مفتتح نقدي:
تتناول هذه الدراسة ديوان «عدالة شعرية» للشاعرة منى وفيق بوصفه تجربة شعرية تنتمي إلى أفق قصيدة النثر العربية المعاصرة، مع اشتغال خاص على مفاهيم العزلة، الجسد، اللغة، والعدالة بوصفها فعلًا ذاتيًا رمزيًا.
تنطلق القراءة من فرضية أن الديوان لا يكتفي بتسجيل التجربة الشعورية، بل يعيد بناء الشعر بوصفه محكمة داخلية، تُمارس فيها الذات مساءلتها للعالم ولنفسها، بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الشعاراتي.
الكلمات المفتاحية:
قصيدة النثر – العزلة – الجسد – العدالة الشعرية – الشعر النسوي – الكتابة الوجودية
البداية:
لم تعد قصيدة النثر العربية في راهنها الجمالي معنية بإثبات شرعيتها الشكلية، بقدر ما أصبحت منشغلة بإعادة تعريف علاقتها بالعالم والذات. في هذا السياق، يقدّم ديوان «عدالة شعرية» لمنى وفيق تجربة تذهب إلى أبعد من التعبير، لتؤسس لمساحة مساءلة داخلية، تتقاطع فيها الهشاشة الفردية مع سؤال العدالة الغائبة في الواقع. منذ العنوان، يواجه الديوان القارئ بمفارقة دلالية: كيف يمكن للشعر، بوصفه فعلًا هشًّا، أن ينتج عدالة؟
العزلة بوصفها اختيارًا معرفيًا
تظهر العزلة في الديوان لا كحالة نفسية طارئة، بل كاختيار واعٍ، ووسيلة مقاومة صامتة لعالم فقد اتزانه القيمي.
لا تكتب الشاعرة من موقع المنبوذ، بل من موقع من اختار الانسحاب كي يرى بوضوح.
هكذا تتحول العزلة إلى أداة إدراك، ومناعة ضد التماهي مع الزيف الجمعي.
الجسد: من الكينونة البيولوجية إلى النص
الجسد في «عدالة شعرية» ليس موضوعًا للبوح، بل مساحة اختبار ومساءلة. تتكرر صور الجرح، والثقب، والنزف، لا بوصفها عناصر درامية، بل باعتبارها لغة بديلة حين تفشل اللغة المعيارية. الجسد هنا يُستدعى بوصفه سجلًّا للخبرة، وموقعًا تتقاطع فيه السلطة، الخوف، والرغبة في النجاة.
اللغة والهشاشة البنيوية
تعتمد منى وفيق على لغة متكسرة، قائمة على التقطيع، والبياض، والفراغ الدال. هذا التفكيك لا يأتي بوصفه نزعة تجريبية شكلية، بل تعبيرًا عن عدم الثقة في الجملة المكتملة، وفي المعنى الجاهز. الصمت، في هذا الديوان، لا يقل دلالة عن الكلام، بل يشكّل أحد محركات المعنى الأساسية.
الديوان في سياق التجارب الشعرية العربية المعاصرة
يتقاطع ديوان «عدالة شعرية» مع تجارب مثل وديع سعادة في الاشتغال على العزلة، غير أن العزلة هنا ليست قدرًا كونيًا باردًا، بل اختيارًا أخلاقيًا واعيًا.
كما يلتقي مع تجربة إيمان مرسال في كتابة الجسد بعيدًا عن الاستعراض، لكنه يختلف عنها بتحويل الجسد إلى ساحة مساءلة لا ذاكرة حنين. وفي مقارنته مع تجارب نسوية احتجاجية مباشرة، يتبدّى تفرّد منى وفيق في اعتمادها الاحتجاج الداخلي بدل الخطاب الصريح، ما يمنح نصوصها عمقًا فلسفيًا يتجاوز الآنية.
لغويًا، تقترب تجربتها من سليم بركات في تفكيك الجملة، لكنها تستخدم اللغة بوصفها أداة نجاة لا أسطورة لغوية مكتفية بذاتها.
العدالة: من المفهوم القانوني إلى التجربة الذاتية
لا تحيل «العدالة» في الديوان إلى منظومة قانونية أو أخلاقية خارجية، بل إلى فعل وعي فردي.
الشعر هنا لا يُنصف العالم، لكنه يُنقذ الذات من التواطؤ معه. وبهذا المعنى، تصبح القصيدة مساحة حكم رمزية، تُصدر أحكامها بصمت، وبدون ادعاء.
زبدة تقييمية:
يؤكد ديوان «عدالة شعرية» أن منى وفيق تكتب من موقع ناضج داخل قصيدة النثر العربية، موقع يتجاوز الاحتجاج المباشر والبوح العاطفي إلى بناء رؤية وجودية واعية.
تتحول الهشاشة في هذا الديوان من ضعف إلى موقف، والعزلة من خسارة إلى معرفة، والقصيدة من مساحة تعبير إلى أداة مساءلة.
وبهذا، يقدّم الديوان إضافة نوعية للمشهد الشعري العربي، ويُرسّخ صوتًا شعريًا يُعوَّل عليه في إعادة طرح أسئلة الشعر من الداخل، لا من خارجه.
المراجع:
1-منى وفيق، عدالة شعرية، ديوان شعري.
2-أدونيس، زمن الشعر، دار العودة.
3-سوزان برنار، قصيدة النثر من بودلير إلى اليوم.
4-عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير.
5-إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق.