حسين السنيد:
يوم صيفي لاهب في بغداد,حيث الشمس تقبل الأرض بحرارة . كانت منطقة الكرادة مزدحمة تعج بالضوضاء .سائقو المركبات يطلقون العنان لأبواق سياراتهم بشكل مسعور.عربات اليد الخاصة بالباعة المتجولين منتشرة بشكل عشوائي على اطراف الشارع ,يصرخون بين الحينة والفينة بالترويج لبضاعتهم و لفت انظار المارة لهم.
أشعة الشمس الحارقة تصطدم بالاسفلت والجدران فتنعكس كالسكاكين على المارة ,اولئك الذين يستقلون ارجلهم للحركة و يبدون وكأنهم كانو يمشون تحت المطر..بعضهم بيده أوراقا لمراجعة الدوائر وبعضهم الآخر يحمل أكياسا.
– قللو السيطرات وبعد الازدحام قاتل .. وين نروح؟؟
قالها احمد و مسح وجهه ورقبته بقطعة قماش رطبة.
احمد .. سائق سيارة أجرة و أب لثلاثة أطفال ,أكبرهم دخل المدرسة للتو.
شرب قليلا من ماء مثلج ورفع صوت المذياع , كان يشعر بشيء من الملل و عدم الارتياح لتعطله في الطرق المزدحمة و طبعا لأنه لم يسترزق مثل كل يوم.
دقت الساعة الثانية عشر ومعها بدأت نشرة الأخبار ..
– وقوع انفجار في مدينة الصدر و مناطق متفرقة من بغداد أودت بحياة عدد من المواطنين.
احمد : هم انفجارات !!! اوووف
هم بالبحث عن إذاعة اخرى و أدار الموجة تلو الاخرى إلى أن استقر على صوت اغنية بأنغام فرحة. وسرعان ما أصبح يدندن الاغنية مع صوت المذياع بهدوء .
حاول التخلص من زحمة السير و دخل بأحد الفروع ..فيما كان مندمجا تماما مع الاغنية ,رفع صوته شيئا فشيء ,حتى صار صوته بمستوى صوت المذياع.
قطع فجأة لحظاته الغنائية المرحة صوت هاتفه النقال , نظر إلى الهاتف , كانت زوجته المتصلة.
احمد : الو .. هلا
سمع صوت زوجته من بين أصوات قهقهات و صراخ مشاكسة الأطفال الملتفين حول امهم.
الزوجة : اهلا بك .. احمد وينك ؟
احمد : ساعة وأكون هناك ,إن شاء الله
الزوجة : الأطفال يردون أصباغ ..
مع هذه الكلمة ارتفع صوت الأطفال و صار أكثر فرحا و كأنها زقازق بلابل .
احمد: صار ..اجيبلهم . وانتهت المكالمة
سرعان ما اجتاز احمد الطريق الفرعي و وصل قرب مبنى محكمة الكرادة حيث هناك نقطة تفتيش , و سير حركة المركبات مصابة بالشلل. تأفأف من رؤية هذا المنظر وقام يقلب بنظره أطراف الشارع عسى أن يجد رزقه ,فهنا الكثير من المراجعين.
كانت سيارات الكيا والكوستر ,تحتل طرف من الشارع وطرف الآخر أشياء مشابهة وباعة السكائر والعرضحالجية يجلسون تحت مظلات.يأس احمد من بحثه وقرر أن يرجع إلى البيت.
حس بشيء غير طبيعيا يحدث.. ركض بعض العسكريين بسرعة نحو سيارة ,صعب عليه أن يحددها ,اتبعتها باطلاقات نارية في الهواء.و من الجهة الأخرى ركض عسكري اخر نحو السيارات في محاولة لإبعادها و هو يصرخ : مفخخة .. مفخخة .. ابتعد
ماهي الا لحظات و انفجرت السيارة ..وتطايرت الأشلاء, ارتطم رأس احمد بسقف السيارة بأثر قوة العصف و اتبعتها موجة من الزجاج المحطم وبعض القطع المعدنية, اصطدمت بقوة هائلة بالزجاجة الأمامية و فطرتها.
احتاج احمد لثواني ليستوعب ماحصل..كل من في الشارع من شباب وشيوخ ونساء تركض هربا من الموت, السيارات اصطدمت ببعضها البعض أو الأرصفة,إما بأثر العصف أو بأثر ارتباك وخوف سائقيها,صرخات الخوف تسمع من كل مكان فيما روائح الدم واللحم المهروس احتلت الفضاء.
– بسم الله الرحمن الرحيم .. كررها احمد عدة مرات بارتباك و استدار بسيارته نحو الجزرة الوسطية ليعبرها ..فاصطدم بها بقوة و توقفت السيارة.
حاول أن يهدئ ويسيطر على ارتجاف رجله , أعاد تشغيل السيارة محاولا أن يعبر الجزرة الوسطية بخفة , نجح هذه المرة .. عبرها وأصبح في الجهة الثانية من الشارع.
المكان كله كان تحت جناح الموت و طغى الظلام على النهار, التنفس أصبح صعبا عليه.
ركز جيدا و عبر بسيارته على قطع مهمشة من الزجاج وبعض القطع المعدنية و بعدها تحرك بأقصى سرعة ممكنة.
في اقل من لحظة ,ظهرت امرأة من الاتجاه الآخر , تهرول نحوه وتومي له بيديها ليتوقف, داس على المكابح بقوة ,فتسمرت السيارة في مكانها
احمد :اصعدي بسرعة
رمت المرأة بنفسها في السيارة و هي تلهث و وجهها احمر و عيونها تكاد تنفجر في الحدقات.
المرأة : الله يحفظك … الله يخليك .. الله يخليك لشبابك يوم
اجتاز احمد عدة شوارع بلمح البصر ,مبتعدا عن الجحيم الذي تركه خلفه فيما كان يرى سيارات الإسعاف المنطلقة نحو مكان الانفجار,المكان الذي لم يعد للحمائم والعصافير مكانا في سمائه المزدحمة بارواح الضحايا الصاعدة نحو الله.
المرأة : الله يخليلك جهالك يوم , نزلني هنا
بلع احمد ريقه و نظر لها من خلال المرآة , وكان يراها لأول مرة. امرأة كبيرة في العمر و ملامح الجنوب تصرخ فيها.
احمد : خو مابيج شي يوم ؟؟
المرأة : لا الحمد لله وشكر ابني ,مكتوبتلنة خبزة بعد , نزلني هنا ابني
احمد : اوصلج للبيت؟
المرأة : لا يا امي , روح على باب الله .. ما توكف على هاي
توقف احمد فيما كانت يديه و رجليه ترتجف, والصداع يدق في رأسه كالطبل.
امطرت المرأة احمد بدعواتها وهي نازلة من السيارةوبعد لحظات ضاعت بين الناس مثلما قطرة في البحر.
كان يتصبب عرقا و عينيه اصبحتا كالجمر ,شرب ما تبقى من الماء و وضع رأسه على المقود واغمض عيونه , تنفس بعمق و هدء قليلا, في هذه اللحظات بالضبط نسى نفسه و استعاد الدقائق الماضية مثل كابوس مظلم , و شفاهه بدأت الصلاة و الحمد.
حطم صوت هاتفه النقال صمت هذه اللحظات .. رد على الهاتف بصوت يرتجف:
احمد : الو
الزوجة : وين صرت حبيبي ؟؟ الاطفال بانتظارك
احمد : جاي .. بالطريق
الزوجة : لا تنسى الاصباغ
احمد : لا .. هسة اشتريلهم.
استطاع الكاتب بعباراته وكلماته ان ينقلنا الى ساحة الانفجار لنستقل سيارة التاكسي مع بطل القصة و نخوض التجربة .. و اوصل الفكرة بان العراقيين رغم كل شيئ هم اهل التحدي والصمود . قرأت اكثر من عمل لهذا الكاتب و هو قلم واعد في عالم القصة العراقية .