موفق الرفاعي:
اكثر ما يخشاه الحكام ويثير حفيظتهم هي الارقام. فالارقام تكشف عن فشلهم في ادارة البلاد وعجزهم عن مواجهة الازمات. وهم عادة ما يسعون اما الى تكذيبها وتفنيدها فورا او يتهمون الجهات التي تصدرها انها معادية ومغرضة والمسوحات والدراسات التي تجريها غير دقيقة.
الجهات الموثوقة لديهم، هو ما يصدر عنهم اثناء خطبهم الفانتازية وهم يستعرضون منجزاتهم غير الملموسة والخيالية او حين يُحَوّلون الارقام التي تصدر عن فشلهم في ادارة الدولة الى ارقام لمنجزات اسطورية لا وجود لها الا في خيالاتهم او ما يوهمهم به المستشارون والمقربون والموالون والشلة المستفيدة من حولهم.
بيانات منظمات دولية محايدة واخرى محلية، تقارير وزارة التخطيط العراقية، دراسات المراكز البحثية، جميعها متهمة في نظر المسؤولين وهي تكشف عن تقاريرها بالارقام مستقاة من واقع الحال لا الخيال.
لا يريدون ان يصدق الشعب تلك التقارير والبيانات والدراسات ويريدون له ان يصدق ما يصدر عنهم، فيما الشعب يعلم واقع الحال الذي يعيشه بتفاصيل اكثر دقة مما تصدره المنظمات ووزارة التخطيط ومراكز البحوث تلك.
لسنا بحاجة اصلا الى ارقام، عن من يعيشون تحت خط الفقر فتكفينا رؤية اعداد من يَتَحلّقون على حاويات الازبال. ولا عن معدلات البطالة المرتفعة ونحن نرى الشباب يقضون جل اوقاتهم على الارصفة وفي المقاهي وباعة عند اشارات المرور. ولا عن زيادة نسبة الارامل والايتام وكل عائلة ومحلة فيها منهم الكثير. ولا عن نسبة الامية التي تتصاعد ولا عن ظاهرة التسرب من المدارس.
لسنا بحاجة الى ارقام تُطلعُنا على حجم الفشل الحكومي في التربية والتعليم والخدمات البلدية ولا في تلوث مياه الشرب وتدني مستوى الخدمات الصحية.
لسنا بحاجة الى ارقام تثبت لنا الفشل في ادارة الملف الامني والفشل الذريع في مكافحة الارهاب ولا عن عدد ضحاياه يوميا. اذ يكفينا رؤية الجنازات وشواهد القبور وعدد السيارات المُلغّمة والعبوات الناسفة التي تُفجّر على مدار الساعة فتحصد ارواح الابرياء، لنعلم الى اي مستوى بلغ هذا الفشل.
لم نكن بحاجة الى ان نطلع على قائمة “ولث-أكس” للأثرياء للعام 2013، وان 175 عراقيا احتلوا فيها المرتبة السادسة ضمن اثرياء الشرق الاوسط، لنعرف ان كثرا من المسؤولين اما استحوذوا، او شاركوا او سهّلوا الاستحواذ على اموال البلاد وثرواتها الطبيعية وغير الطبيعية.
ان لغة الارقام لغة واضحة تستمد هذا الوضوح من استعصائها على التأويل. وهي بذلك تُعَبِّر عن واقع من الصعب تزييفه، حتى لو حاول الحكام ذلك واستماتوا في سبيله. وهي اضافة الى ذلك تعتبر التاريخ الحقيقي للحقب والعهود. وبها يمكننا الحكم على فترة ما انها كانت ناجحة ام فاشلة.