يتميّز كتاب الدكتور محمد الكاظم (كتاب العراقنامة..) والمجنّس (قصص) بنزوعه صوب الاختلاف والمغايرة، ففي عنوانه ثمة ما يشي بالجديد والمختلف لندرة استخدام كلمة (نامة = الكتاب) على الصعيد المحلي، والاختلاف نهج لكل مبدع يريد نقش بصمته الخاصة في ميدان الإبداع، ومع هذا فإن العنوان ليس جديداً تماماً، إذ يتعالق تناصيّاً مع عناوين كتب فارسية معروفة وذات شهرة عالمية مثل كتاب (الشاهنامة للفردوسي ت 1220م) وكتاب (سفر نامة لناصر خسرو ت1081م) وعشرات المؤلفات الفارسية قديماً وحديثاً، بالإضافة إلى كتاب لمؤلفٍ عراقي بعنوان (كركوك نامة) لكن كتاب العراقنامة هو الأول على مستوى العنوان في مجال السرد عراقياً.
وبعيداً عن جدّة العنوان وهو أمر يتساوق مع تميّز السرد واختلافه عن السائد، نلاحظ إن المؤلف كرر كلمة كتاب باللغتين، العربية والفارسية (كتاب / نامة) ولا شك أن له مبرراته بتكراره، وربما ابتغى التأكيد على عراقية الكتاب وعراقية الوطن بأكثر من لغة، وربما من زاوية نظر أخرى تضمن هذا التكرار باللغة الفارسية تلميحاً سياسيا عن العراق الحالي بعد 2003 وتأثيرات الجوار الإقليمي عليه!
ولا أتوقف كثيراً هنا، فقط أشير إلى أن العنوان أطول مما ذكرت ونصه الكامل (كتاب العراقنامة وبذيله مدونات الفرقة الناجية).
ونفهم من هذا إن الكتاب من قسمين (كتاب ومدونات) لكن المتن والفهرست يقولان العكس، ثمة مدونة واحدة ل (وحيدة المتروك) وخمسة كتب. وقد يكون المقصود إن كل ما جاء بعد كتاب العراقنامة هو (مدونات الفرقة الناجية). وعند هذا التذييل نتوقف قليلاً مع عبارة (الفرقة الناجية) وهي جملة ضمن حديث كثير التداول بين المسلمين، بعنوان حديث الفرقة الناجية، وأغلبهم يعتقد أنه من الفرقة الناجية والآخرون إلى هلاك.
هذه الجملة قد تكون حيناً طريقاً إلى مراقي الخير والإصلاح، وأحيانا ترتكب باسمها مذابح دامية ومرعبة كما جرى عبر التاريخ، وفي العراق، وليس حاضرنا الحالي في سوريا والسودان ببعيد!
ولكنني استثمر الفرصة وأذكّر من يسيئون فهم العبارة ويكفّرون الآخرين من دون تفقه وعلم وإنسانية، بالمعنى الجليل للآية الكريمة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ/ المائدة 69). ولا أتوسع أكثر فاللبيب تكفيه الإشارة.
لكن معنى الفرقة الناجية في كتاب العراقنامة يأخذ بعداً انزياحياً مختلفاً عمّا ذكرت، ويشير إلى أولئك الناس الذين نجوا من أعمال القتل والإرهاب التكفيري والتفجيرات التي ارتكبت في العراق زوراً باسم الدين والطائفة والوطن.
تخبرنا توطئة الكتاب أو مفتتحه في (ص4) بأن جماعة صغيرة هامشية تعتبر نفسها فرقة ناجية بالصدفة وأنها قررت تدوين ما حدث لها كي لا تتلف عقولهم!
وتمثل هذه التوطئة مختصراً مفيداً يكشف لنا عن غاية الكتاب وثيمته الأساس معاً.
في القسم الأول من هذا الكتاب وهو يحمل العنوان الرئيس ذاته (كتاب العراقنامة) يمكننا الحديث عن نظرية (القبض والبسط) التي كان لها منحى في التراث الصوفي الإسلامي وأساس قرآني، وعندهم إن القبض هو ضيق الصدر وانقباض القلب وعكسه البسط والانبساط، والمسار أو المنحى الآخر معاصر قال به المفكر الإيراني عبد الكريم سروش وتعرض فيه لنقد ما يراه جموداً فقهياً وفكرياً وهو” القبض” ويقصد به جمود الفكر وتحجره وعدم قدرته على التعاطي مع المتغيرات، وبعكسه ” البسط” ويعني اتساع الأفق الفكري ومساحات البحث والتأويل. وقد انتقده وتصدى له ولنظريته هذه فقهاء مشاهير.
وبعد هذه المقدمة المقتضبة أرى كقارئ إن كتاب العراقنامة اتخذ شكلاً فنيّاً مماثلاً لبعضٍ من المؤلفات السابقة ومنها كتاب (الكتاب) لأدونيس الذي يتكون من متن شعري مكثف، وهامش تاريخي شارح وموسع. وقد عمد محمد الكاظم إلى تقديم سرديته بين قبض النص وتكثيفه وحصره في مستطيلات داخل مساحة الصفحة، وبين التوسع في بيانه ” البسط ” في حواشي الصفحة المحيطة بالمستطيل، وبين مساري التكثيف والتوسّع، يقدم مادته السردية المشبعة بطاقات التأويل وجواذب القراءة.
وغير القسم الأول ثمة خمسة أقسام أخرى لكل منها خصوصيته ومادته السردية المستقلة التي تخصص كل قسم منها بحقبة من تاريخ العراق؛ لذلك أرى إن توصيف كتاب محمد الكاظم ب (الكتاب القصصي) وفقاً لمحتواه ومبانيه أقرب للدقة من تجنيسه ب (قصص)، وأعني بهذا التجنيس إن الكتاب القصصي يمثل منطقة وسطى بين المجموعة القصصية وبين الرواية، أو يمثلُ جنساً مستقلا ومختلفا عنهما بالكامل. تضم المجاميع القصصية غالبا قصصا متفرقات لا جامع بينها وكل منها مستقل بذاته، بينما تمثل الرواية كتلة سرد واحدة لا تصح تجزئتها ولا تغيير ترتيبها.
أما الكتاب القصصي فيتميّز وفقاً لتنظيراتي التي ذكرتها في كتابي (القراءة تحت الحمراء) بإن كل نص فيه كيان قائم بذاته، ويمكن نشره وقراءته مستقلاً وبمعنى وثيمة سردية تامة، وفي الوقت ذاته فإن نصوصه حين اجتماعها تقدم كلّاً جديداً مغايراً للنصوص المكونة للكتاب ككل.
في المدونة المعنونة ب (مقاطع عرضية لذاكرة مستطيلة) يعرض بتوسع أحياناً وبإيجاز غالباً لمشاهد عراقية بامتياز أيام أندفع التكفيريون لارتكاب مذابح بحق العراقيين وكان الضحايا من مختلف شرائح المجتمع وان كانت الاستهدافات تخص أطيافاً محددة، يعرضها وهو يعلن رفضه لما ينشره العديد من الكتاب العراقيين عدا أحدهم الذي كرس رواية كاملة لموضوعة التفجيرات، وهو بموقفه ذاك يساير مضمون تلك الرواية، ويشير لتفجير استهدف رهط من نسوة يرسمن علامة الصليب ويتجهن للكنيسة. وفي مقطع (أبواب الجحيم السبعة) يقدم أسبوعا عراقياً دموياً. وهكذا في مقطع ( بغداد- فرانكفورت) الغريب بخياله تتكرر قصة دموية أخرى من قصص المأساة العراقية لأب يتسبب كما يظن ان نسيانه مفتاح سيارته كان سببا بمقتل ولده الوحيد بالتفجير الإرهابي.
وعلى هذا المنوال مع تنويعات بالشكل الفني ومساحات العرض وأساليب السرد تتوزع سرديات العراقنامة على مساحة الكتاب لتقدم من حيث المضمون صورة وافية للمأساة العراقية في نصف قرن، ومن جهة الشكل الفني نرى الابتكار واضحاً يمازج بين الاشكال التراثية والحداثوية، وتتنوع أساليب السرد بين التبسيط والوضوح وبين التراكب اللفظي والتلميح، لنجد عبر هذه النصوص السردية كلاً متكاملاً في الشكل والمحتوى يسجل للدكتور القاص والروائي محمد الكاظم بصمة جديدة ونزوع تجريبي جاد أرجو له النجاح والتميّز.