توطئة :
تتناول هذه الدراسة رواية «ستائر شفافة» بوصفها نصًا سرديًا ينشغل بمساءلة آليات الستر والكشف في التجربة النسوية المعاصرة، عبر بناء رمزي تتداخل فيه العتبات النصية مع البنية السردية واللغة والفضاء الروائي. وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي النصّي مدعومًا بإشارات سوسيولوجية ونفسية، للكشف عن مواطن القوة الفنية ومناطق الإخفاق النسبي، وصولًا إلى تقويم جمالي شامل.
كلمات مفتاحية:
السرد النسوي، العتبات النصية، الزمن النفسي، العنف الرمزي، الفضاء الروائي.
أولًا: العتبة النصية ودلالات العنوان
يشكّل عنوان الرواية «ستائر شفافة» عتبة دلالية مركزية، تنهض على مفارقة مزدوجة: الستر بوصفه إخفاءً، والشفافية بوصفها كشفًا ناقصًا. هذه المفارقة لا تعمل بوصفها علامة لغوية فحسب، بل تتحول إلى استعارة كبرى تحكم منطق السرد كله؛ إذ تتأسس الشخصيات والأحداث على انكشاف لا يكتمل، وعلى حماية زائفة لا تمنع الأذى بقدر ما تؤجله.
من هنا، يغدو العنوان مفتاحًا تأويليًا لبنية الرواية النفسية والاجتماعية.
ثانيًا: البنية السردية والزمن
تعتمد الرواية بنية سردية غير خطية، يتداخل فيها الاسترجاع مع السرد الآني، بما يفضي إلى ما يمكن تسميته «الزمن النفسي».
لا يُقاس الزمن هنا بتعاقب الأحداث، بل بدرجة توتر الوعي واستدعاء الذاكرة، حيث تتجاور لحظات الطفولة مع صدمات النضج دون فواصل كرونولوجية صارمة. هذا الخيار البنيوي ينسجم مع طبيعة التجربة المروية، ويمنح النص قدرة على تمثيل التشظي الداخلي للشخصية النسوية.
ثالثًا: الشخصية النسوية بين الجسد والسلطة
تقدّم الرواية الجسد الأنثوي بوصفه موقعًا للصراع الرمزي، لا بوصفه موضوعًا للإغواء أو الإثارة.
فهو جسد مُراقَب ومُدان، تتقاطع فوقه سلطات الأسرة والمؤسسة التعليمية والطبية. غير أن النص لا يختزل الشخصية في موقع الضحية، بل يمنحها وعيًا نقديًا يتنامى تدريجيًا، حتى وإن ظل هذا الوعي عاجزًا عن إحداث قطيعة جذرية مع منظومة القهر.
وبهذا، تتجاوز الرواية الثنائيات الساذجة (القوة/الضعف، القهر/التحرر) إلى منطقة أكثر تعقيدًا وإنسانية.
رابعًا: الفضاء الروائي ودلالاته
تتوزع أحداث الرواية على فضاءات تبدو متباينة: البيت، الجامعة، المستشفى، والشارع. غير أن هذه الفضاءات تتقاطع دلاليًا بوصفها أماكن للضبط والمراقبة.
فالبيت، المفترض فيه الأمان، يتحول إلى موقع قهر رمزي؛ والجامعة، بوصفها مؤسسة معرفة، تمارس سلطتها الأخلاقية؛ والمستشفى، بدل أن يكون فضاءً للعلاج، يغدو مساحة لتشييء الجسد. هذا التواشج المكاني يمنح الرواية بعدًا سوسيولوجيًا واضحًا.
خامسًا: اللغة والأسلوب
لغة «ستائر شفافة» لغة مكثفة، تميل إلى الجملة القصيرة المشحونة بالإيحاء، مع حضور واضح للصورة الحسية المرتبطة بالجسد والذاكرة.
وتنجح الكاتبة في الموازنة بين الشعرية والسرد، دون الوقوع في فخ الزخرفة أو الغموض المجاني.
فاللغة هنا أداة كشف معرفي، لا مجرد وسيلة تجميل بلاغي.
سادسًا: مكامن القوة الفنية
1. نجاح العتبة النصية في تأسيس أفق تأويلي متماسك.
2. جرأة الطرح في مقاربة المسكوت عنه اجتماعيًا دون خطابية.
3. العمق النفسي في بناء الشخصية النسوية.
4. توظيف واعٍ للفضاء الروائي بوصفه عنصرًا دلاليًا فاعلًا.
5. لغة سردية منضبطة تجمع بين الكثافة والوضوح.
سابعًا: مساحات التطوير والمآخذ النقدية
1. إطالة وصفية في بعض المقاطع الانفعالية تؤثر في الإيقاع.
2. هيمنة الصوت السردي الواحد على حساب تعددية الأصوات.
3. مباشرة جزئية في بعض التعليقات الاجتماعية.
4. خاتمة مفتوحة قد لا تُشبع التوقع الدرامي لدى بعض القراء.
ثامنًا: الإطار النظري والمراجع
● ميخائيل باختين: مشكلات شعرية دوستويفسكي.
● جورج لوكاتش: نظرية الرواية.
● عبد الله إبراهيم: السردية العربية: البحث عن هوية.
● يمنى العيد: في معرفة النص.
● فاطمة المرنيسي: الخوف من الحداثة.
تاسعًا: السرد والوعي الاجتماعي
لا تنفصل البنية السردية في «ستائر شفافة» عن وعي اجتماعي نقدي يتشكّل عبر التفاصيل اليومية الصغيرة، لا عبر الشعارات الكبرى.
فالرواية تُدين منظومة القهر من داخلها، عبر رصد آلياتها الناعمة: الصمت، التواطؤ، الخوف من الفضيحة، والامتثال القسري للأعراف. وبهذا المعنى، ينتمي النص إلى ما يمكن تسميته «الرواية الكاشفة»، التي تفضح دون أن تعلن، وتُربك اليقين الأخلاقي السائد بدل أن تستبدله بيقين مضاد.
عاشرًا: البعد النسوي بين الخصوصية والكونية
لا تقف الرواية عند حدود التجربة النسوية الخاصة، بل تنفتح على أفق إنساني أوسع. فالمرأة في النص ليست رمزًا تجريديًا، بل كائنًا تاريخيًا محكومًا بشروط اجتماعية محددة.
ومع ذلك، فإن معاناتها تُقدَّم بوصفها نموذجًا مكثفًا لمعاناة الإنسان حين يُسلب حقه في الجسد والاختيار.
من هنا، تتجاوز الرواية التصنيف الضيق للأدب النسوي، لتلامس أسئلة الحرية والكرامة الإنسانية.
حادي عشر: تقنيات السرد والضمائر
تُوظّف الكاتبة ضمير الغائب القريب من ضمير المتكلم، في تقنية تُبقي السارد على مسافة دقيقة من الشخصية، دون أن تفقد السرد حميميته.
هذا الاختيار يسمح بتمثيل التمزق الداخلي للشخصية، ويمنح النص قدرة على الانتقال بين الوصف الخارجي والتداعي الداخلي بسلاسة.
ثاني عشر: إيقاع السرد وبنية المشهد
يتراوح إيقاع الرواية بين البطء التأملي والتسارع الدرامي، تبعًا لطبيعة المشهد السردي.
فالمشاهد النفسية تطول عمدًا لإبراز التوتر الداخلي، بينما تأتي المشاهد الحوارية مكثفة ومقتضبة.
ورغم ما قد يُؤخذ على بعض المقاطع من إطالة، فإن هذا البطء يخدم – في المجمل – طبيعة النص التأملية.
ثالث عشر: الرواية في سياق السرد النسوي المصري
يمكن قراءة «ستائر شفافة» في سياق تطور السرد النسوي المصري، إلى جوار أعمال رضوى عاشور، وسلوى بكر، ومنى الشيمي، حيث يتراجع الخطاب الأيديولوجي المباشر لصالح بناء سردي أكثر تعقيدًا، يشتغل على الذاكرة والجسد واللغة بوصفها حقول صراع رمزي.
خاتمة موسَّعة
تُعد رواية «ستائر شفافة» عملًا سرديًا ناضجًا، يجمع بين الحس الجمالي والوعي النقدي، ويؤكد قدرة الرواية العربية المعاصرة على مساءلة البنى الاجتماعية عبر أدوات فنية رفيعة.
وعلى الرغم من بعض المآخذ المتعلقة بالإيقاع وتعدد الأصوات، فإن الرواية تنجح في ترسيخ صوت سردي خاص بصباح عبد النبي الدويري، صوت يكتب من منطقة الجرح، لا من منصة الادعاء، ويحوّل الشفافية من مجرد وصف بصري إلى مفهوم نقدي يفضح هشاشة الستر الاجتماعي.