سعد عباس:
(1)
متحرّراً من وجَعِ الخيبةِ،
أزيحُ عن كاهلِي الرسائلَ الحزينةَ، نَشَراتِ الأخبارِ، أكاذيبَ مُحلّلينَ محنّطينَ، ومانشيتاتِ صحفٍ تتفنّنُ بالزورِ،
أزيحُ اللحْظَةَ عن كاهلِي / أغوصُ أعمقَ حيثُ الصَدَفاتُ:
شقيقاتُ الرِقّةِ في أصابعِ البيانو،
رشيقاتُ السِحْرِ في باليهِ الحروفْ،
أنيقاتُ الغُنْجِ في وضَحِ الكلامْ،
يا سلامْ.
يا صيفَ ظهيراتٍ يستظلُّ بِهنَّ، يا سلامْ،
يا العنبَ الأسودَ على شفاهِهنَّ يحمرُّ، يا سلامْ،
يا بنفسجَ “الكرّادةِ” يفتحُ لـ “الصالحيةِ” كفّيْهِ
كي تفيضَ “حنانْ”،
يا شَذاهُ في “سَحَرِ” انعتاقِهِ الملائكيِّ
من فمِ الكلامْ:
فمِ النهارِ اللا يَجيءُ،
لا يُضيءُ
دونَما شغفٍ.
فاصدحي “بلقيسَ” الأساطيرِ
يَبْرُقِ النهارْ.
ويا “إخلاصَنا” العفويَّ للحكايةِ من فَمِ النهرِ،
أيّنا تركَ المدَّ يسبقُهُ بخطوةٍ
حينَما استيقظَ النارنجُ من سُباتِ البرتقالْ؟.
لا أزالْ،
أسألُني نفسَ السؤالْ:
ضفيرةُ مَنْ يا “إلهامُ” زورقُنا السماويُّ
تشابهتِ الضفائرُ يومَها
أتذكرينْ؟.
أنقِّبُ في الطبيعةِ،
أينكِ الآنَ “سؤددُ”، يتُها الفراشةُ
في ممراتِ الطفولةِ
أينَكِ الآنْ؟.
(2)
متحرِّراً من نَزَقِ العَبْرَةِ
أغوصُ أعمقَ حتى لَيَنْحَتَني العُمْقُ / يَقْذِفَني على الجسرِ
أطِلُّ كشُرْفةٍ في “الكريماتْ”
على ساحةِ “جَمالْ”
هناكَ حيثُ استدارةُ العينِ يميناً / يُلَوّحُ دون جواناتٌ وفاتناتٌ للعابرينَ.
يَلْزَمُنا أن نكْبَرَ كي تفتحَ “الأندلسُ” أبوابُها لنا،
ولنا الآنَ أن نختلسَ النظراتِ الى صورٍ على الجدارْ
ونُفَبْرِكَ قصصاً لأفلامٍ ليسَ شرطاً أن نراها حينَ نَكْبرُ.
وحينَ نَكْبرُ، تدْفِنُ شاهقاتُ الكونكريتِ الأصمِّ أندلسَ الطفولةِ،
يختفي “جَمالْ”.
حينَ نكبرُ تخْتَنِقُ البلادُ / تَلْفَظُنا واحداً واحداً
حينَ نكبرُ لا بنفسجَ في “الكرّادةِ” يفتَحُ كفّيهِ لـ “الصالحيةِ” / كم تَضيقُ “الصالحيّةُ” كلّما ابتعدَ النهرُ عنها؟.
وها أنذا على الجسرِ، ثانيةَ، كشرفةٍ أطلُّ
على ساحةِ “جَمالْ”،
هناكَ، حيثُ استدارةُ العينِ شمالاً / “ليالي الصَفا” مُغَلَّقَةٌ عيونُها في النهارِ/ ليسَ للصغارِ شأنٌ بأسرارِها الليليّةِ
سوى أنّ بعضَنا استدرجَهُ الفضولُ
فانكشفَ السرُّ عن راقصاتٍ وسكارى،
ويَلْزَمُنا أن نكبرَ كي نُملّي العينَ بالخصرِ اليَميلُ،
سوى، أنَّ “الليالي” لم تنتظرْنا / ولم يبقَ إلا رصيفٌ كي أرى جوقةَ الفتيانِ حاملةَ ما تيسّرَ من جنونِها / تُسْمَعُ زقْزقاتُها في الرصيفِ الأخيرِ / فتفتحُ شجيرةُ الرمّانِ ثمارَها / ندخلُ العشَّ كعائلةٍ من النوارسِ نسرقُ فوائضَ الهدوءِ/ ونفرِضُ على المبنى، المحصّنِ بفلسفةِ الروّادِ عن الانضباطِ، فوضانا.
كأنّما المبنى ملعبٌ حين ندخلُهُ،
فأينَ الآنَ أنتم يا عناقيدَ النهاراتِ البعيدةِ؟.
أنادي من أشاءُ الآنَ منكم، وأنسى من أشاءْ،
فحينَ نكبرُ نعرفُ منْ كانَ منّا ومنْ كان فخّاً / كانَ طيفاً عابراً.
حينَ نكبرُ نعرفُ جيّداً فارقَ التوقيتِ بين زميلٍ وصديقْ،
فلا أرى في الطريقْ
سوى الذينَ ابتكروا قواربَ الوصلِ في جفافِ البلادْ.
(3)
مُتَحرِّراً مثلَ سماواتِ الغجرِ،
أغوصُ أعمقَ كي أرّتِّبَ الأعمقَ طبيعةً من وعودِ العجائبِ،
فيا “ضِرغامَ” الحكايةِ الأولى سنُبقيكَ تَحْرُسُ الفائضَ من وقتِ الظهيرةِ / ثمّةَ الآنَ متَّسَعٌ كي تُرّوّضَ “الأكورديونَ” / تُفْسِدَ “دوْزانَ” العودْ.
ويا “حَسَنَ” الطالعِ على سجيّتِهِ تَمَهَّلْ وانتظرْنا نُمَلِّ العينَ من “بابِنا الشرقيِّ” دقائقَ ثمّ نعودْ.
وانشغلْ ما شئتَ بالمقالبِ يا “علاءْ”
/ يا أوّلَ المنفضّينَ من لمّتِنا،
ستكونُ أوّلَ الراحلينْ/
ما فاتَكَ الكثيرُ من جنونِنا.. بل فاتَكَ الكثيرْ.
نَضَجَ الشهيقُ في أحلامِنا مبكّراً.
لم يكنْ “رائدُ” الحكايةِ الثانيةِ غافلاً عن سببِ التنافرِ بين البراءةِ والتصنّعِ حينَ هرّبَ الكتابَ في كيسِ الهدايا.
لم يكنْ صديقُنا المسعوديُّ ساذَجاً في حكايتِنا الثالثةِ حينَ هرّبَ “النوّابَ” في ساعةِ الذروةْ.
كانَ “غسانُ” يضحكُ في السرِّ، اكتشفتُ السرَّ ساعتَها، فاعتزلتُ الغناءْ.
كمْ نَضَجَتْ ظهيراتُ “الصالحيّةِ”، كلمّا بدأتْ حكايةٌ كانَ الصيفُ أسرعَ
وحينَ نكبرُ في أوّلِ الصيفِ، نكبرُ أسرعَ
حتى لَتنطَفيءَ الظهيرةُ قبل أن نشبعَ منها، وتنطَفيءَ البلادُ قبلَ أنْ…….
(4)
مُتَحَرِّراً منْ ضَجَرِ العزلةِ،
أغوصُ أعمقَ كي ألامِسَ العميقَ ما بينَ السطورْ
وحيدينَ كنّا في زُحامٍ نُحاوَلُهُ عنوةً
وكانت “لقاءْ”
وميضَ مسرّةٍ على مقاسِ البريءِ من فتوّةٍ.
ثمّةَ المطرُ الناعمُ، يرسمُنا
و”أثمارُ” ناعمةُ في الرسائلِ يومَها
والبريدْ
أبعدُ من بعيدْ.
نُغَرِّدُ خارجّ السربِ / نهرُبُ من نشازٍ مُربِكٍ / تُلاحِقُنا اضطراراتُنا فنحتالُ بالكناياتِ و”الحِسْجةْ” / نُدَرّبُنا على اقتناصِ غفْلَةِ المتَريّفينَ، ارتباكِهم، لنَمُرَّ من ثقوبِ الأرضِ / نَحملُ ما تيسّرَ من تَمَرّدِنا.
فيا “كمالَ” الحكايةِ الأقسى ويا “الصائحَ” في وَضَحِ الظهيراتِ: انتباهْ.
ويا “ابنَ جاسمٍ” لا تدعْ “مناضلَنا” يسرفُ في “المجازِ”،
لم ينتبِهْ أحدٌ في معهدِ الفنونِ / لكنّها غَفلَةٌ أخيرةٌ لـ “الامبراطورِ” انسحبْنا بعدَها فُرادى / انحسرْنا في الأخاديدِ / بلا طعمٍ ولا معنى / فهل مِتْنا؟، وهل كانتْ بناتُ الأراملِ يبكينَ على أحدٍ منا؟.
سوى أنّ صاحبَنا “البكّاءَ أمينْ”
تداركَنا في حكايتِنا قبلَ الأخيرةِ / لمْ يتّسَعْ وقتُ “الأكاديميةِ” إلا للتمرّدِ،
فيا عجبي، كيفَ عِشْنا في الزنازينِ سنيناً ثمَ لم يبتلعْنا الحوتْ؟
ويا عجبي، كيفَ أوْهمْنا طبولَ الحربِ أنّا سَمِعْناها، وأنّا نموتْ
ويا عجبي منكَ “خليلَ الطيّارِ” تسحَبُني من الصمتِ الى الصوتِ / من الصوتِ الى مدنِ الجنوبْ
كانَ “ابنُ الصويرةِ” يضحكُ / ماذا سيفعلُ يا “ابنَ يوسفَ” كائنٌ مرتَبِكٌ إذاً؟
ما الذي يجعلُ “ابنَ عبد السادةِ” مثلاً يضعُ البصرةَ تحتَ وسادتِهِ كي لا يَهْرُبَ الحُلْمُ لو نامَ عميقاً وجاءَ “الصكّارُ” كعادتِهِ ثملاً؟.
ولماذا يُهَرِّبُنا “كاميرانْ” خلفَ الكواليسِ؟ / أكنتَ تُدرِكُ لحظتَها بأنَ “الحميريَّ” يرسمُها نفقاً للمغامرينَ
أراكَ على خيرٍ إذا سَمحَتْ لنا الحربُ الجديدةُ يا “صلاحْ”
فكيفَ أراكَ يا “صفاءُ” وقدْ خَطّفّتْكَ المنيّةُ / أيَ “كوتٍ” بلا إحلامِكَ “الكوتْ”؟.
(5)
مُتَحَرِّراً منْ وَجَعِ الخيبةِ،
أغوصُ في العمقِ أعمقَ لأصرخَ : يا عُزلةَ الشرقِ المكبّلِ بالخرافاتِ،
أعيدي ظهيراتِ البنفسجِ أولاً
كي نعودْ.
* أكملتُ كتابة هذا النصّ في لندن 2002، وكنتُ بدأتُهُ في بغداد 1994