لم تكلمني تلك الليلة، جلست إلى جوار المرآة ترتدي أجمل المساحيق التجميلية ثم تأملت صورتها التي كستها بعض رتوش بداية الأربعين، مسحت وجه المرآة ثم نظرت إلي باستغراب وقد أوهمتها أني منشغل بقراءة رواية كانت تحمل اسم الحياة جديدة، لمست في محياها بعض التذمر فلليلة العاشرة ما أزال أحتضن هذه الرواية بشغف رهيب، لا أعلم سببا لهذا التذمر لكن افترضت أن تاء التأنيث هي جريرتي، من دون مقدمات قبلتني بحرارة، جعلتني أشكك في هوية هذه المرأة التي إلى جانبي. طوال سنوات لم ألحظ تلك النظرة في عينها، كان الأمر يدعوا إلى الريبة، فاجأت ترددي بقبلة أخرى كي تبدد شكوك اللحظة الأولى ثم احتضنتني كما تحتضن الزهرة عطرها، لم يثر ذلك الاندفاع أي رغبة جنسية لدي، بل أثار رغبة عميقة في البكاء، هي المرة الأولى فيما أذكر التي ينتابني هذا الشعور. حاولت جاهدا أن أتلفظ بكلمة تحجب ضعفي الظاهر للعيان، لم أستطع الكلام، لم أستطع حتى التنفس، لم يستطع ،هذا الذي خبر فن تحريك اللسان وتبييض المقامات، هزمته قبلة شاردة. انساب شريط الحياة بين عيني تذكرت كل ثانية من هذا الماضي الطويل، براءة الطفولة، شغب الشباب، مكر النضج ثم تذكرتها في أول لقاء في تلك المحطة حيث أضعت قطارا لأركب آخر، ناسيا كل ما كان. اليوم أجدني في نفس الموقف المتجدد غريب بين عينها، حيث تنام الذكريات، قلت لنفسي الغريبة، ما أجمل أن تتوقف الحياة هنا، في نفس اللحظة. كان البياض يلفني ويحملني إلى ما لا أعلم.