تنسج قصيدة الشاعر كاظم حسن سعيد لوحة تراجيدية صامتة، تختزل صراعاً أزلياً بين “الزمن” و”الجسد”، وتؤرخ للهزيمة الحتمية التي تلحق بالكائن البشري حين تضع الحرب أوزارها بين رغباته وقواه المادية. هي قصيدة لا تتحدث عن الحب، بل عن أطلال الرغبة، وعن الفجوة المخيفة التي يحفرها العُمر بين روحين كانتا يوماً ما في مركز العاصفة.ثنائية الحركة والسكون: التباين القاتليبدأ النص بمشهدية سينمائية “ما يزال المحلان متجاورين”، لكن هذا التجاور الجغرافي يقابله تباعد وجودي شاسع. الشاعر يضعنا أمام مفارقة عمرية (الثلاثين مقابل الخمسين) ليست مجرد أرقام، بل هي توصيف للحالة الميكانيكية للجسد. هو “نشط يبكر”، وهي “تستقر مراقبةً”، في إشارة ذكية إلى تحول الجسد من “أداة للفعل” إلى “موضوع للقلق”.تتجلى قسوة النص في استعانة المرأة بـ “شبه مشرد” لنقل الصناديق؛ فالعجز هنا ليس عضوياً فحسب، بل هو إعلان رسمي عن سقوط “السلطة الجسدية” التي كانت تملكها يوماً ما.فلسفة الوجع: من “الافتراس” إلى “السكري”ينتقل كاظم حسن سعيد ببراعة من الحاضر الراكد إلى الماضي العاصف، مستخدماً لغة مشحونة بالحدة (زوابع، يسوط، عاصفة الافتراس). هذا التضاد بين “عصا الرغبة” القديمة التي كانت توشم جسدها، وبين “عصا العجز” الحالية، يمنح القصيدة بعداً سيكولوجياً عميقاً.إن الشاعر يطرح سؤالاً وجودياً مريراً: كيف تتكلس الانفعالات؟وكيف يتحول “التأوه الكوني” الذي كان يملأ المدى إلى صمت ثقيل يقطعه فقط القلق من “النكسات الصحية”؟المرأة في القصيدة لم تعد تخشى غياب الحبيب، بل باتت تخشى “تقلبات الجسد” وعلاج “السكري”. لقد استُبدلت لغة اللذة بلغة البقاء، وتحولت العاصفة إلى مجرد “تفكير بالعلاج”.سيميولوجيا النظرة:مرآة الخسائرفي ختام النص، تظهر النظرة كأداة للبوح السري. هو “عينان محدقات بالنساء”، في إشارة إلى استمرارية “الحيوان الصياد” بداخله، بينما هي تلقي على المتبضعات “نظرات تجسّم الخسائر”.هذه الجملة الختامية هي ذروة الألم في القصيدة؛ فهي لا تنظر إليهن بحسد، بل تنظر إليهن كمرآة لما كانت عليه، وكتحذير لما سيصرن إليه. هي ترى في كل امرأة شابة “مشروع خسارة قادمة”.الخاتمة:جمالية الهزيمةلقد نجح كاظم حسن سعيد في تجريد الجسد من هالاته الرومانسية، ليعرضه في حالته الخام: مادة قابلة للعطب والنسيان. القصيدة ليست مجرد رثاء للشباب، بل هي تشريح دقيق للحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن “الحروب” التي خاضها باسم الحب والرغبة، لم تترك له سوى “أوشام” خفية وذاكرة مثقلة بالندوب.إنها قصيدة “تعبت وتشبّعت من الحروب”، تماماً كبطلتها التي آثرت السلام مع السكري على صخب العواصف التي لم تعد تقوى على ريحها.د.عادل جودة/ كركوك
…..
( بعد شيخوخة الجسد )
ما يزال المحلان متجاورين
هو عبر الثلاثين
هي تجاوزت الخمسين
نشطا يبكر لمحله
تستقر وهي تراقب جسدها خشية النكسات الصحية
تدعو شبه مشرد،اشعث، نحيلا لينقل صناديق المخضرات لمحلها
لم تعد تقوى
لقد وهن الجسد
هو عينان محدقات بالاجساد الأنثوية التي تتسوق،
هما لا يتبادلان حوارا ولا نظرات
كانت الزوابع بينهما تجري قبل عشر سنين
كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه..
كيف تجمدت الرعشة من النظرات
فيها وتكلس الانفعال
كيف اصبحت تستفزها الكلمة والهمسة واللمسة
وحين تتلاقى النظرات
هل تفكر بتلك الليالي
وهي مذابة بعاصفة الافتراس
بالعصي التي تحمل الان وشمها
بتأوهات كونية تتدفق منها
لقد تعبت وتشبّعت من الحروب
وفيما يقف مزهوا
تتحاشاه
وتفكر بعلاج السكري
وتراقب تقلبات الجسد
وتلقي على المتبضعات
نظرات حزينة
نظرات تجسّم الخسائر.