نزَلَ من سيارته، ركَنَها عشوائيا أمام المنزل، لم يعرف كيف وصلَ، فالكأسُ التِي تُسكِرُ الناَسَ، وتَحمِلُهُم على الهذيان كانت وحدها القادرَة على تهدِئَتِه؛ تُثْقِلُ رأسَهُ ولسانه وتُضَبِّبُ جَفْنَيْهِ. لقد قاوم النُّعاسَ طيلة الطريق، أبقى على زجاج النافذة مُشرَعاً، غَيْرَ منزعِجٍ من قطراتِ المطر التي تسوقها الريحُ إليه، فتُنْدِي لِحيَتَهُ وشارِبَهُ، كان كل شيء يتحركُ في تلك الليلة الماطرة؛ الخطوط البيضاء، الأشجار والأضواءُ، لكنهُ كَبُرَ على التدقيق في باقِي التفاصيل..
لم يُغَنِّي بصوته المزعج مع صباح فخري الذي يردد: “إن تجودي فصليني….إسوةً بالعاشقين” ولا يُدَندنُ مع الموسيقى كما يفعل المخمورون عادة… اكتفى بالصمت والتركيز مع الطريق…
طرق باب المنزل واتكأ عليه منتظرا أن يفتحوا له الباب، فكر في طرقه مرة أخرى بَيْدَ أنهُ لا يُريدُ أن يوقِضَ كُلَّ أفراد الأسرة، مرت ربع ساعة وهو على تلك الحال، متكئٌ على الباب، والماءُ يَقْطُرُ من شعرِهِ، وطنينُ السيارةِ والطريق وصوتُ صباح فخري يتردد في أُذُنِه، وفي لحظَةِ إدراكٍ، تذكر أنهُ يعيش بمفرده، وأنَّ لا أحد ينتظره، حتى القطة التي تحرسُ الحديقة، أمسكت عن المُواء، لأنها رُبَّما تغُطُّ في نومٍ عميق مع صغارها…
فتَّشَ عن المفتاح في جيوب معطفِهِ، لم يجدهُ كالعادة؛ ذاك المفتاح اللعين والمُشاكس يُتْقِنُ لعِبَ الغُمَّيْضَة، عاد إلى السيارة، فتحها، أخذ يبحثُ عن المفتاحِ، استند على الكرسي ليُمهلَ نفسه لحظَةً عساهُ يتذكر فيها أين وضعه، لكنَّ الخدَرَ غَلَبَهُ فنام…
أيقَظَهُ نباحُ كلبٍ أرعَبَتْهُ حشرجةُ المُهَلِّلِ قُبَيْلَ الفجر، عاود تفتيش نفسِهِ، تفَقَّدَ جيوب سرواله، فإذا بيده تُلامِسُ المفتاحَ، سارَ ناحية الباب، فتَحَهُ بصعوبةٍ، دَلفَ إلى غُرْفَتِه، استبدل ملابِسَهُ، كادَ يسقُطُ على فراشه كجلمود صخْرٍ لو أنهُ لم يَلْمَحْ حركةً طفيفةً أسفَلَ الغِطاءِ المُلْقى على فِراشِهِ، رَفَعَ الغِطاءَ بِحَذَرٍ فإذا بهِ يرى القِطة تأوي صغارها وتحضنهم في فراشِهِ…
نظرت إليه القطةُ بتوَسُّلٍ، ونظَرَ إليها بعيونٍ ذابلَةٍ ومُتْعَبَة، رَدَّ الغِطاءَ وحمِلَ إزاراً واضطجعَ في الصالون وصوتُ صباح فخري مازال يتردد كاللعنةِ في أُذُنِه ” إن تجودي فَصِلِيني…..إسوةً بالعاشقين” …