لو تصفحنا كتاب ذاكرة الحناء بشكل عام للكاتب ( ماجد عبد الحميد المطوري ) وهو من مواليد قضاء الفاو عام ١٩٦٦
نتجول في اروقة الزمان الجميل حيث العفوية والطيبة والبراءة والصدق ، لجيل ٍ غني ٍ بالاصالة والحب والتعايش الحضاري والمتنوع بكل جوانبه
ويُعدّ هذا الكتاب عملًا سرديًا توثيقيًا يقع في منطقة ٍ وسطى ما بين القصة القصيرة والسيرة الذاتية و الذاكرة الاجتماعية ..
فالكاتب لا يكتب عن الفاو بوصفها مكانًا مجردًا ، بل بوصفها كائنًا حيًا تشكّل عبر الناس، الأمكنة، الحوادث اليومية، واللهجة المحلية.
فالكتاب يضم تسعًا وأربعين حكاية، كُتبت أغلبها بوعي طفل سبعيني، ثم أُعيد ترتيبها وتدوينها بوعي المثقف الراشد، وهذا ما يمنح النص صدقه ودفئه في آن واحد ، اما البناء السردي والتقنية الفنية فالراوي هو الكاتب نفسه، لكن بوجهين ..
الوجه الاول .. طفل يرى العالم بدهشة وخوف وبراءة
والوجه الثاني … رجل بالغ يعيد قراءة تلك الدهشة بوعي نقدي
وهذا الازدواج يمنح السرد صدقًا عاطفيًا وعمقًا دلاليًا غير مباشر .. ، اما اللغة بسيطة، شفوية أحيانًا، و قريبة من لهجة أهل الفاو ، وتخلو من الزخرفة المتكلّفة و تعتمد الوصف الحسي (الصوت، الرائحة، المكان) وهذا يخدم فكرة الكتاب بوصفه ذاكرة شعبية لا نصًا نخبويًا.
اما الزمن هو سبعينات القرن العشرين، لكنه ليس زمنًا تاريخيًا بقدر ما هو زمن يومي وزمن ما قبل الخراب وزمن يسبق الحرب والتهجير..
و يمكن تصنيف قصص الكتاب إلى أربعة محاور رئيسة وهي …
* قصص الشخصيات الشعبية ( أبطال الهامش )
وهذه من أقوى قصص الكتاب فنيًا وإنسانيًا.
أبو خ…….وي التنك
وهي شخصية غامضة، فقيرة، تعيش على هامش المجتمع، لكنها تحمل حكمة صامتة. و نصيحته للأطفال بعدم الانبهار بسفينة «البردي» تتحول رمزيًا إلى نقد مبكر لفكرة “الحداثة الزائفة” ونذير شؤم قادم .
اما شخصية عيسى الأخرس
وهو عامل الثلج القوي الجسد، النقي السريرة حيث يمثل قيمة العمل والعدالة الاجتماعية والتكافل في مجتمع بسيط وهو بطل بلا خطاب، وبلا ادعاء، وبلا سلطة.
وشخصية أبو قيس (حبيب)
خباز الفاو فهو رمز الشهامة وحارس الأخلاق الشعبية حيث يتدخل لحماية فتاة من التحرش دون تردد وهنا تتحول هذه المهنة ( الخباز ) إلى مؤسسة أخلاقية لا مجرد مكان عمل.
وشخصية ( هاء )
الذي كان ينادي بين الاحواز والشوارع عن افلام السينما حيث كان يعتبر اعلان متجول يطلق الهتافات والاصوات عن اسم الفلم ونوعه وابطاله ليرغب الناس للذهاب الى السينما
وشخصيات اخرى مثل ( السيد ميم وبائع المشروبات الروحية سلمان ) والمشاجرة التي جرت بينهم حيث كان ميم يعمل حمالا ً والسيد سلمان لا يريد ان يأخذ اجرة الربعية نبلا ً وشهامة ً منه لعدم اشتغاله ُ في ذلك اليوم فيمون ردت فعل السيد ميم عدم القبول لعزة نفسه )
اما قصص المكان (المدينة بوصفها بطلًا)
الكتاب يُؤرشف أماكن اندثرت:
مثل المقاهي (گهوة ناصر، گهوة غريب، گهوة زنك…)
المخابز و العلوة و المقبرة و دور السينما و نهر الجبيلة
والمكان هنا ليس خلفية ، بل شريك في الحدث وصانع للذاكرة ، وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة لا تعوّض عن تاريخ الفاو الاجتماعي
اما قصص الصدمة والوعي المبكر فهي تتجلى في قصة الطفل الملقى في النهر (قصة “النغل”)
من أكثر القصص قسوة ً ، طفل يكتشف الجريمة لأول مرة ويفهم لاحقًا معنى الخطيئة الاجتماعية
حيث ان القصة تمثل اصطدام البراءة بالواقع
و بداية تشكّل الوعي الأخلاقي
وعندما نتطرق الى قصص التهجير والقصف (1980)
تتحول الحكايات من دفء إلى رعب القصف و الهروب و المدارس كملاجئ و الخوف من السلطة ، هنا ينكسر الزمن الجميل ، ويدخل النص في منطقة الألم الجمعي.
ولقصص الطفولة واللعب والفن الأناشيد الشعبية و ألعاب الأطفال و السينما و الاستعراضات المدرسية حتى هذه التفاصيل البسيطة تحمل بذور الثقافة وتكشف انفتاح الفاو الاجتماعي مقارنة بمدن أخرى وواقعها الجميل في التعايش مع مختلف الثقافات وهنا ينوه الكاتب على ان الفاو كانت تمتلك اربعة سينمات بينما مركز البصرة كان يمتلك ثلاثة فقط .. وهنا يؤكد الكاتب بان الفاو كانت متحضرة جدا .. ولا تقاس بالمدن الاخرى في وقتها ..
اما البعد الثقافي والهوية فالكتاب يؤكد أن الفاو مدينة متعددة (شيعة، سنة، مسيحيون، صابئة) متسامحة مفتوحة على العالم (ميناء – سينما – تجارة) وهذا ينسف الصورة النمطية عن المدن الطرفية.
ومن خلال ما قدمناه من تحليل وافي وموسع لعمق الفكرة في الكتاب نستخلص ان الكتاب فيه …
صدق التجربة و توثيق الذاكرة الاجتماعية و قوة الشخصيات الواقعية و ذاكرة الحنّاء ليس مجرد كتاب قصص، بل هو
أرشيف إنساني وصرخة ضد النسيان ومحاولة إنقاذ مدينة من المحو .. و إنه كتاب يُقرأ بوصفه أدبًا وبوصفه وثيقة وبوصفه شهادة أخلاقية على زمن جميل انكسر ويُستحق الكتاب أن يُدرَس ضمن .. أدب الذاكرة و السرد المحلي وتاريخ المدن العراقية الآفلة ..
وهو متحف للتراث المفقود في مدينة ٍ غاب تاريخها الجميل عن الاستذكار بين الاهمال والتهميش والنسيان .. حتى جاء هذا الكتاب( ذاكرة الحناء ) فيبعث فيها الحياة مرة اخرى من خلال ما دونه الكاتب المبدع الدكتور ماجد عبد الحميد المطوري من معاني وكلمات معبرة تسترسل الى الاذهان والعقول والعاطفة .