مقدّمة
يُعدّ ديوان يمشي في العاصفة لأحد أبرز شعراء قصيدة النثر في مصر، الشاعر عزمي عبدالوهاب، علامة ناضجة داخل تجربته الشعرية، لما يتضمنه من مزج بين التجربة الذاتية والهمّ العام في إطار قصيدة نثر تتجاوز الشكل إلى التأثير الوجداني والمعرفي.
في هذا الديوان، يستدعي الشاعر العاصفة بوصفها رمزًا لحالة الوجود في عالمٍ مضطرب، تتشابك فيه الذات بالشؤون الثقافية والسياسية والاجتماعية، بينما يحاول النص تشييد بنية لغوية تُعبر عن هذا الاضطراب الداخلي والوجودي في آنٍ واحد.
ينطلق هذا التحليل من فرضية مفادها أن قصيدة النثر لدى عبدالوهاب ليست خيارًا شكليًا فحسب، بل موقفًا وجوديًا ولغويًا يعكس رؤية الشاعر المُتأملة الحالمة الهادئة، بما يعطي النص مَوْقِعًا بين الأدب الوجداني والفلسفي.
القسم الأول: بنية الديوان وأبعاده
1. أقسام الديوان وبنيته العامة
يتكوّن الديوان من أربعة أبواب رئيسية هي:
لرجل حمل البحر على كتفيه
سأحكي لك كثيرًا
يمشي في العاصفة
اتركيه لحاله… يا حنين
ويظهر من تقسيمه أن الشاعر يعمل بترتيب متدرّج في الدلالة: من الذات المتكيفة حملًا للماء الثقيل إلى تفاعلها الوجودي مع الآخر والذكريات وصولًا إلى الانعكاس على تعلقاته الإنسانية الخاصة والعامة.
2. المزج بين الشكل والمضمون
فإن الديوان يوازن بين القصيدة الطويلة ذات السرد الشعري والقصائد المقطعية المكثفة المتمايزة بأسلوب قصيدة النثر، ما يجعل العمل نصًّا شعريًا متعدد الوتائر والأنماط، يجمع بين اللخّص الموسيقي والحركة السردية التي تمدّ النص بمساحة رؤية أوسع.
القسم الثاني: الذات الشاعرة والوجود
1. الذات المأزومة والاغتراب
يقدّم الديوان ذاتًا مأزوَمة وموزَّعة في آن، تستشعر الوحدة والخيبة والإحباط، وتمر بقناعات وجودية حول العدم والاستمرار.
إن هذه الذات تبدو “رجلًا يحمل البحر على كتفيه ثم يمشي وحده في العاصفة”، في إشارة إلى كونها ذاتًا موزَّعة بين حمل ثقيل وواقعٍ لا يرحم.
يتجسد الاغتراب هنا ليس فقط كعلاقة ذاتية مع الآخر، بل كشرط وجودي يتداخل فيه السياق الاجتماعي بالعمق النفسي، إذ يفتح النص المجال لقراءة الذات داخل أفقين مجتمعين: الذكري والوجودي.
2. الآخر والمرأة
يُعد مخاطَبُ النص ـ غالبًا رمز المرأة أو كيانًا إنسانيًا آخر ـ امتدادًا للذات نفسها في توتر دائم.
هذا الأخير لا يؤدي دور الملاذ بل يمثل مرآة لانعكاس الذات وتأملها في العالم.
إنه ليس فقط حبيبًا أو مخاطبًا إنسانيًا، بل واجهة وجودية لنفسٍ تبحث عن حضورها وسط الضياع.
القسم الثالث: اللغة والأسلوب
1. الجملة الشعرية
يعتمد الديوان على الجملة القصيرة والخطابية، وقد وصف النقد هذه البنية بأنها تنتج حالة من الحميمية الوجودية والتوتر النفسي الذي يخلق تواصلاً مباشرًا مع القارئ.
تنتفي الزخرفة البلاغية لصالح اللغة اليومية المكثفة التي تشكّل النص من الداخل.
2. الإيقاع الداخلي والفراغ
يميل النص إلى إيقاع داخلي ينبثق من الصياغة نفسها، وهو إيقاع ينبع من تكرار المفردات، والتوازي الدلالي، والقطع المفاجئ للجملة. الفراغات في القصيدة — سواء داخل السطور أو بين النصوص — لا تمثل فقط ما هو غير مذكور، بل تصبح عنصرًا دلاليًا مُعبرًا عن الصمت واللايكفي.
القسم الرابع: الدلالات الاجتماعية والسياسية
من الملاحظ أن عبدالوهاب يمزج في ديوانه بين الهمّ الذاتي والهمّ العام؛ ففي نصوص مثل «سأحكي عن الثورة التي سرقت من ميدان التحرير»، تعكس القصيدة وعيًا بملامح التحولات الكبرى في المجتمع المصري المعاصر، وتستخدم الثورة كصورة رمزية لما يحدث من هزائم وانكسارات في سياق التجربة الإنسانية العامة.
هنا تتقاطع الذات الوجودية مع الهموم الجماعية، في تحوّل النص من الحالة الذاتية إلى حالة إنسانية متجاوزة للحدود الشخصية، وتؤكد أن قصيدة النثر ليست انعزالًا عن الواقع بل وحدة تأمل وتحسس لما حولها من أحداث.
القسم الخامس: قراءة نقدية مركّزة
1. الوجودية مقابل الشكل
لا يكتفي الديوان بنقل حالة نفسية فردية؛ بل يحوّلها إلى عمل وجودي يتأمل حالة الإنسان في زمن الاضطراب. يرى بعض النقاد أن النص لا يحكي عن الانتصار، بل عن الاستمرار رغم اللااستقرار، وأن عنوان الديوان نفسه يعبر عن فعل وجودي بطيء ومقاوم، وليس عن صراع بطولي تقليدي.
2. التماهي بين الذات والآخر
تحتل العلاقة مع المخاطب دورًا مركزيًا في تشكيل معنى النص، ففي نصوص مثل «سأحكي لك كثيرًا» تتحول الذات إلى راوي ومؤرخ للذاكرة المشتركة، بينما في نصوص مثل «اتركيه لحاله… يا حنين» تصبح العلاقة مرآة للاشتياق والفراغ.
خاتمة رؤيتي النقدية:
يمكن اختتام القراءة النقدية بأن يمشي في العاصفة يقدم نموذجًا قويًا لقصيدة النثر التي تفتح أبوابًا للوجود والعلاقة واللغة في آن واحد، وتحوّل الهمّ الذاتي إلى قضية إنسانية عامة، وتعكس رؤية شعرية متكاملة تجعل من النص فضاءً وجوديًا لغويًا يفهم الذات في علاقتها بالعالم، لا بوصفها تجربة فردية منعزلة.
المراجع :
مصادر نقدية متاحة على الإنترنت:
عزمي عبدالوهاب: ديوان يمشي في العاصفة يعكس علاقة قصيدة النثر بالقضايا الكبرى — بوابة الأهرام (نص ومقتطفات من القصائد).
ندوة نقدية حول الديوان بمشاركة يسري عبد الله ومحمود قرني — البوابة نيوز / صوت الإمارات (تحليل نقدي لغوياً ولوجودياً).
البوابة نيوز
موقع الكتابة الثقافي: قراءة في نصوص يمشي في العاصفة (نظرة تحليلية مختلفة على العلاقات والحب).
موقع الكتابة الثقافي
مصادر نقدية أوسع عن قصيدة النثر والأسلوب:
الرباعي: أدونيس، صلاح فضل، عبدالعزيز المقالح، كمال أبو ديب (مراجع نظرية في نقد الشعر وقراءة النصوص) — تستخدم كدعم مفاهيمي.