شهدت الحياة الدنيا نماذج عظيمة قهرت المعوقات وسلكت طريق الإرادة والنجاح ولكن نتوقف مع بعضهم ليكونوا القدوة والمثل الطيب لأولي الألباب .
في البداية نتوقف مع الشيخ على محمود وهو من مواليد عام 1880م في درب الحجازى بالجمالية القريب من المشهد الحسينى لأسرة ميسورة حرصت على التحاقه بكتاب مسجد أم الغلام نظراً لكف بصره فى سن الخامسة وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أبو هاشم الشبراوى وتعلم التجويد على يد الشيخ مبروك حسنين ولم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وعلى يد عبده الحامولى تعلم أصول الغناء وعلى يد على المغربى تعلم المقامات وعلى يد الشيخ عبد الرحيم المسلوب حفظ العديد من الموشحات الدينية .
عرف الناس الشيخ على محمود من خلال مسجد الإمام الحسين رضى الله عنه حيث كان يؤذن للصلاة بصوت جميل بالإضافة إلى مشاركته فى الأمسية التى كان يقيمها الشيخ أحمد ندا أحد رواد التلاوة ووالد المطربة شريفة فاضل وأمسية الموسيقار أمين مهدى.
انضم الشيخ على محمود إلى بطانة الشيخ زكريا أحمد وطه الفشنى ومحمد الفيومى وعندما أنشئت رابطة القرآن الكريم فى عام 1926م تولى رئاستها .
يعد الشيخ على محمود مؤسس فن الإنشاد فى الربع الأول من القرن العشرين ورائداً من رواد فن الإنشاد الدينى ومن أعظم المنشدين والملحنين للقصائد والمدائح والتواشيح الدينية .
التاريخ يذكر أن الشيخ على محمود عندما غادر منزل والده بدرب الحجازى ليقيم بشارع الباب الأخضر كان يصعد إلى المنارة القديمة بمسجد الإمام الحسين رضى الله عنه ليؤذن للصلوات الخمس وعند قدومه إلى ساحة الميدان كان يخلع نعليه تأدباً وإجلالاً للمكان .
الشيخ على محمود بذل كل ثروته فى مساعدة الفقراء والمحتاجين وشباب المقرئين والمنشدين والعازفين ويوم 21 ديسمبر عام 1942م انتقل الشيخ على محمود إلى الدار الآخرة .
ننتقل إلى الشيخ محمد رفعت وهو من مواليد يوم 9 مايو عام 1882م في درب الاغاوات بمنطقة المغربلين بالقاهرة ووالده كان مأموراً لقسم شرطة الخليفة والشيخ محمد فى طفولته بمرض الرمد وفقد بصره وهو ابن عامين وعندما أتم عمر 5 سنوات كان والده قد حفظه ثلث القرآن ثم ألحقه والده بكتاب بشتك الملحق بجامع مصطفى فاضل باشا بمنطقة درب الجماميز في حي السيدة زينب ليكمل حفظ القرآن الكريم الذى بدأه مع الشيخ محمد البغدادى وبالفعل حفظ القرآن الكريم وتعلم أصول وقواعد الموسيقى وحفظ العديد من الموشحات والأدوار والقصائد الدينية وفي التاسعة من عمره توفى والده محمود رفعت ليجد نفسه مسئولا عن الأسرة المكونة من 5 أفراد أمه وخالته وأخوة وأخته بالإضافة إليه .
بعد وفاة والده بدأ يقرأ القرآن الكريم فى سرادقات المآتم وعندما بلغ الخامسة عشرة من عمره تم تعيينه قارئاً للقرآن الكريم لمسجد مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز بحى السيدة زينب رضى الله عنها وكان المسجد يزدحم بالمصلين كل يوم جمعة للاستماع إليه وحرص النحاس باشا والملك فاروق على سماعه .
تزوج الشيخ محمد رفعت في سن صغيرة وأنجب ثلاثة أولاد وبنت وأنجبوا له 16 حفيدا وقد ذكر حسين ابن الأصغر للشيخ محمد رفعت : أنه كان يأخذ والده إلى المسجد وبمجرد دخوله إذا بصفوف الحضور تنشق فى تناسق بديع ويصل الشيخ محمد رفعت إلى الصف الأول فى ثوان معدودة وبعد التلاوة يلتف حوله عشاقه ويصافحونه ومنهم من يقبل يده وذات مرة قبل يده رجل رث الثياب وشكله غير مألوف فهمست فى أذن والدى وقلت له : هذا الرجل .. كيف يقبل يدك وأنت تقبل يده وهو غير نظيف؟ فقال : هذا الرجل قد يكون عند الله تعالى أفضل من أبيك .
تلقى الشيخ محمد رفعت عروضا كثيرة ليقرأ القرآن في مساجد أكبر وأكثر شهرة من مسجد فاضل باشا مثل مسجد الحسين ومسجد السيدة زينب ولكنه رفض ترد المسجد الذي تعلم فيه وكان محبو الشيخ محمد رفعت يجلسون خارج المسجد بعد امتلاء ساحته وكان الترماي رقم 5 يمر من أمام المسجد أثناء الصلاة وفي كل مرة كان يشير الكمسري للسائق ليتوقف رغم عدم وجود ركاب أو محطة رسمية للوقوف وذلك ليستمتع فقط بصوت الشيخ محمد رفعت والغريب أن الكمسري كان قبطيا .
مسجد مصطفى فاضل باشا يضم شرفة علوية كبيرة وكان يجلس بها الأجانب لاستماع صوت الشيخ محمد رفعت الذي ملك قلوبهم وعقولهم وكان صوته سبباً فى دخول الكثير منهم إلى الدين الإسلامى .
قام البرنس محمد علي أحد أمراء العائلة المالكة في مصر وقتئذ بترشيح الشيخ محمد رفعت إلى افتتاح الإذاعة المصرية وفى أواخر شهر مايو عام 1934م افتتحت الإذاعة المصرية بصوت الشيخ محمد رفعت وقرأ سورة الفتح وفى يوم الجمعة السابع من شهر ديسمبر تعاقدت معه الإذاعة لقراءة القرآن الكريم على الهواء مباشرة وفى الخامس من شهر يناير عام 1935م أبرمت عقدا آخر معه يقضى بقراءته مرتين يوميا على الهواء فيما عدا يوم الأحد وكان يقرأ القراءة الأولى من الساعة التاسعة وحتى العاشرة إلا الربع مساءً والثانية من الساعة العاشرة والنصف وحتى الحادية عشرة والربع مساءً وكان يتقاضى على القراءة الواحدة 3 جنيهات وفى ذلك الوقت هاج البعض بدعوى أن قراءة القرآن الكريم بالإذاعة بدعة فأصدر شيخ الأزهر الأحمدى الظواهرى فتوى مفادها أن قراءة القرآن الكريم فى الإذاعة ليست محرمة أو مكروهة .
اعتاد الشيخ علي محمود أحد أكبر قراء القرآن وأداء التواشيح على الجلوس لسماع الشيخ محمد رفعت وما إن يبدأ الشيخ رفعت في الاندماج مع القراءة حتى يجهش الشيح علي محمود في البكاء .
الشيخ محمد رفعت عشق مصر ولذلك لم يغادرها ولم يستجب للدعوات الكثيرة التى وصلته من الدول العربية والأجنبية وفي هذا الصدد أذكر أن المهراجا الهندي حيدر باشا أباد طلب من الشيخ محمد رفعت أن يسافر إلى الهند لإحياء ليالي شهر رمضان فرفض وأعتقد المهراجا الهندي أن رفض الشيح محمد رفعت لضعف المقابل المادي فقرر زيادة الأجر إلى 100 جنيه في الليلة الواحدة وهو مبلغ خيالي في تلك الفترة فرفض الشيخ محمد رفعت وقال : ( أنا لاأبحث عن المال أبدا فإن الدنيا كلها عرض زائل )
تجاوزت شهرته المحلية إلى العالمية حيث حرصت إذاعات لندن وباريس وبرلين على إذاعة تسجيلاته أثناء الحرب العالمية الثانية لجذب أسماع المستمعين وذات مرة كان الشيخ محمد رفعت يقرأ القرآن فى سرادق عابدين وبعد أن انتهى من القراءة أمر الملك فاروق بإعطاء الشيخ بعض المال ولكنه رفض وقال للملك فاروق : أنا أقرأ القرآن الكريم لله تعالى .
ذات يوم دعىّ لإحياء مأتم وأراد أهل المتوفى إكرامه فقاموا فى نهاية الليلة بمنحه جنيها ذهبيا وبعد أن وصل إلى منزله إذا بطارق يطرق بابه وعندما فتح الباب قال الطارق : يا فضيلة الشيخ .. لقد أخطأنا بدون قصد فقد أعطيناك مليماً وهاأنذا جئت إليك لأعطيك الجنيه وهنا شكره الشيخ وقال له : المليم هذا رزق ربى والحمد لله على ما رزقنى ورفض أخذ الجنيه وذات يوم طلب عبده فراج زوج الابنة الوحيدة للشيخ قراءة بعض آيات القرآن الكريم بنغمة العجم فقال له الشيخ : يا عبده .. أنا لا أسمعك مطلبك هذا عبر الإذاعة ولكن إذا كنت تريد هذا فاحضر إلى جامع مصطفى فاضل باشا يوم الجمعة وعندما ذهب الشيخ إلى الإذاعة قرأ بنغمة العجم وبعد عودته لمنزله حضر إليه الأحباب وقالوا له : يا فضيلة الشيخ هل نغمة العجم تزنقك هذه الزنقة ؟ وهنا قال الشيخ لزوج ابنته : رد عليهم يا عبده .
أقام الشيخ محمد رفعت صالونا ثقافيا قصده نخبة من المثقفين والفنانين ونذكر منهم : أحمد رامي ومحمد التابعي وكامل الشناوي وكانت تحضر ليلى مراد قبل إسلامها برفقة والدها وأرتبط الشيخ محمد رفعت بصداقة قوية مع صالح عبد الحي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب .
في أواخر عام 1939 مرض الشيخ محمد رفعت بسرطان الحنجرة وكانت تهاجمه الزغطة باستمرار فقرر الابتعاد عن القراءة في الإذاعة والاكتفاء بالقراءة في مسجد فاضل باشا ونشرت مجلة المصور خبر مرض الشيخ محمد رفعت وقاد الصحفي فكري أباظة حملة صحفية لجمع التبرعات المالية للشيخ محمد رفعت وجمع محبوه مبلغ 5 آلاف جنيه وأعطوا المبلغ للصحفي فكري أباظة ليقدمه للشيخ بحكم صداقتهما إلا أن الشيخ محمد رفعت رفض بشدة وقال : قارىء القرآن لاتجوز عليه الصدقة واقترح تخصيص وتوجيه هذه التبرعات للأيتام كما اعتذر عن قبول أي مدد أو عون من رؤساء وملوك العالم الإسلامي وقال : قارىء القرآن لايهان وفي عام 1942 وأثناء قراءة الشيخ محمد رفعت في مسجد فاضل باشا هاجمته الزغطة بشكل مستمر فلم يستطع القراءة فأجهش في البكاء وبكى كل من في المسجد حزنا على الشيح وكانت هذه المرة الأخيرة التي قرأ الأديب الكبير فيها الشيخ محمد رفعت .
في الأيام الأخيرة للشيخ محمد رفعت كان أقرب أصدقائه الفنان القبطي نجيب الريحاني وكان يزوره بصفة دائمة للتخفيف عنه والوجود بجواره ويوم 9 مايو عام 1950م فاضت روح الشيخ محمد رفعت إلى بارئها وأراد حسين الابن الأصغر للشيخ الجليل أن يجمع تسجيلاته وبالفعل وجد مجموعة من التسجيلات لدى زكريا باشا نوران وذات يوم قالت زوجته : برغم نشاطات زوجى زكريا باشا نوران فى الاقتصاد والمحاماة والسياسة والتأليف إلا أن اسمه لم يذكر إلا مقروناً بأنه الذى سجل مجموعة من التسجيلات للشيخ محمد رفعت وقد تكونت جمعيات من محبى الشيخ الجليل وتم تجميع أكثر 278 اسطوانة مدتها 25 ساعة تضم 19 سورة من سور القرآن الكريم بصوته العذب .
عندما تولت الإذاعية أمال فهمى رئاسة إذاعة الشرق الأوسط طلبت من حسين ابن الشيخ الجليل نقل مجموعة من تسجيلاته بحيث تكون مدة كل تسجيل 300 ثانية لإذاعته فى افتتاح إرسال الإذاعة يومياً ولذلك نجد صدق الله العظيم بصوت الشيخ محمد رفعت ولكن من مقام مختلف عن المقام الذى قرأ به .
أطلق على الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء ودموع قلبه كانت تجرى فى نبرات صوته وقال صالح عبد الحى : كنت أحب أن استمع إلى الشيخ محمد رفعت وهو مريض وعندما سئل عن ذلك ؟ قال : لأننى كنت أريد معرفة تصرفاته .. وقال شيخ الأزهر الأسبق مصطفى المراغى : هو منحة من الأقدار حين تهادن وتجود بل وتكريم منها للإنسانية .. وقال الإذاعى محمد فتحى الذى كان يلقب بكروان الإذاعة : استمع إلى الشيخ محمد رفعت وهو يرتل سورة يوسف لأن فن الترتيل عندنا بلغ القمة بل أعلى الذرا من الأصالة والدقة وخاصة من الشيخ محمد رفعت تبلغ بك النشوة الفنية غايتها وأنت محلق مع المرتل فى السماوات العلا مع أحداث الرواية الإلهية .. يا له وهو يصور الإنسان تحت ضغط الغريزة الجامحة التى تكاد تجرف حتى النبى ( ولقد هَمّت به وهَمّ بها ) ثم استمع إليه وهو يرتل على لسان امرأة العزيز ( هَيت لك ) مرة بفتح الهاء و ( هِيت لك ) بكسر الهاء فى المرة الثانية أداء علوى يسمو بالإنسان فوق نفسه .. وقال الشيخ أحمد الشرباصى : الشيخ محمد رفعت يعطينا معان كانت غائبة عنا وذكر علماء الموسيقى : أن صوت الشيخ محمد رفعت اجتمع فيه كل مميزات الحنجرة العربية من الأنغام والأوتار الصوتية الخلاقة .. وقال الأديب محمد السيد المويلحي : الشيخ محمد رفعت سيد قراء زمانه .. وذات مرة سئل الشيخ محمد متولى الشعراوى عن رأيه فى أصوات .. محمود خليل الحصرى وعبد الباسط عبد الصمد ومصطفى إسماعيل ومحمد رفعت ؟ فقال : إن أردنا أحكام التلاوة فهو الحصرى وإن أردنا حلاوة الصوت فهو عبد الباسط عبد الصمد وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فهو مصطفى إسماعيل وإن أردنا هؤلاء جميعاً فهو محمد رفعت .
في شهر يونيو عام 2015 تقابلت هناء حسين حفيدة القارئ الشيخ محمد رفعت مع الإذاعية نادية مبروك رئيسة الإذاعة المصرية وأهدت الإذاعة مجموعة من الأسطوانات النادرة بصوت جدها وذكرت أنها ووالدها قاما بعمل تقنية جديدة للأسطوانات بالتكنولوجيا الحديثة والأسطوانات تحتوى على ما يقدر بحوالى 30 ساعة لم يسمعها أحد من قبل .
ننتقل إلى نموذج أخر وهو الشيخ محمود محمد صبح الذي جاء إلى الدنيا عام 1897م بحوش الشرقاوى بالدرب الأحمر بمحافظة القاهرة وفى عامه الرابع أصيب بمرض الرمد ثم فقد بصره ولذلك حرص والده على إلحاقه بالكتاب فحفظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز العاشرة ودرس القراءات والتجويد والتف حوله كل المصلين بمسجد الإمام الشعرانى لحلاوة صوته .
حرص الشيخ محمود صبح على تعلم العزف على العود والناى والكمان والبيانو وذات مرة التقى بالشيخ سلامة حجازى وأسمعه أول لحن وضعه لموشح من الموشحات الأصيلة وفى نهاية اللحن أبدى الشيخ سلامة إعجابه الشديد وطلب منه الاستمرار فى التلحين وتنبأ له بمستقبل عظيم فى الموسيقى والإنشاد الدينى .
قبل افتتاح الإذاعة المصرية مارس الشيخ محمود صبح الغناء فى المحطات الأهلية وسجل بعض الاسطوانات فذاعت شهرته وفى عام 1936م أجرت الإذاعة المصرية مسابقة فى مجال التلحين فتقدم إليها الشيخ محمود صبح وفاز بالجائزة الأولى وفى نفس العام شارك فى افتتاح إذاعة القدس .
تزخر مكتبة الإذاعة المصرية والإذاعة البريطانية بتسجيلات الشيخ محمود صبح والعديد من نجوم الطرب غردوا بألحانه ومنهم على سبيل المثال وديع الصافى ويوم 25 أبريل عام 1941م انتقل الشيخ محمود صبح إلى الدار الآخر .
أما فضيلة القارىء الشيخ محمد عبد العزيز حصان فهو من مواليد 28 أغسطس عام 1928 بقرية الفرستق مركز بسيون بمحافظة الغربية وفي طفولته كان قليل الأصدقاء ومجالسة الناس لأنه أنشغل بحفظه للقرآن الكريم وقد حفظه وهو في السابعة من عمره وساعده على ذلك تفرغه الكامل للحفظ وفقده لبصره وقد شجعه والده على حفظ القرآن وكان يذهب معه إلى كتاب الشيخ عرفة الرشيدي بقرية قسطا المجاورة لقرية الفرستق .
ذات يوم قال له الشيخ عرفة : ياشيخ محمد لي صديق اسمه عبد الرحمن بك رمضان دعاني لحضور حفل ديني سيحضره مشاهير القراء وإيه رأيك تذهب معي حتى يتعرف عليك كبار الموظفين ومشاهير القراء ؟
وافق الشيخ محمد عبد العزيز حصان وذهب مع الشيخ عرفة وقرأ ماتيسر من القرآن فأعجب به الحاضرون وقال عبد الرحمن بك رمضان : ياشيخ عرفة الولد الممتاز الذي قرأ اسمه إيه ؟ فقال : اسمه محمد عبد العزيز ومن الفرستق فقال : باشيخ عرفة اهتم به لأن مستقبله باهر جدا وستثبت الأيام ذلك .
قرأ الشيخ محمد عبد العزيز حصان وهو في عمر 15 سنة في المآتم والمناسبات الدينية وحقق شهرة كبيرة قبل أن ينتقل إلى كفر الزيات وفي شهر يناير عام 1964 تقدم الشيخ محمد عبد العزيز حصان إلى لجنة القراء بالإذاعة ولكن اللجنة أعطته مهلة لمدة ستة أشهر عاد بعدها للاختبار ونجح بامتياز وتم اعتماده .
سافر الشيخ محمد عبد العزيز حصان إلى الكثير من الدول العربية والإسلامية لإحياء ليالي شهر رمضان وكان يحب دول الخليج العربي وكانت تصله دعوات خاصة وفي عام 1990 حصل محمد العيسوي محمد نجا من جامعة الملك عبد العزيز آل سعود بالمملكة العربية السعودية على الدكتوراه عن الشيخ محمد عبد العزيز حصان في الوقف والابتداء تحت عنوان التصوير النغمي للقرآن الكريم وعلم التنغيم .
يوم الجمعة 5 فبراير عام 2003 توفي فضيلة الشيخ القارىء محمد عبد العزيز حصان وشيعت جنازته من مسجد السيد البدوي بطنطا وفي اليوم نفسه توفيت زوجته .
ننتقل إلى الشيخ محمد عمران وهو من مواليد 15 أكتوبر عام 1944 في مركز طهطا بمحافظة سوهاج وفى طفولته حفظ القرآن الكريم فى الكتاب على يد الشيخ محمد عبد الرحمن المصرى وتعلم التجويد على يد الشيخ محمود ضبوط وحضر إلى القاهرة قبل أن يكمل عامه الثانى عشر والتحق بمعهد المكفوفين وتعلم القراءات والنغمات والمقامات الموسيقية والموشحات الدينية والإنشاد الدينى.
تم تعيينه بشركة حلوان للمسبوكات فجعلته قارئاً للقرآن الكريم بالمسجد الكائن بموقع الشركة وذاع صيته وانتشرت شهرته بين العمال وفى بداية السبعينات تم اعتماده مبتهلا بالإذاعة ولحن له الموسيقار محمد عبد الوهاب وسيد مكاوى وحلمى أمين .
أنشد وشارك فى الغناء للعديد من البرامج الدينية الغنائية وفى الاحتفالات بالمولد النبوى وآل البيت والأمسيات والمناسبات التى أقيمت بدار الأوبرا المصرية .
قدم الشيخ محمد عمران مجموعة من التسجيلات للإذاعة المصرية وإذاعات أبوظبى وعمان والبحرين ولم يغادر مصر إلا عندما سافر إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج .
رزق الشيخ محمد عمران من الأبناء بمحمود وعلى ورحاب وأسماء ويوم 6 أكتوبر عام 1994م انتقل الشيخ محمد عمران إلى الدار الآخرة تاركاً مجموعة من التسجيلات الخالدة.
نتوقف أيضا مع الموسيقار عمار علي محمد إبراهيم علي الشريعي الشهير بـ ” عمار الشريعي ” وهو من مواليد 16 أبريل عام 1948 م بسمالوط التابعة لمحافظة المنيا وبرغم حرمانه من نعمة البصر إلا أنه بدأ حياته العملية بعد تخرجه من الجامعة وكانت بدايته العمل في العزف على آلة الأكورديون مع الفرق الموسيقية ثم تحول إلى الأورج وبزغ نجمه .
الموسيقار عمار الشريعي أول أجر حصل عليه هو 99 قرشاً وكان من الإذاعة المصرية عن عزفه للحن أغنية محو الأمية الشهيرة ( يا أهل بلدي في كل مكان ) وكان ذلك عام 1966 .
الموسيقار عمار الشريعي تجاوزت ألحانه الـ 150 لنخبة من مطربي ومطربات مصر والعالم العربى ,أعماله الموسيقية للسينما 50 فيلماً والتليفزيونية 150 مسلسلاً وما يزيد على 20 عملاً إذاعياً وعشر مسرحيات غنائية استعراضية وقد قام كذلك بتلحين الحفل الموسيقي الضخم الذي أقامته سلطنة عمان عام 1993م بمناسبة عيدها الوطني وكذلك عيدها الوطني عام 2010م وكان قد سبقه في تلحين اعياد عمان الوطنية العديد من عمالقة الطرب العربي أمثال الموسيقار محمد عبد الوهاب.
من الأعمال الموسيقية التي لحنها الموسيقار عمار الشريعي للأفلام نذكر : آه يابلد والشك يا حبيبي والبرئ وحب في الزنزانة وأرجوك أعطينى هذا الدواء وحليم ويوم الكرامة .. ومن المسلسلات : الأيام وبابا عبده وأديب والنديم وقال البحر ودموع في عيون وقحة ورأفت الهجان وأرابيسك والعائلة والشهد والدموع وزيزينيا وامرأة من زمن الحب وأم كلثوم وحديث الصباح والمساء والعندليب وبنت من شبرا ودموع في عيون وقحه وشيخ العرب همام .. ومن المسرحيات نذكر : الواد سيد الشغال وعلشان خاطر عيونك وإنها حقاً عائلة محترمة ولولى.
في عام 1995 م عين الموسيقار عمار الشريعي أستاذاً غير متفرغ بأكاديمية الفنون المصرية وتناولت أعماله العديد من الرسائل العلمية لدرجتي الماجستير والدكتوراه في المعاهد والكليات الموسيقية بلغت 7 رسائل ماجستير و 3 رسائل دكتوراه من مصر في كلية التربية الموسيقية جامعة حلوان وكلية التربية النوعية جامعة القاهرة ومعهد الموسيقى العربية بأكاديمية الفنون ورسالة دكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا.
قدم عمار الشريعي أكثر من برنامج إذاعي وتليفزيوني في مجال الموسيقى والغناء وأبتكر العديد من الإيقاعات وشارك بالتعاون مع شركة ياماها اليابانية في استنباط ثلاثة أرباع التون من الآلات الإلكترونية ومع شركة إميولتور الأمريكية في إنتاج عينات من الآلات تقليدية والشعبية المصرية والعربية وقام بتأليف كونشرتو لآلة العود والأوركسترا ومتتالية على ألحان عربية معروفة وعزفهما مع أوركسترا عُمان السيمفونى عام 2005 م
حصل الموسيقار عمار الشريعي على عدة جوائز وتكريمات منها : جائزة مهرجان فيفييه بسويسرا عام 1989 ووسام التكريم من الطبقة الأولى من السلطان قابوس بن سعيد بسلطنة عمان عام 1992ووسام التكريم من الطبقة الأولى من الملك عبد الله بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية وجوائز من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما والمركز الكاثوليكي للسينما ومهرجان الإذاعة والتليفزيون عن الموسيقى التصويرية وجائزة الحصان الذهبي لأحسن ملحن في إذاعة الشرق الأوسط لسبعة عشر عاماً متتالية وفي عام 2005 م حصل على جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة وفي نفس العام حصل وسام التكريم من الطبقة الأولى للمرة الثانية من السلطان قابوس بن سعيد بسلطنة عمان.
انضم عمار الشريعي إلى لجنة الحكماء التي تم تشكيلها أثناء ثورة 25 يناير عام 2011 م ويوم الجمعة 7 ديسمبر 2012 م الموافق 23 محرم 1434 هـ أعلنت عقارب الساعة رحيل الموسيقار عمار الشريعي بعد صراع طويل مع المرض وتدهور حالته الصحية ووصل جثمانه في الثانية عشرة ظهر يوم السبت 8 ديسمبر 2012 م إلى عائلته وشيعت جنازته بمسقط رأسه في مرز سمالوط بمحافظة المنيا وتوارى جثمانه في مقابر العائلة الملتصقة بالمسجد الأثري الذي بناه والده .
أيضا من النماذج التي قهرت الظلام الشيخ حسن عبد العال محروس قاسم وهو من مواليد 27 أغسطس عام 1948م بكفر الغنامية مركز الباجور بمحافظة المنوفية وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ فرج العسال وتعلم تجويد القرآن على يد إسماعيل عبد الجبار .
احترف قراءة القرآن الكريم فى المناسبات وهو فى الثانية عشرة من عمره وتعلم من المشايخ بيومى أبو زهرة وسليمان داود وعبد العليم أبو نايل أصول القراءة.
واظب على حضور مباريات كرة القدم التى يكون طرفها النادى الأهلى وتغنى مع الجمهور للاعبيه وارتبط بصداقات حميمة مع لاعبى وأعضاء مجلس إدارة النادى وفي إحدى المرات كان يجلس مع المشير عبد الحكيم عامر الذي كان يرأس اتحاد الكرة آنذاك إلى جانب منصب وزير الدفاع والذي كان معروفًا بحبه للزمالك فسأل الشيخ حسن : إمتى تبقى زملكاوى يا حسن ؟ فرد عليه بعفوية : لما افتح .
فى فترة تولى كمال الدين حسين وزارة التربية والتعليم زار الوزير مدارس الباجور وسمع الشيخ حسن القاسم وهو يغنى بصحبة الفرقة الموسيقية :
أحمد يا شافع لنا
يلى اصطفاك ربنا
نفسى أزور
وأشاهد النور
فأعجب الوزير بصوته وتنبأ له بمستقبل عظيم فى مجال الإنشاد الدينى .
انتشرت شهرته فى مراكز وقرى محافظة المنوفية وفى عام 1970 شارك فى احتفالات المولد النبى فذاع صيته فى مجال الإنشاد وقراءة القرآن الكريم .
تقدم الشيخ حسن قاسم إلى إذاعة الإسكندرية المحلية لاعتماده منشداً ومبتهلاً ولكنه لم يوفق وأوصت لجنة الاختبار بضرورة تركيزه حيث قال الإذاعى حافظ عبد الوهاب : صوت الشيخ حسن القاسم جيد ولكنه يحتاج إلى التركيز وفى عام 1974م تقدم لاختبارات الإذاعة بالقاهرة ولكنه لم يوفق لأنه نسى أن يقول : ( الصلاة خير من النوم ) مع الابتهالات الخاصة بصلاة الفجر وحددت له لجنة الاختبار فرصة أخرى بعد مرور أسبوع وفى الموعد المحدد تقدم إلى اللجنة التى ضمت الشيخ الغزالى والشيخ مرسى عامر والشيخ عبد الجليل عيسى ومحمود كامل وأحمد صدقى والدكتور ماضى وأجمعت اللجنة على نجاحه وتم اعتماده مبتهلاً بالإذاعة .
من أول ابتهال للشيخ حسن القاسم بالإذاعة نذكر هذا المقطع :
سبحان من خلق الأنام بفضله
سبحان من حكم الوجود بعدله
سبحان من فاضت علينا نعمته
سبحان من وجبت علينا طاعته
كما قدم الابتهالات الدينية فى مساجد السيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الحسين وإبراهيم الدسوقى وأبو الفضل الوزيرى وطلحة رضى الله عنهم جميعاً .
حرص الشيخ حسن القاسم على تقديم القصائد الشعرية الدينية المعاصرة وعرف عنه عشقه للإذاعة حيث يمتلك 32 من أجهزة الراديو وكل جهاز مثبت على موجة إذاعية .
الشيخ حسن القاسم مؤذن بوزارة الأوقاف بجانب الإنشاد الدينى وله مجموعة من التسجيلات الدينية ورزقه الله من الأبناء بفرح وأحمد وعبد العال .
لُقب الشيخ حسن قاسم بشيخ المبتهلين في عصره وأحبه الرئيس الراحل محمد أنور السادات وكان محبوبًا من كل القادة وأهداه السادات عصاه الخاصة مكتوبًا عليها بالذهب ولم تفارق يده حتى وفاته صباح يوم الجمعة 6 أبريل عام 2018 م .
أما الشيخ سعيد حسن حافظ إدريس فهو من مواليد 9 أكتوبر عام 1951 بالقصاصين بمحافظة الإسماعيلية وأثناء العدوان الثلاثي الذي قامت به إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر مكايدة منهم على القرار التاريخي العظيم الذي أتخذه الزعيم جمال عبد الناصر يوم 26 يوليو عام 1956 وهو تأميم قناة السويس في تلك الفترة كان سعيد حافظ يلهو مع رفاقه الأطفال فعثرو على شيء يشبه الكوز فأنفجر مما أدى إلى بتر أطراف بعض الأطفال والكبار المتواجدين في المكان ومنهم من توفى والشظايا المتناثرة أصابت عيني سعيد حافظ وتم نقله إلى المستشفى وفقد بصره .
الأسرة ألحقت سعيد حافظ بالكتاب وكانت أمه تحمله كل يوم وتوصله إلى الكتاب فحفظ القرآن الكريم على يدى الشيخين محمد رشوان ومحمد الضوى وتتلمذ على يد حسن أبو ستة وعبد الرشيد.
عام 1968 حضر سعيد حافظ مع والده وأمه إلى القاهرة وعاشوا في الخلفاوي بالقرب من خالت والحقته أسرته بقسم الدراسات الموسيقية بمركز المكفوفين حيث لاحظت حسن صوته وفي عام 1971 تخرج سعيد حافظ من مركز المكفوفين .
حصل الشيخ سعيد حافظ على شهادة التأهيل المهنى فى التعبئة والتغليف وتم تعيينه بشركة القاهرة للزيوت والصابون في غمرة بالقاهرة .
سجل الشيخ سعيد حافظ حلقة من البرنامج الإذاعي الشهير على الناصية مع الشيخ سعيد حافظ وعندما سئل عن أمنياته ؟ قال : الإلتحاق بمعهد الموسيقى العربية بالقاهرة واستمع إلى الحلقة أحمد شفيق أبو عوف فتوصل إلى الشيخ سعيد حافظ ولبى رغبته وألحقه بمعهد الموسيقى العربية قسم الأصوات .
درس الشيخ سعيد حافظ المقامات الموسيقية على يد أحمد المحلاوى ودرس المقامات الموسيقية والموشحات والطقاطيق .
الموسيقار أحمد شفيق أبو عوف أسس فرقة موسيقية وإلتحق بها الشيخ سعيد حافظ وأول أجر تقاضاه كان جنيه ثم سجل له مصطفى سليمان مُعِدّ أحد البرنامج حلقة تليفزيونية وعندما أذيعت طلبت لجنة الإختبار بالإذاعة شريط تسجيل هذه الحلقة ثم أرسلت للشيخ سعيد حافظ ليمثل أماهم للاختبار وبالفعل حضر واجتاز الإختبار وتم إعتماد الشيخ سعيد حافظ كمطرب بالتليفزيون المصرى يوم 30 سبتمبر عام 1973 ثم شارك في أحد الأوبريتات وتقاضى عن ذلك 40 جنيها وفي شهر نوفمبر عام 1974 أعتمده مدحت عاصم مطرباً بالإذاعة المصرية .
ذهب الشيخ سعيد حافظ إلى الإذاعي أحمد الملاح وطلب منه أن يكون مبتهلاً دينياً فطلب منه التقدم بطلب إلتحاق إلى لجنة إختبار القراء والمبتهلين بالإذاعة المصرية وبالفعل تقدم الشيخ سعيد حافظ بالطلب وتم الإختبار وفي عام 1979 صدر قرار إعتماد الشيخ سعيد حافظ مبتهلاً دينياً بالإذاعة المصرية.
اشترك الشيخ سعيد حافظ لأول مرة فى الأمسية التى أقيمت بمسجد الشيخ سلامة الراضى وأذيعت على الهواء مباشرة .
أول أغنية دينية قدمها الشيخ سعيد حافظ بالإذاعة كانت من كلمات الشاعر عبد المجيد عبد الفتاح والحان الموسيقار أحمد عبد القادر وهى بعنوان يارب وفى عام 1983م قدم الشيخ سعيد حافظ استقالته إلى الشركة التى يعمل بها وتم تعيينه بالمسرح .
اعتمد مطربا بالمجلس الأعلى للثقافة وشارك بالإنشاد الدينى فى الليلة المحمدية الأولى وشارك الفنان محمد الحلو فى أغنية يا حبيبى وأيضا الفنان إيمان البحر درويش فى أغنية يا رسول الله يا ابن عبد الله .
تزوج الشيخ سعيد حافظ من إحدى بنات محافظة الإسكندرية وهى نادية ورزقهما الله بعليا وفي عام 2000 بدأت رحلات الشيخ سعيد حافظ إلى الخارج وفي عام 2003 سافر إلى المغرب بصحبة الفنان محمد ثروت وفي عام 2004 سافر إلى أسبانيا ثم أغادير أواخر 2004 كما شارك في مهرجان قرطاج بتونس عام 2005 ثم سافر إلى المغرب مرة أخرى عام 2006 ومعهد العالم العربي بباريس العاصمة الفرنسية عام 2014 وكانت آخر سفرياته إلى مهرجان الإنشاد الديني بالجزائر عام 2015.
كانت آخر أمسية دينية سجلها الشيخ سعيد حافظ للإذاعة المصرية مع الإذاعي القدير أبوبكر بدوي بإذاعة القاهرة الكبرى يوم 31 أغسطس عام 2015 في الإحتفال بالذكرى الخامسة عشر لرحيل شيخ المبتهلين الشيخ إبراهيم الإسكندراني والتي أقيمت بمسجد السيدة زينب رضي الله عنها بالقاهرة وأدى فيها الشيخ سعيد حافظ الموشح الديني يا أيها المختار مع البطانة التي كان فيها العديد من المبتهلين والمنشدين الشباب.
أصيب الشيخ سعيد حافظ بغيبوبة السكر وتعرض لحالة إماء وتم نقله إلى المستشفى ويوم الاثنين 4 يناير 2016 توفى الشيخ سعيد حافظ وأقيمت صلاة الجنازة على الفقيد بعد صلاة العشاء بمسجد الهدى ببركة الحاج بشارع مؤسسة الزكاة وتوارى جثمانه بين ثرى مقابر الشرفا بنفس المنطقة وأقيم العزاء يوم الأربعاء 6 يناير بسرادق ميدان السيدة نفيسة رضى الله عنها .
ننتقل إلى الملحن شوقي إسماعيل حيث فقد بصره وهو في سنوات عمره الأولى فأدخله والده معهد النور للمكفوفين وكان معه الدكتور أحمد عبد الحميد يونس وعمار الشريعي .
تميز شوقي إسماعيل فى اللغة العربية وفى معاهد المكفوفين كان هناك اهتمام شديد بالتعليم وكانت له جارة وصديقة فى مثل عمره وكانت مبصرة وكانت تجلس معه وتتبادل العلم والثقافة ويعلمها ما أخذه فى المعهد من لغة عربية وهى تقرأ له بعض الكتب ومنها كتب عن الأبراج وكانت هذه النوعية من الكتب تلفت انتباه وكان فى معهد المكفوفين مكتبة ثرية كلها على طريقة برايل والقراءة بالأصابع وتأتى للمعهد من الاتحاد العربى للمكفوفين باللغتين العربية والإنجليزية وأثناء دراسة شوقي إسماعيل فى الصف الثالث الإعدادى لفت انتباه كتاب عن الفلك فشعر بأنه مادة محببة إلى نفسه حتى إنه بعد انتهاء اليوم الدراسى أستعاره معه للمنزل وكان لكاتب فرنسى اسمه نوستراداموس وهو صيدلى من القرن السادس عشر ومن هنا بدأت علاقة شوقي بعلم الفلك.
بعد المرحلة الثانوية تقدم إلى معهد الموسيقى وحصل على البكالوريوس.
شوقي إسماعيل عزف على العود والغناء في برامج الهواة بالإذاعة وبعد فترة وجيزة تقدم إلى لجنة الاختيار بالتليفزيون وكان يرأسها الموسيقار عبد الحميد عبد الرحمن وضمت رفعت جرانة وكمال الطويل وتم اعتماده ملحنا عام 1972 وفى عام 1973 تقدم إلى لجنة الاختبار بالإذاعة التى كان يرأسها الموسيقار مدحت عاصم وعبد الحليم نويرة وتم اعتماده ملحنا.
أول لحن قدمه شوقي إسماعيل كان للفنان ماهر العطار كلمات الشاعر فهمى الشريف عن سيناء الحبيبة واعتمد به ملحنا ومطربا بالتليفزيون.
عندما تقدم شوقي إلى لجنة الاختبار فى الإذاعة قدم الفنان محمد الحلو بلحن منه وكان عمره وقتها 14 عاما واعتمد مطربا.
أول لحن بعد اعتماد شوقي إسماعيل بالإذاعة كان للفنانة حورية حسن وكانت مبتعدة عن الفن لمدة 10 سنوات بسبب انفصالها عن الفنان زين العشماوى وتعجب عندما وقع اختياره عليها لغناء لحنه وكان لقاؤها معه فاترا إلى أن بدأ يدندن باللحن ففاضت عيناها بالدموع واعتذرت عن مقابلتها وعللت بأنها لم تتوقع هذا اللحن الكبير من ملحن صغير السن وقتئذ وهذا اللحن تمت إذاعته وسلطت عليه الأضواء فى شهر مايو عام 1973 وكان رئيس الإذاعة وقتها محمد محمود شعبان بابا شارو وفى يوم 6 أكتوبر 1973 م الموافق 10 رمضان 1393 هجريا عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس واقتحمت خط بارليف لتحرير سيناء الحبيبة من المحتل الإسرائيلي وأذاعت الإذاعة هذه الأغنية وهى رسالة إلى مجاهد من ألحان شوقي إسماعيل وكلمات المقدم أسامة جمال الدين وغناء حورية حسن ويقول مطلعها:
يا حمام بقى جالك قلب تنام
وحبيبك مش وياك
يا سلام عايز تنساه
إياك تنساه إياك
دا ع الحدود واقف
عن أرضنا يزود
بكره يعود.. يوفى الوعود
يوم نصرنا
هذا اللحن كان فاتحة الخير على شوقي إسماعيل حيث أشادت به الإذاعة وكتب عنه الصحفى نبيل عصمت أبونضارة : إن هذا الملحن استخدم مقاما جديدا فى الموسيقى لم يطرقه أحد من الملحنين.
بعد إذاعة اللحن وفى اتصال تليفونى بين شوقى إسماعيل والفنانة حورية حسن أخبرته بأن أم كلثوم اتصلت بها وهنأتها على هذه الأغنية التى تغنت بها وسألتها عن صاحب اللحن وكم يبلغ عمره ؟ فقالت حورية حسن : إنه شاب لم يتعد العشرينيات من العمر فقالت أم كلثوم : إن شاء الله سوف ألتقى به فقالت لها حورية حسن : إنه كفيف .. فردت أم كلثوم : لا تفرق معى وبعد عدة أيام فوجئ شوقى إسماعيل بعازف الكمان الأول بالفرقة الماسية وفرقة أم كلثوم يبحث عنه فى معهد الموسيقى وهنأه وقال : أم كلثوم معجبة بلحنك ثم طلب منه الحضور إلى استوديو 39 بالإذاعة فتوجه معه وقابل أم كلثوم وطلبت أن يحضروا له عودا وأن يسمعها لحنه لحورية حسن بصوته واستمعت إلى اللحن وتقسيمات شوقي على العود فقالت : ألحانك أكبر من سنك فقال : يسعدنى ويشرفنى أن أسمع هذا.
أيضا أم كلثوم تحدثت عن شوقي إسماعيل مع الموسيقار رياض السنباطى فطلب مقابلته وتم اللقاء فى مكتب الخبير الفنى للإذاعة عبد الحليم نويرة وهنأه وسأله عن الملحنين الذين تأثر بهم ؟ فقال : حضرتك وأحمد صدقى فقال يانويرة : هذا الشاب قادم احرصوا عليه وساعدوه وساهموا بإحضار المطربين الكبار لتظهر موهبته على حنجرتهم.
كان اللحن الثانى للموسيقار شوقي إسماعيل للفنانة نجاح سلام بأغنية رجعنا للهوى تانى كلمات الشاعر فهمى الشريف ويقول مطلعها :
رجعنا للهوى تانى لحرمانى
كأن اللى جرى كله ماكفانى
رجعت لشكوتى منك وآه منك
وآه من قلب
مش قادر يغيب عنك
حايلته كتير وصبرته
وفاكر إنى توبته
رجعنا للهوى تانى.
لحن شوقي إسماعيل أيضا إلى نخبة من المطربين والمطربات منهم شهرزاد ومحمد رشدى ومحمد العزبى وعايدة الشاعر وشريفة فاضل وليلى نظمى وصورة غنائية عنوانها رمضان أبو المواكب لإسماعيل شبانة وكلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى ويقول مطلعها :
رمضان أبوالمواكب
صفحات أمجاد ونصر
أبطال ذى الكواكب
سيرتها تهز مصر
هات يا بوالمديح
وقول الله أكبر
عليك يا بوالمواكب.
كما لحن الموسيقار شوقي إسماعيل للفنان هانى شاكر أغنية انسى الهموم كلمات الشاعر هلال جاهين ويقول مطلعها :
انسى الهموم وارتاح بقى
إيه راح يدوم غير الشقى
الدنيا ليل بعده نهار
ومفيش فراق من غير لقى.
قدم شوقي إسماعيل العديد من الألحان بأصوات المجموعة وكان يكتب كلماتها الشاعر عبد الفتاح مصطفى الذى وضع كلمات النشيد الوطنى يا بشير السلام الذى تم تلحينه لأول مرة على وزن الموشح ويعد شوقي إسماعيل الوحيد الذى لحن الموشح للإذاعة في صورة أغنية وطنية كما قدم العديد من الألحان لأغانى المسلسلات وغنى ولحن في المسلسل التليفزيونى لا شيء يهم للكاتب إحسان عبد القدوس.
الموسيقار شوقي إسماعيل قدم للإذاعة والتليفزيون أكثر من 100 لحن للأطفال منها بندق وبندقة كلمات الشاعر مصطفى الشندويلى والألوان والأمانة يا أمين للشاعر جمال بخيت وكان أول ملحن يحصل على جائزتين ذهبيتين عن التلحين للأطفال فى عام 2005 وذلك فى مهرجان القاهرة 11 للإذاعة والتليفزيون .. جائزة الإبداع للإنتاج الإذاعى وأحسن ملحن.
أيضا نتوقف مع الإذاعي الدكتور رضا عبد السلام كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم فقد ولد وله في كل ذراع 15 سم فقط فجعل من فمه وقدميه وسيلة للكتابة وذهب مع والده إلى مدير المدرسة الابتدائية وكتبت برجله اسمه واسم والده فتم قبوله في المدرسة وعندما وصل إلى الصف الثالث تعلم الكتابة بفمه وبعد سنوات قليلة تم اختياره كأحسن خطّ في المدرسة .
حصل رضا على 90 % في الشهادة الابتدائية وجاء ترتيبه الأول على شبين الكوم بمحافظة المنوفية وحصل على الشهادة الإعدادية بنتيجة 85% برغم تعبه الشديد في الانتقال من وإلى المدرسة التي كانت تبعد عن البيت بحوالي عشرين كيلو متر وحصل في الثانوية العامة على 83% وكان العاشر على الجمهورية أما الأول فكان الكاتب إبراهيم عيسى ثم حصل على ليسانس حقوق عام 1978 ثم ليسانس الدعوة الإسلامية وبعد تخرجه عملت فترة قصيرة في أحد مكاتب المحاماة ولكن لم يجد نفسه في هذه المهنة ولذا قرر أن العمل في الإذاعة.
ذهب رضا عبد السلام إلى أحد أساتذته بكلية الحقوق جامعة طنطا وأخبره برغبته في العمل بالإذاعة فأرسله إلى الكاتب الصحفي عبد الوهاب مطاوع وبالفعل قابله في جريدة الأهرام وبدوره أرسله إلى الإذاعي الكبير فهمي عمر رئيس الإذاعة في ذلك الوقت فسأله : ماذا تريد أن تعمل ؟ فقال : مذيع بإذاعة القرآن الكريم ودخل امتحان الإذاعة ولكنه رسب رغم نجاحه فى فترة التدريب فشعر بمرارة شديدة لعلمه أن السقوط ليس بسبب القصور في إمكانياته بل لأنه معاق فقرر عدم الاستسلام وبالفعل ذهب مرة أخرى إلى الإذاعي فهمي عمر وسأله : لماذا عندما ينظر الناس لي أتراجع للخلف وعندما ينظرون لأوراقي أتقدم للأمام فكان رد فهمي عمر : أنت جاى تدينى درس ؟ فخرج رضا من المكتب ولكن قصة حواره مع الإذاعي فهمي عمر علم بها رئيس إذاعة وسط الدلتا فطلب من رضا العمل معه وبالفعل ذهب وعمل لعامين حتى علم أن إذاعة القرآن الكريم تجرى مسابقة لاختيار المذيعين الجدد فذهب وقدم مرة أخرى وكان رئيس لجنة التحكيم وقتها الإذاعي حلمى البلك فدخل رضا عليه مرتديا جاكت وقام بخلعه دون أى مساعدة من أحد ثم نظر إلى الإذاعي حلمي البلك وطلب منه عدم التعليق لحين الانتهاء من إجابة كل الأسئلة الموجودة في ورقة الاختبار وبالفعل أجاب عليها كتابة بفمه ثم أمسك القلم بفمه وأطراف يديه وطلب من حلمي البلك إجراء حوار إذاعي معه على أن يكون القلم هو الميكروفون فحينما يشير له بالقلم يتحدث وحينما يتجه بالقلم لنفسه يتحدث وبالفعل اقتنع حلمى البلك به وقرر تعيينه كمذيع في إذاعة القرآن الكريم.
شاركت الإذاعي رضا عبد السلام في تغطية أكبر مسابقة للقرآن الكريم في دبي ونقل شعائر الحج وصلاة الفجر من أكبر مساجد القاهرة وقدم العديد من البرامج منها وبشر الصابرين ومساجد لها تاريخ وقطوف من السيرة ومع الصحابة وأمسيات دينية كما قام بتأليف بعض الكتب وحصل على الدراسات العليا ودرجة الدكتوراه وتولى رئاسة إذاعة القرآن الكريم وبذلك يعد أول رئيس للإذاعة هذه من ذوي الهمم .
نتوقف أيضا مع الإذاعي الدكتور إبراهيم سالم ففي العاشرة من عمره شعر بتدهور في مستوى الأبصار وكانت المفاجأة أن الأطباء قالوا إن هذا المرض هو التهاب الشبكية التلـوني وليس له علاج أو تدخل جراحي في أي مكان في العالم وقررت الأسرة استمراره في الدراسة ولاحظ على زملائه الأطفال انهم يتعاملون معه بشكل طبيعي فلم يشعروه في أي لحظة بأنه أقل منهم أو محتاج لمساعدتهم ولم يسخروا منه يوما ما وهذا ما دفعه إلى استكمال مرحلتي الإعدادية في مدرسة عادية أيضا.
حصل إبراهيم سالم على مجموع كبيـر في الثانوية العامة وكانت دراسته أدبية مما أهله للالتحاق بكلية الآداب جامعة طنطا وتخصص في اللغة العربية وتفوق في هذا القسم تفوقا كبيرا نظرا لأنه حفظ القران الكريم وأحب اللغة العربية وهذا شجعه لمواصلة دراسته العليا في مرحلة الدكتوراة وحصل عليها في ذات التخصص بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
عام 1995 أعلنت الإذاعة عن شغل وظائف للمذيعين ومقدمي البرامج وعلى الفور تقدم إبراهيم بأوراقه في المسابقة وأثناء حضوره أمام لجنة الاختبار تعجب أعضاء اللجنة حينما علموا بظروف إعاقته البصرية وقالوا له : كيف تستطيع تقديم برامج على الهواء وتذيع الأخبار ؟ فقال : لقد منحنى الله عز وجل ملكة وقدرة على الحفظ السريع والارتجال ومواجهة الأحداث بالتصرف المناسب وأشار عليهم أن يجربوه في أي عمل إذاعي يقوم به أمامهم وكانت النتيجة انبهارهم بقدراته الصوتية وملكاته اللغوية وبدأوا في الاقتناع بشخصه وكفاءته وعلم بعد ذلك بأنه مرشح للمقابلة الثانية مع لجنة اختبار أخرى.
اللجنة الثانية اظهرت أيضا الدهشة فقال إبراهيم : قادر على تقديم أي عمل إذاعي يطلب مني الآن واجتاز هذه المقابلة الشخصية أيضا وتم تعيينه كمقدم برامج في إذاعة وسط الدلتا ولم يحصل على هذه الفرصة بموجب قانون 5% الذي يتيح للمعاقين شغل بعض الوظائف بدون مقابلات أو اختبارات ولكنه حصل على هذه الوظيفة التي احبها من خلال كفاءته وقدراته الشخصية.
بداية عام 1997 بدأ الإذاعي الدكتور إبراهيم سالم العمل في إذاعة وسط الدلتا وأثبت جدارته .
في الختام أقول : لاتلعنوا الجهل بل تعلموا كلمة وعلموها للآخرين
لاتلعنوا الفقر بل استثمروا كل الوقت والجهد فيما ينفع ..
لاتلعنوا المرض بل طهروا أنفسكم بالفضائل وأبعدوا أجسامكم عن الكبائر والصغائر ..
لا تلعنوا الخراب بل على كل منكم أن يصنع لبنة ..
لا تلعنوا الظلام بل على كل منكم أن يوقد شمعة ..
لا تعلقوا أخطاءكم على الآخرين وليبدأ كل منا بنفسه ..
لا تنظروا دائما إلى البقعة السوداء في ثوب الحياة الأبيض ..
لا تنتبهوا فقط إلى سحابة وسط سماء زرقاء لا نهائية ..
لا تسستغرقوا في الذاتية والسلبية المفرطة ..
فقط انتبهوا إلى السلبيات .. لا لتقفوا عندها بل لتقضوا عليها بالايجابيات فالحياة أرحب من أن تضيق بنا ورحمة الله أشمل من أن تمتنع عنا .