هناك كتبٌ لا نعثر عليها، بل تعثر هي علينا. تأتي من حيث لا نتوقّع، كأنها رسائل مختومة بختم القدَر. وديوان «نواقيس الكلدان» (دار أزمنة للنشر، عمّان – 2007) كان واحدًا من تلك الهدايا الخفيّة التي لا يقدّمها البحث، بل تسلّمها المصادفة بيدها الرفيقة. حين وقعتُ عليه للمرة الأولى لم أكن أعرف لمن هو، ولم يخطر في بالي أنّ هذا الصوت المشبع بالأسطورة والملح والنار والجسد هو صوت صديقٍ عتيق، زميل الدراسة الثانوية في البصرة قبل أكثر من خمسةٍ وخمسين عامًا.
وللحظة شعرتُ أن الماضي، بكل بساطته ومرح جسارته، انفتح بين الصفحات، وأنّ الصوت الذي يرنّ الآن في القصائد هو ذاته الذي كان يرنّ في صبانا الأولى، قبل أن يحمل كلّ منا حياته ويرحل نحو زمن مختلف. وهكذا صار الديوان بالنسبة إليّ ليس اكتشافًا شعريًا فحسب، بل عودة شخصية، ولقاءً غير معلن بين زمنين: زمن الصداقة الأولى، وزمن الشعر الذي يبدأ حين تبتعد الحياة بما يكفي ليتحوّل الماضي إلى ضوء.
منذ اللحظة الأولى، وقبل أن تبدأ القصائد نفسها، يعرض الشاعر أمام قارئه مفتاحًا روحيًا دالًا في العتبة التي استهلّ بها الديوان؛ اقتباس لبانايت إسترّاتي يقول فيه:
«لقدْ منحَنا الربُّ رئتين كي ننفخ في المزامير».
وليس هذا الاقتباس من صوت الشاعر، بل من نبرة يريد أن يستعيرها كضوء يوضع عند مدخل الكتاب؛ كأنّه يقول للقارئ إن الدخول إلى «نواقيس الكلدان» لن يكون عبر اللغة وحدها، بل عبر النفس، والنبضة، والهواء الذي يصنع الموسيقى قبل الكلمات. إنها عتبة تُشعل حسًّا طقسيًا، وتدلّ على أن القصيدة المقبلة ليست زخرفة ولا تزيينًا، بل نفخٌ في روحٍ ستستيقظ بعد قليل.
يأتي ديوان «نواقيس الكلدان» لوليد هرمز كأنه كتاب أعيد العثور عليه في قبو معبدٍ قديم؛ كتابٌ يُشمّ قبل أن يُقرأ، وتُلمس صفحاته قبل أن تُفسَّر كأنها ألواح طينية لا زالت تحتفظ بحرارة الكفّ الأولى التي عجنتها. هذا ليس ديوانًا يُفتح كأيّ كتاب؛ إنّه ينفتح كما ينفتح باب حجريّ على طقوس، على بخور، على جسدٍ يتوهّج، وعلى صوتٍ يرنّ في عمق الذاكرة الرافدينية. ولأن النصّ شاعرٌ قبل أن يكون قولًا، يقدّم وليد هرمز شعرًا لا يقوم على البلاغة بل على الطقس، ولا على الوصف بل على الانخطاف، ولا على التخييل فحسب بل على إعادة إحياء إرثٍ دفينٍ في جسد القصيدة.
النبرة الكلدانية، والرافدينية، والمسيحية ليست أقنعة ثقافية يلبسها الشاعر، بل دمًا يتدفّق في جسد النص. فالقصيدة تعمل دائمًا بين قطبين: الجسد بوصفه معبدًا، والمعبد بوصفه جسدًا. في هذا التبادل تتخلق البلاغة، وتتشكل روائح الملح والزيت والزعفران:
«جرحي، قسْوَة صُبَّارٍ.
رُشِّي مِلحَكِ على جَسَدي،
كي تحْمِني،
من الخطيئة المقدَّسةِ».
وهو مقطع لا يتعامل مع الجرح كواقعة، بل كتجلٍّ من طقوس التعميد، حيث يلتقي الألم بالبركة، ويصير الملح لاهوتًا.
يتوزّع الديوان على سبع ترنيمات؛ سبع ليست تقسيمًا شكليًا، بل سبع درجات من الكشف. سبع سماوات، سبع نواقيس، سبع هزّات. القارئ لا ينتقل بين قصائد، بل يعبر بين عتبات، كما لو أنه يتبع أثر كاهن يرفع مصباحًا في دهليز حجري، أو أثر امرأة تتوضأ بشهواتها.
وحضور المرأة في الديوان ليس حضور المعشوقة، بل حضور الأيقونة؛ هي «أميرة المدائح»، «سليلَة القلعة»، «رسولة الكِلد»، و«عين النبوّة»، وصاحبة الجسد الذي لا يُلمس إلا بشبه صلاة. يقول الشاعر:
«مَنْ يُلملمكِ مِنْ بَعيدٍ؟
مَنْ ينثرُكِ في يَقينِ روحي،
مَنْ؟»
وهذا السؤال ليس سؤال عاشق، بل سؤال كائنٍ يخشى أن يفقد العلامة التي تهديه إلى نفسه.
المرأة هنا ليست موضوعًا للجسد وحده، بل هي الجسد العائد إلى أصله الأعمق، إلى الطين الأول. والقصائد تعود إلى هذا الأصل بأكثر بدائيةٍ ونعومة:
«أنا زَهْرةُ تينٍ عَطِرةٍ. ..
الشَّيْطان في جَسَدي،
وتاجُ الشَّوكِ مِنكَ،
تبتهلُ بهِ أنوثتي».
يتجلّى توترٌ جميل بين المقدّس والمدّنس: فالجسد يحمل الشيطان مثلما يحمل البشارة، وتاج الشوك – رمز الألم المسيحي – يصبح جزءًا من زينة الإيروتيك المقدسة. إنها لعبةٌ خطرة، لكنها جوهر الشعر العظيم: الجمع بين النقيضين في لحظة توهّج واحدة.
تاريخ الرافدين حاضر في الديوان: أور، أربيل، العمادية، بعلبك، مادبا، ماخيروس… ليست جغرافيا، بل شهودًا. يقول:
«إربِل، دَوسر… حلب، بعلبك، أيلة…
تُدونُ أسْماءَها، تَبْلغُ البِحَارَ».
فهو لا يسرد هذه الأماكن، بل يستدعيها من ذاكرته العميقة، كأنها تحرس القصيدة.
ويمتاز الديوان بتعدّد تناصّاته الحضارية: الرافديني، السومري، المسيحي، الهيليني، اللاتيني. يقول الشاعر:
«أنا الأعْمى،
دليلي، أنينُ غانية أور
ودليل ارتجاج معابد دَيبون
وصخور ماعين،
وغزليات أوفيد،
وسافو،
وشمخة التي علّمت أنكيدو».
هكذا يبدو الشاعر واقفًا على مفترق قرون، لا مفترق طرق.
وشعور العطش الداخلي يتكرّر في الديوان:
«عَطشانةٌ أنا، لِسَماع سِرِّ مُجون الكِلْد ـ أسلافِ الغواية».
إنه عطش لا يرويه جسدٌ ولا نبيذ؛ إنه عطش المعرفة الحسيّة، المعرفة التي تختمر في الجسد كما يختمر الخبز، وتترك فيه أثرًا من القداسة والضياع.
أما العمى، فهو ليس فقدانًا، بل كشف:
«أنا الأعْمى،
مِداديَ، خُلاصةُ المَرارَة…
لونُ الغياب، لونُ الحِكْمة،
الأبيضُ، لونُ الغياب…».
الأبيض هنا ليس نقاء بل عمى، يبتلع الأشياء ليعيد تكوينها بالبصيرة لا بالبصر.
وتبلغ الطقسية ذروتها في مشهد القُبلات السبع:
«قُبلَةٌ أولى على جَبينِها…
قُبلةٌ ثانيةٌ على ثغرها، بزيتِ البَلّوطِ…
قُبلةٌ ثالِثةٌ على نهديها، بزيتِ الإترَنْج…
قبلةٌ سادسةٌ على سُرَّتها، بزيتِ الحَسَكِ…
قبلةٌ سَابعةٌ على حِرِّها، بزيتِ البَلَسانِ».
قبَل لا تعانق الجسد فقط، بل تمسحه بالزيوت، وتحوّله إلى مذبح، وتحوّل الشاعر إلى كاهن.
وفي الترنيمة السابعة:
«هِرْمس، يا أبَ أبي…
حاملَ إبريق الكَسيس…
اِدعو لِمَعْشوقتي البَركة».
هنا يكتمل البناء، ويعود الشاعر إلى السلف الحامي، إلى المعلم الأول.
لغة الديوان مكتنزة، مشحونة، لكنها موسيقية. فالسطر الشعري عند هرمز يشبه نبضة: غير منتظم، لكنه حيّ وصادق. يشبه الحبّ حين يكون خامًا، والصلوات حين تكون صادقة، والدموع حين تنزل بلا خطاب.
وهكذا، لا يبدو «نواقيس الكلدان» ديوان غزل أو أسطورة فحسب، بل لقاء بين الجسد والروح، بين الماضي والطقس، بين النبوة والغواية. عمل يجرؤ على تحويل الجسد إلى مذبح، والقبلة إلى سرّ، واللغة إلى بخور. ديوان يشبه ناقوسًا كلدانيًا قديمًا: لا نكتفي بسماع رنينه، بل نشعر باليد التي قرعته، وبالروح التي أرادت أن توقظ ما خفته في الداخل.
—
* رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُقيم في عمّان، الأردن.