– النص :
خريف
لم تعد تثيرني هدايا الأحفاد بعيد ميلادي، فقد ألفت اشمئزازهم من رائحتي وأنا أغط في سبات عميق.. وهم يتنططون في غرفتي بدار العجزة..
ما يؤرقني فعلا هو نظرة تلك الممرضة البدينة التي اطلعت على ملفي الطبي و اكتشفت أني عقيم !
حسن أجبوه
المغرب
– القراءة
نصٌ يمتاز بالاقتصاد اللغوي، والصدمة في القفلة، والتكثيف الرمزي. فلندخل إلى خباياه و نستكشف طرحه أنا أرى في العنوان منظورين، أحدهما رمزي وزمني، يرمز إلى مرحلة متأخرة من الحياة، إلى الشيخوخة والانحدار. و الثاني تأويلي، الخريف تعبير مجازي عن الانطفاء الجسدي والمعنوي، وربما الزيف أو الخديعة. نعم إنه “تعرية” لكذبة مسكوت عنها عمرًا .. و لكن ما هي الكذبة؟ و هل للراوي علاقة بها ؟ لنرَ..
أحفاده: ألفت اشمئزازهم/ يتنططون بغرفتي في “دار العجزة” ..
الجد: لم تعد تثيرني هداياهم / دار العجزة / تؤرقني نظرة الممرضة / اكتشفت أني عقيم/
اعتمدت على هذه العبارات، لأبيّن أولًا المفارقة التي ستقودني إلى اكتشافي..
الأبناء تخلّوا عن رعاية الأب العجوز، فهو في دار العجزة و بالتالي نرى لامبالاة الأحفاد في سلوكياتهم > لا صلة بيولوجية تجمعهم
الجد العجوز : لم أعد أكترث…/ سبات عميق ، يعطي إحساسًا ثقيلًا بالعزلة، والنبذ، والشيخوخة غير المُحتفى بها و لكنه يقبل بالأمر الواقع دون تذمّر > مدرك لحقيقة عدم وجود رابطة بيولوجية
لنصل إلى
“ما يؤرقني فعلا هو نظرة تلك الممرضة البدينة التي اطلعت على ملفي الطبي واكتشفت أني عقيم”
لقد أحدثت القفلة ما يشبه الانفجار الوجودي داخل بنية النص القصيرة، وتعيد قراءة المقدمة بأثر رجعي جديد
هو يناديهم أحفادي، و لكن الخاتمة أظهرت عكس ذلك.. و السؤال : هل كان يعرف أنه عقيم، و قبل بوضعية ” خيانة الزوجة” كوسيلة دفاعٍ نفسية أمام مجتمعٍ يرى في العقم نقصًا في الذكورة؟
سؤالي هذا يطرح احتمالًا نفسيًا–وجوديًا يتقاطع مع مفهوم الدفاعات النفسية اللاواعية، خصوصًا الإنكار (Denial) والإسقاط (Projection).
فدعوني أتناول هذا الاحتمال بتحليل دقيق..
الدلالة النصيّة،
“ما يؤرقني فعلاً هو نظرة تلك الممرضة البدينة التي اطلعت على ملفي الطبي واكتشفت أني عقيم!”
نلاحظ أن الراوي/ الجد العجوز لا يقول إنه اكتشف أنه عقيم، بل إنها هي / الممرضة /من اكتشفت. لذلك فإن مشاعر الخزي والانكشاف تأتي من انكشاف الأمر أمام الآخر، لا من ذات الاكتشاف. و هذا يوحي أن الراوي كان يعلم بذلك سلفًا، لكن يتكتّم عليه أو يدفنه نفسيًا.
لذلك هو يلجأ إلى حيلة الدفاع النفسي الممكن- قبول خيانة الزوجة- فالاحتمال الأقرب وفق سؤالي، “هل قبِلَ بوضعية أن أبناءه ليسوا منه -خيانة الزوجة-، كوسيلة دفاع عن إحساسه بالنقص؟”
الإجابة من منظور التحليل النفسي: نعم، هذا محتمل بقوة، بل هو دفاع كلاسيكي في مثل هذه الحالات. وإليكم التفصيل:
*الدفاع عن الهوية الذكورية عبر الصمت، في مجتمعات تساوي الرجولة بالإنجاب، فإن العقم يُنظر إليه كـ”نقص رجولي”. ولأن هذا محرّف لهويته الاجتماعية، قد يلجأ الراوي إلى السكوت عن الحقيقة، و السماح بالمفارقة -أن له أولادًا- و بالتالي القبول الضمني بخيانة الشريكة كشرٍّ أقل من انكشاف عُقمه.
و هذا ما يُسمى في التحليل النفسي بـ:“الاستبدال الرمزي”: أن تعيش بوهم اجتماعي مريح /أب أو جد/ بدل واقع داخلي مؤلم “عقيم ومرفوض”.
*مفارقة: الشعور بالخيانة = وسيلة للبقاء ، فما قد نراه نحن كـ”إهانة عظمى” (خيانة الزوجة) قد يكون عنده مخلّصًا نفسيًا من خيانة أعمق: خيانة الجسد له.بما معناه “أن تُخدَع خيرٌ من أن تُفضَح”.
*الدليل في السلوك السردي: تركيزه على الممرضة لا على الأبناء, فهو لا يسأل نفسه هل هم أبنائي فعلًا؟/ لماذا خدعوني؟ بل يُركّز على نظرة الممرضة بعد أن عرفت سره: “نظرة تلك الممرضة البدينة…” أي أن الخزي مركّز على افتضاح العُقم لا على احتمال الخيانة، مما يدل على أنه سبق وأن كوّن اتفاقًا داخليًا مع الفرضية البديلة “أن أبناءه ليسوا من صلبه”.
و النتيجة :
نعم، الراوي على الأرجح يعرف أنه عقيم، وقد اختار وعيًا/لاوعيًا قبول خيانة زوجته، لأنها تمنحه صورة “أب” تُبقي على هويته الاجتماعية، وتحميه من وصمة الضعف في مجتمع لا يرحم الاختلاف الذكوري. هو إذًا أب في العلن، عقيم في السر، وخائن للذات في العمق. و هذا يفسّر “الشعور الأقسى-” متمثّلًا بكلمة تؤرقني”- أنه ليس في الجحود أو الوحدة، بل في نكسة الهوية الذكورية المربوطة بالخصوبة “اكتشفت أني عقيم!”: هذه الجملة أحدثت انهيارًا داخليًا عميقًا، يتجاوز الإهانة إلى تفكك صورة الذات.
فالنص برأيي يناقش موضوعًا فلسفيًا جوهريًا: الهوية المبنية على الوهم الاجتماعي
فإذا ما ربطت هذه الاستنتاجات بالعنوان، قد أعطي الكاتب عذره في اختيار ” خريف” كعنوان دلالي يشير إلى التعرية و تكشّف حقيقةٍ سعى العجوز إلى إخفائها.