بصوت خديجة
لم أعد أفرّق بين الليل والنهار. كلّ الساعات صارت رمادية، وكلّ النوافذ تُطلّ على نفس الفراغ. كنت أعدّ أنفاسي كما لو أنّها حباتُ رملٍ تتسرّب من كفٍّ مفتوحة. في كلّ نَفَس، أسمع داخلي صوتًا خافتًا يشبه البكاء… ثم يصمت.
ذلك الصوت كان طفلي.
كنت أضع كفّي على بطني فأشعر بأنّ العالم ما يزال بخير، بأنّ هناك حياة تختبئ في داخلي لتمنحني سببًا واحدًا للبقاء. لم أكن أطلب من الله سوى هذا السبب. لم أكن أريده وسيمًا، ولا ذكيًّا، فقط حيًّا. كنت أريد أن أراه مرّة واحدة، ولو لدقيقةٍ واحدة، قبل أن تأخذه السماء.
لكن السماء لم تنتظرني.
لم تكن حياتي قبل الحمل سوى سلسلة من الفصول الباردة. وُلدت في بيتٍ طينيٍّ بأطراف مدينةٍ صغيرة، بيتٍ كانت الأمطار تقتحم سقفه كلّ شتاء، فتختلط رائحة الطين برائحة الخوف. كان أبي رجلاً صامتًا، كأنّ الكلام حرام عليه. أمّا أمّي، فكانت تزرع الصبر فينا كما تُزرع الحنطة، وتقول: “الحياة لا تُحبّ الضعفاء يا خديجة، كوني حجراً كي لا تنكسرين”.
كبرتُ وأنا أحاول أن أكون ذلك الحجر. كنت أبتسم في وجه القسوة، أضحك كي لا أبكي، وأقنع نفسي أن الصبر شكلٌ من أشكال القوة. حين تزوّجت “يوسف”، كنت أظنّ أنني أخيرًا وجدت الدفء الذي هربتُ منه سنين. لم يكن غنياً، لكنه كان يملك قلبًا صافياً. كنا نحلم معًا ببيتٍ صغيرٍ وأطفالٍ يملؤون الفراغ بيننا ضحكًا.
ثم جاء الحمل، كالمعجزة.
في اليوم الذي أخبرني فيه الطبيب أنني حامل، شعرتُ أن العالم يُنبت أزهارًا في صدري. عدتُ إلى البيت وأنا أحتضن بطني الخالي كأنه كنز. يوسف بكى، وأنا بكيت معه. ولأول مرة منذ زواجي، شعرتُ أن الفقر لا يخيفني، وأن التعب الذي ينهكنا لا معنى له أمام هذا الضوء الجديد الذي سينير حياتنا.
مرت الشهور الأولى ببطءٍ جميل. كنت أستيقظ كل صباح على خفقانٍ مختلف، وأحسّ أن شيئًا في داخلي يكبر، يزهر، يهمس لي أن أطمئن. كنت أكلّم طفلي كل يوم، أقرأ له القرآن، أغنّي له بصوتٍ مرتعشٍ حين أكون وحدي. وكنت أضع كفّي على بطني وأقول له:
«لا تخف يا صغيري… العالم قاسٍ، لكنه جميل حين نحبّ».
لكن العالم لا يحبّ كثيرًا.
بدأ يوسف يعود متعبًا أكثر من قبل. في الليل، كان يحدّق في السقف طويلاً، وكأنّ الأمل قد تسلّل من بين أصابعه. أخبرني أن الشركة التي يعمل فيها قلّصت الأجور، وأنه قد يُسرّح في أي وقت. كنت أبتسم وأقول: “لا تقلق، سنصبر”. لكنه لم يعد يبتسم. صار الصمت بيننا أطول من الكلام.
وذات مساء، بينما كنت أعدّ له العشاء، سقط الملعقة من يدي فجأة، شعرتُ بدوارٍ غريب وألمٍ حادٍّ في أسفل بطني. لم أقل شيئًا. أقنعت نفسي أنه تعب عابر. لكن الألم لم يرحل، كان يعود كالموج، أقوى في كل مرة.
صباح اليوم التالي، خرج يوسف باكرًا إلى عمله، بينما بقيت أنا وحدي. المطر كان يهطل بإصرار، والريح تضرب النوافذ كأنها تريد اقتلاعها. جلستُ على الكرسي الخشبي بجانب النافذة، ووضعت كفّي على بطني. قلت له بصوتٍ خافت:
«اصبر قليلاً يا صغيري، أبوك سيعود بعد قليل، وسنأكل معًا…».
لكن الصغير لم يُجب.
الألم ازداد. لم أعد أستطيع الوقوف. سقطتُ على الأرض وبدأت أزحف نحو الباب. كل شيء من حولي كان يدور، الحيطان، الضوء، صوت المطر، كل شيء صار ضبابًا كثيفًا. طرقتُ الباب بأظافري وأنا أصرخ طلبًا للنجدة.
جاءت الجارة، هرعت إليّ، ثم نادت أحد المارة ليساعدنا. بعدها لا أذكر سوى الطريق، سيارة تهتز، وجه يوسف المرتعب، صوته وهو يقول: “اصبري خديجة… ارجوكِ، اصبري قليلاً فقط…”.
في المستشفى، كانت رائحة المطهّرات تخنقني. أضواء بيضاء تلسع عينيّ. أصوات الممرضات تتداخل كأنها تخرج من مكانٍ بعيد. حاولت أن أقول شيئًا، أن أصرخ، أن أطلب طفلي، لكن لسانـي لم يتحرّك.
حين أفقت، كان الليل قد حلّ. رأيت يوسف جالسًا في زاوية الغرفة، وجهه شاحب، عيناه غائرتان كأنّهما بئران. نظرتُ إليه، فهرب ببصره إلى الأرض. فهمتُ دون أن يسألني أحد. وضعتُ يدي على بطني… كان فارغًا.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
كلّ ما فيّ صار صمتًا كثيفًا لا يشبه شيئًا.
بعد لحظات، دخلت الممرضة، وضعت يدها على كتفي وقالت:
«أنتِ بخير الآن».
نظرتُ إليها وابتسمت. لم أكن بخير. كنت جثّة تتنفّس.
في الأيام التالية، صار البيت أكبر منّي. الغرفة التي كنت أُحضّرها لطفلي صارت مقبرة صغيرة لحلمٍ مات قبل أن يولد. كانت ثيابه الصغيرة معلّقة على الجدار كأنها تنتظر من يلبسها. كنت أستيقظ ليلاً وأمشي نحوها، ألمسها برفق، وأتخيّل رائحته فيها.
يوسف حاول أن يواسيني، لكنه هو الآخر كان غارقًا في حزنه. صار يهرب إلى العمل، إلى المقاهي، إلى الشوارع. كنت أعذره. كان يحتاج إلى الهروب، وأنا كنتُ أحتاج إلى أن أُحبّ أحدًا… أي أحد.
أحيانًا كنت أجلس على الشرفة وأنظر إلى الأطفال في الأزقة. يركضون ويصرخون ويضحكون، فأبتسم رغم الدموع. أتساءل: هل كان طفلي سيشبه أحدهم؟ هل كان سيحبّ المطر كما أحبّه؟ هل كان سيأتي إليّ حين أخاف ويقول لي: لا تبكي يا أمي؟
ثم أتذكر أنني لن أعرف الإجابة أبدًا.
بعد شهر، ذهبتُ إلى قبرٍ صغيرٍ خلف المقبرة. لم يكن هناك اسم، فقط قطعة حجرٍ بيضاء كتبتُ عليها بخطي المرتجف:
“هنا يرقد طفلٌ لم يرَ النور، لكنه أضاء قلبي إلى الأبد.”
جلستُ أمامه طويلاً، والريح تداعب خصلات شعري، والسماء تُمطر ببطءٍ يشبه البكاء. أغمضتُ عينيّ، ومددتُ يدي إلى التراب، كأنني ألمس وجهه عبر الغياب.
قلتُ له همسًا:
«سامحني يا صغيري… لم أقدر أن أحميك. كنت أضعف من أن أحارب كل هذا العالم وحدي».
مرت الشهور، لكن الزمن لم يُغلق الجرح. كنت أرى النساء الحوامل في الشارع، فأنحني قليلاً كمن يتلقّى طعنة. كنت أرى أمهاتٍ يحملن أطفالهن، فأبتسم لهن وأشيّعهن بنظري حتى يختفين.
وفي الليل، كنت أعود إلى سريري، أضع كفّي على بطني الفارغ، وأتخيله هناك من جديد، ينام بسلامٍ في داخلي، بعيدًا عن ضوضاء العالم وخوفه.
كنت أقول لنفسي:
«ربما هو بخير الآن… في مكانٍ لا يُوجع فيه أحد».
لكن الحزن لا يُشفى بالدعاء وحده. كان يسكنني كما يسكن الظلّ الجدار.
في أحد الأيام، كنت أرتّب أغراض البيت حين وجدت ورقة صغيرة بين دفاتري القديمة. كانت قصاصة كتبها يوسف يوم علمنا بالحمل. كانت فيها جملة قصيرة:
“سيكون طفلنا دليلًا على أننا انتصرنا على القسوة.”
جلست على الأرض وبكيت حتى جفّت الدموع. لم ننتصر يا يوسف، قلت في سري، لكننا حاولنا… والله يعلم كم حاولنا.
الآن، بعد عامٍ كامل، أكتب هذه الكلمات وأنا جالسة بجانب نافذتي. المطر ما يزال كما كان، يطرق الزجاج كما طرقه في تلك الليلة. كل شيء كما هو… إلا أنني لم أعد كما كنت.
أصبحتُ امرأةً أخرى، تعرف أن الحياة لا تبرّر كل شيء، لكنها تستمر رغم ذلك.
امرأةٌ فقدت جنينها… ففقدت جزءًا من نفسها معه.
ومع ذلك، حين أضع يدي على صدري، أسمع نبضًا صغيرًا ما يزال هناك، في مكانٍ خفيٍّ بين القلب والذاكرة، ينبض باسمه، كأنّه لم يغادرني أبدًا.
ربما لم أفقده تمامًا… ربما صار هو الحياة التي أتنفّسها كلّ يوم، دون أن أراه.
لكن الحزن لا يُشفى بالدعاء وحده. كان يسكنني كما يسكن الظلّ الجدار.
في أحد الأيام، كنت أرتّب أغراض البيت حين وجدت ورقة صغيرة بين دفاتري القديمة. كانت قصاصة كتبها يوسف يوم علمنا بالحمل. كانت فيها جملة قصيرة:
“سيكون طفلنا دليلًا على أننا انتصرنا على القسوة.”
جلست على الأرض وبكيت حتى جفّت الدموع. لم ننتصر يا يوسف، قلت في سري، لكننا حاولنا… والله يعلم كم حاولنا.
الآن، بعد عامٍ كامل، أكتب هذه الكلمات وأنا جالسة بجانب نافذتي. المطر ما يزال كما كان، يطرق الزجاج كما طرقه في تلك الليلة. كل شيء كما هو… إلا أنني لم أعد كما كنت.
أصبحتُ امرأةً أخرى، تعرف أن الحياة لا تبرّر كل شيء، لكنها تستمر رغم ذلك.
امرأةٌ فقدت جنينها… ففقدت جزءًا من نفسها معه.
ومع ذلك، حين أضع يدي على صدري، أسمع نبضًا صغيرًا ما يزال هناك، في مكانٍ خفيٍّ بين القلب والذاكرة، ينبض باسمه، كأنّه لم يغادرني أبدًا.
ربما لم أفقده تمامًا… ربما صار هو الحياة التي أتنفّسها كلّ يوم، دون أن أراه.