فضيلة مسعي -تونس
• وقفة تأمّل
في سن العشرين كان اسمي فراشة
و كان الشفق الأحمر يتوهج في وجهي
كنت طيبة كثيرا ووديعة كطفلة تلعب بعرائسها
تنتظر حلوى المساء من والدها
هدية صغيرة من أمها
ربما علبة ألوان
ربماريشة للتبرج
و قطعة قماش زاهية..
أعشق من الزهور النرجس
و أحب رائحة الياسمين
ظلال الشجرة الوارفة
عراجين نخلة تطلّ على باب دارنا..
و أحب صوت البلابل
حفيف السنابل
وميض المناجل
و العرق الجاري من السواعد..
في سن الثلاثين
بدأت أحلامي تسح كدمعي
ظهرت بعض الأخاديد على وجهي
على الجبين
و بين الحاجبين
قلت لازال في الشباب بقية
و لازلت طفلة بهية
كنت أصطاد ببندقية البقع السوداء التي ترتسمعلى ظهر يدي
و أقول إنها من المقليات
الأكلات الشهية الدسمة
و الجلوس كثيرا تحت الشمس
و كنت أعلم أنني كاذبة
في سن الأربعين
شاخت الشجرة التي كانت ظلالها وارفة
تقوست النخلة التي أمام باب دارنا
قبّلت الأرض تحت أقدامنا
تشققت الأرض من الجفاف
هاجرت الفراشات
ما نبتت سنابل
و لا غنت بلابل
ولا سمعت صوت المناجل
قلت: سن الرابعين نهاية الشباب المسكين
———-
• الإسكافي
كنقار الخشب
و بحبّات العرق و المواويل الحزينة
خاط الإسكافي جلد المدينة
.. كانت الخيول عالية الصهيل
.. الكؤوس تحمحم كذلك روائح العطر و البخور..
من شرنقة الصّباح
أطلّ حاملا جثته على أهدابه
و الكفن على الكفّ الممدود
تشابكت الشوارع بشوك الأسئلة
فتشابكت الأضلع بالمهزلة
.. و كتب الليل نصّه الأخير
——
• عذرا
عذرا تأخر الجمر
و الموقد لم تشعله أمي بعد
لا قلم لا مداد و لا ورق لدي
كيف ساكتب السطر الأول
على خارطة بلدي
و قد كتب النصّ على شارع من جثث..
——-
• أقحوانة
أقحوانة قلبي ووردته العاشقة
هبي بنسيمك على أغصاني
حرري أوراقها المنفية في عينيك
.. أملئي بفيك ما تدحرج من الندى عليها
قبل أن تخطفها النجوم
و تعاكس بها شمس الصّباح..
——–
• صريع الهوى
في ظمأ المدينة
دسّ ضجيجه الكافر بالصمت
و ارتوى من خاصرة الشوارع
من أثداء الظلام و هوى..
. فاستترت المدينة برداء من رماده
حدّث القوم أخباره نشرها
الحمام الزّاجل بالمثل فعل الركبان
وذاع صيته ككل صرعى الهوى..
————
• نوار الملح
في ربيع الكؤوس
يتفتح نوارالملح
يزهر في عيون الأحبة
في دمعة تعرج نحو خد غيمة…
في حصى الشوارع الجائعة
المهرولة نحو أقدامنا
مثل تفاحة أو قطعة حلوى
يتشكل فوق جناح فراشة
يندسّ في الماء
لعنة تحرس عرش الجراح
و تعرّش فوق تاج غيمة
في فوهة بندقية صيد
أو فتنة الرّيح
وهي توزّع على الحقل لقاحها
—————-
• المقامر
مصلوب هو في أقاصي مداه
في حبله السرّي
في مدوّنة الجراح
في لوح ذاكرته المفلول بفتنة الكلام …
على طاولة القمار
و عندما يخسر كل شيئ
تغريه الربح فيقامر بجلده…