيشها يوسف سلطان والواقع الحاضر للزمن الفيلمي. لم تكن غاية المنصف ذويب من تصوير فيلم حمام الذهب داخل الحمام تصويرا للجسد العاري بل تأكيد على الجانب الخرافي. الفكرة فيها رسالة الفن الذي يعمل من الداخل أو الموضوع ذاته في صورة الحقيقة دون بريق أو لمعان بطرق طبيعية وبتقديم نماذج بشرية حقيقية وكانت أدوار الممثلين واقعية وطبيعية من الحياة. كما أن الكاميرا تتحرك بحرية كبيرة وكأنها مخبأة
بحيث تظهر المناظر والوجوه البشرية والمساحات الحقيقية *
مما ضاعف من صدق الأحداث بتقديم الصورة والواقع مباشرة دون حبكات بنزاهة عالية فإذا هي الصدق والأمانة بجانب من الحرية فقد تناولها المخرج تناولا في دوافعه الفردية واتخذ من الفضاء داخل الحمام رموزا وتعابير شعبية وقصة حقيقية وبالتالي شكل هذا الفضاء ذاته منهجا لاقتباس الخرافة وتصور الفيلم بإيقاعه وبحضور عنصر النار كما ورد في المخيلة الشعبية والروايات البسيطة. سلمى بكار في توظيفها لعنصر النار كانت متأرجحة بين حبيبة مسيكة الشخصية العادية المعروفة والشخصية الأسطورية، متأرجحة بين السرد الفيلمي وبين الوقائع الحقيقية لحياة الفنانة التي ألهبت قلوب كل محبيها. طموحها كبير من خلال حبيبة مسيكة فهي تعطينا فكرة على فترة معينة عاشتها تونس ولكن في كثير من الأحيان أضاعت السبيل أما على المستوى الجمالي : النار في حبيبة مسيكة هي رمز وعنوان لرقصة قامت بها حبيبة مسيكة لكن وتيرة النار خامدة ولا تتماشى مع هذه الشخصية لأنها شخصية لا تؤمن بالأفكار المسبقة و الجاهزة وهي منعتقة
إلى أبعد الحدود.
هنالك مقابلة أساسية نلمحها: الفيلم هادئ جدا لكن الشخصية متماسكة ومارقة وثائرة على جميع المستويات: الشخصية متأججة في داخلها.
في مشهد رقصة النار تبدو الراقصة وكأنها جنية كهربائية تبحر بنا داخل عوالم من الإيهام. هذه الراقصة استغلت الإنارة الكهربائية ليس فقد كما لو كانت خلاقة للجو بل كرفيق أو شريك للرقص. إن هذا النموذج الجديد بحضور عنصر النار وماله من دور في التحولات البصرية والتأثير الشعوري والدرامي القوي قد جعل المتفرج يتأقلم معه وبالتالي أحدثت فيولار قلبا وثورة كبيرة في فن الفرجة فكانت تحوم وتجول فوق مربع من البلور من الأسفل منحوتة بحزم ضوئية منبعثة من عشرات قاذفات الأضواء الجانبية غارقة في أمواج من القماش الخفيف وهي متقلبة الألوان متغيرة متحولة تملأ الفضاء يمكن أن أضيف و ألخص بأن مشهد رقصة النار فيه جمع بين التكوين الإبداعي والتعبير فيها تزاوج بين الألوان في تمريراتها وهي مشحونة بحس عميق وحرارة دافقة بما يتأجج في العمق من تقديس للبعد الجمالي ولصورة النار ورغم أن كل مشهد من محمل لآخر يصاغ بطريقة معينة يختارها المخرج إلا أنه تتجمع عدة مواقع ولكن بصيغ متميزة و متنوعة فيها يجتمع الإبداع والتعبير وفي رقصة النار الكوريغراف خلق حركة الرقصة وهي رقصة تقديس للنار وطقوس عبادة النار إذ تجلب النار كل من يقترب منها ” نحس روحي كيف مالفراشة اللي تجلبها النار ومتنجمش تمنع روحها” فباحمرار المشهد مثلا تحمر الأشياء وسط شفق أحمر يجلجل الكائنات المحيطة به بنور يضيئ الصمت فتنعكس الأفكار فإذا المشهد يقول أكثر مما يقول ويوحي بأكثر من الذي نستكشفه فيه وكل منطلقات هذه المشاهد تبدو حالات وجدانية تعانق علامات تحركه أكثر وتتجسد في سعي المخرج لإضفاء حلل الجمال على عناصر التكوين التي تتآلف والفضاء والإبداع والصورة
الجمالية.
النار وظفتها سلمى بكار كأداة للمقاومة والتحدي، كما خيرت حكاية النار والموت في طرق رمزي أكثر منه واقعي وهذه الشخصية حبيبة مسيكة عاشت وجاهدت وعندما حرقت أصبحت معروفة بهذا الفعل: الموت يكون الطرق فيه ليس واقعي وأرادت المخرجة أن يكون التعاطف مع هذه الشخصية لحياتها وليس لموتها هنالك تأثيرات تبرز أكثر علاقة حبيبة مسيكة بالحياة وفقدانها لها أكثر من حرقها فالحرق يصبح مطهرا كما في الهند الروح تبقى موجودة
والجثة تندثر ومثل ذلك نلمحه في الرقص.
يمكن أن ألخص وأقول بأن الوقائع الفيلمية مهما كان اختلافها فهي تخضع لعدد من المقاربات اجتماعيا، تاريخيا، جماليا كما أن تفهم الأفلام
يجرى بطريقتين :
فإما أن نعتبرها ذات تفرد وإجمال للمعاني وهو ما نسميه بالتحليل النصي وإما أن نسعى لإبراز آليات لإنتاج المعنى وهذا يعني تحليل الخطاب السينمائي. والواقع أن المقياس الوحيد للتقييم و للتحليل هو إنتاجية النص الفيلمي فبتمركز المشاهد كمشاهد يتمكن من كشف دلالات جديدة وبهذا يكون التحليل عملية لإنتاج المعنى والمؤثرات وفي الجمع بين هذين العنصرين يكون التحليل تحليلا صحيحا ولهذا تكون القضية ليست قضية الصحة العلمية
ولكن قضية المقدرة على الإقناع.
كما أن كل تحليل فيلمي إضافة إلى كل العناصر المذكورة فهو في حاجة إلى التأويل هو بمثابت المحرك التخييلي والإبداعي: وفي هذا الصدد يقول أومون:
“قد يصبح التحليل الناجح هو التحليل الذي يتوصل إلى استخدام هذه الإمكانية التأويلية ولكن بإبقائها ضمن إطار قابل للتحقق قدر
الإمكان.”
في ختام هذا البحث، يتبيّن أن عنصر النار في السينما لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مكوّن بصري أو مؤثر درامي عابر، بل هو عنصر جمالي ودلالي مركزي يضطلع بدور أساسي في بناء الخطاب السينمائي وإنتاج المعنى. لقد كشفت المقاربة التحليلية المعتمدة أن النار تتحول داخل الصورة السينمائية إلى لغة قائمة بذاتها، لغة مشحونة بالرموز والإيحاأت، قادرة على التعبير عن حالات إنسانية ونفسية واجتماعية معقّدة، تتراوح بين الألم والتطهير، الثورة والانكسار، الحياة والموت. فهي عنصر يجمع بين النقيضين، ويمنح الصورة قوة تأثيرية عالية تتجاوز الوصف المباشر نحو أفق التأويل والتخييل.
أظهر التحليل كذلك أن توظيف النار يختلف باختلاف الرؤية الإخراجية والخلفية الفكرية والجمالية لكل مخرج، وهو ما يؤكد غياب دلالة ثابتة أو أزلية لهذا العنصر. فالنار عند النوري بوزيد تتخذ طابعاً حاداً ومتوترًا، مرتبطاً بالصراع الداخلي للشخصيات وبالعنف الرمزي والحرقة الوجودية، وتُدمج ضمن إيقاع بصري وسردي مكثف يجعلها جزأً عضوياً من بنية الفيلم. أما لدى المنصف ذويب، فتغلب على النار أبعادها الأسطورية والخرافية، حيث تتماهى مع الفضاء المغلق والإيقاع البطيء، لتصبح حاملة لذاكرة شعبية ومخيال جماعي يتقاطع فيه الواقعي بالمتخيل. في حين توظف سلمى بكار النار ضمن أفق رمزي وشاعري، مرتبط بالتحرر والمقاومة والاحتفاء بالحياة، لتتحول إلى علامة على التمرد والاختلاف، أكثر منها أداة للفناء أو الهدم.
كما بيّن هذا العمل أن تحليل الصورة السينمائية لا يكتمل دون الانفتاح على مختلف العلامات السمعية والبصرية المصاحبة لها، مثل الإضاءة، الألوان، الأصوات، الموسيقى، والفضاأت، إذ تتضافر جميعها لتشكيل نص فيلمي مركّب، تتجاوز دلالاته حدود الشكل نحو أبعاد اجتماعية وثقافية ونفسية أعمق. فالصورة السينمائية ليست انعكاساً محايداً للواقع، بل هي بناء ذاتي وإبداعي، يعكس رؤية المخرج ويعيد صياغة العالم وفق منظور جمالي خاص.
وعليه، يمكن القول إن دراسة عنصر النار داخل السينما تفتح آفاقاً واسعة لفهم آليات اشتغال الخطاب السينمائي، وتؤكد أن التحليل الفيلمي ليس بحثاً عن حقيقة واحدة نهائية، بل هو ممارسة تأويلية تهدف إلى إنتاج المعنى وإقناع المتلقي بوجاهة القراءة المقترحة. فغنى الصورة السينمائية وتعدّد مستوياتها الدلالية يجعلان من كل تحليل إضافة ممكنة إلى النص، ومن السينما فضاءً مفتوحاً للتفكير الجمالي والإنساني المتجدد.
—
المراجع العربية :
بازان، أندريه.
ما هي السينما؟
ترجمة: إبراهيم العريس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
أومون، جاك.
الصورة
ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت.
أومون، جاك، وبيرغالا، آلان، وماري، ميشال، وفيرنيه، مارك.
جماليات الفيلم
ترجمة: مجموعة مترجمين، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.
ميتز، كريستيان
——
(*) الكاتبة هدى بن عبد الرازق دكتوراه في الفنون البصرية برتبة استاذة مساعدة بالجامعة في التصميم .