إن كان الصدق مبعث الكتابة الإبداعية عموماً والبوهيمية خصوصاً في كتابة القصيدة، فإن التمعن في تجربة الشعرية المتميزة للشاعر والأكاديمي (د. محمد صابر عبيد) تشتمل على متعةٌ نوعية، وذلك لغناها وتحلّيها بروح المغامرة والاختلاف والتجريب لشاعر له رؤاه الفلسفية والنقدية والتنظيرية في القصيدة الحداثوية مثلما له عوالمه المتفردة .
عندما يكتب الشاعر قصائده فهو بالمعنى المقابل إنما يشعرن تجربته الحياتية بعيداً عن معطيات الحياة المادية، وقريباً من الروح، الروح الصافية المتسامية على الزيف والقبح، والشاعر محمد صابر عبيد يحاول من خلال شعره الحفر في المكامن الإنسانية الجميلة فرحاً ولوعةً، يبتغي الوصول إلى أصل الكينونة ومعانقته، لأنّ الشاعر أصلاً هو مركز الكون والمحرّك الأساس لشروق الأشياء من حولنا، وشرط ذلك بطبيعة الحال أن يكون الشاعر خلاّقاً:
ضاع في الثلج جوازي
فركبتُ الرملَ أبحثُ عن طريق … صــ 182
و:
إنّ خوفنا من النورِ
هو الذي يُطمِعُ فينا الظلام … صــ 201

ومضات فلسفية للشاعر كأنها إضاءات للقارئ تعمل بوصفها مفاتيح لتآويل مختلفة، فالشاعر صاحب خصوصية وفرادة لأنه أسس لتجربته الشعرية عالماً خاصاً بها، عالماً ذا خصوصية يتمتّع بمركزية وجودية داخل المتغيرات المادية الزائلة لأنه كائن حسّي:
أراك بعينين دامعتين ضاحكتين تغالط كل الجنود، تمازحهم، تغازل كل البنات
وشدو الحياة
وترجع في آخر الليل جذلاً
يورقُ في جبهتك المخضلّة بالمسك حقلاً من عباد الشمسِ ..
حقلاً من فردوسْ.
من قصيدة (عريس الشفق) صـــ 250
من خلال تجربتي الشخصية في القراءة، خصوصاً قراءة تجربة الشعراء أصحاب الرؤى الحداثوية الكبرى كصاجي الشاعر محمد صابر عبيد، تستوقفي الجمل المختزلة والقصيرة، لكن المعبرّة وذات المعاني الفولاذية في براعة الإحساس حسب قول النفّري ((كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة))، فهذه المقولة قد تجسدت بالفعل في الومضات الفسلفية المكتنزة للشاعر كما لاحظته في مجمل أعمال الشعرية بما فيها المطولات.
تجربة تمتد إلى أكثر من ثلاثين سنة. تجربة غنية جسّدتها أعماله الشعرية الكاملة الموسومة بـ (هكذا أعبثُ برمل الكلام)، عنوان شعري وضع الشاعر فيه عصارة فكره الإبداعي المتموج كموجات البحر، والصافي كصفاء الصحراء والنقي نقاء هواء الجبال. هذا شاعر متميّز، هو ابن بارّ للبشرية ووريث جمالها وقبحها معاً، شاعر يدوّن بصيغة شعرية متفردة ملاحظاته الحياتية ذات الأبعاد كثيرة والدلالات الأكثر:
لا باب سوى بابي..
نعم !!
كل الأبواب التي سترينها لاحقاً..
هي نسخة مزورة من بابي صــ 304.
وفي محطة أخرى لتجربته والتي كونت لبناته الأولى لديوانه وبواكير قصائده جمعها تحت عنوان “أناشيد الحب”، كتب أجمل قصائده والتي أراها مدونة حسية صافية وذات أبعاد فلسفية وجمالية شاملة، ليست مجردة من الفكرة الإنسانية الممزوجة بثنائية (الروح – الجسد) إذ هي تعمل بروحهما معاً:
جسد في نور الناهلِ.. صقرٌ أسمرٌ
جسدٌ في عين الظلمةِ لؤلوة بيضاءٌ
التحم الجسدان بلحظة عشقٍ صوفية
– وانضم الليلُ..
إلى حاشية اللذة …
وأضاءا ما في متن الصفحةِ..
من عتمة ….. صـــ 20
الشاعر بوصفه طالبا أزلياً للمعرفة ووليداً بكراً لتقصي حقائق النفس والوجود والحلم، وفي سياحته الشعرية يعود إلى المنابع ليستذكر الروح والحياة والرؤية والفكر، ففي قصيدته المعنونة (يصابح وجهه البنفسج) مهداة إلى أستاذه العالم الجليل (د. عمر الطالب) يدعو الشاعر إلى استشفاف الرؤية وشعرنتها:
المسافات التي … عافتْ بواكير الثواني
طلعتْ تلمسُ في رفقٍ .. يديكْ
قبّلتْ بوح الصراع .. النارِ
بين النسغ والرؤيا…
وبين العين صـــ 65
وفي محطة أخرى لتجربته، تلك المحطة التي كوّنت لبناته الأولى لديوانه البكر وبواكير قصائده التي جمعها في ديوان (أناشيد الحبّ) كتب أجمل قصائده التي أراها مدوّنة حسيّة صافية، وذات أبعاد جمالية شاملة لكنها ليست مجرّدة من الحسّ الإنساني، أبعاد تعمل بثنائية الروح ـ الجسد:
جسدي في النور الناحلِ
صقرٌ أسمر …
جسدها في عين الظلمة
لؤلؤة بيضاء ..
التحم الجسدان بلحظة عشق صوفيّة،
وانظمّ الليل إلى حاشية اللذّة ..
وأضاءا ما في الغرفة من عتمة
محمد صابر عبيد شاعر له نشيده الخاص ومعزوفته المنفردة في عالم تحكمه التكنولوجيا المخيّمة على الحسّ الإنساني وعواطفه، بشعره الذي يستردّ الشاعر جمالات الحياة كلّها علّه يعيد لها نقاءها وصفاءها .
المصدر: ديوان (هكذا أعبثُ برمل الكلام) للشاعر د. محمد صابر عبيد من مطبوعات عالم الكتب الحديث، أربد، الأردن الطبعة الأولى 2010.
—
زميلي العزيز د. محمد صابر عبيد .. الفتى الأسمر الهادىء المسكون بالبركان الهادر…الذي عرفت عنه أنه كبير لكن بقلب طفل يبحث عن كلمات الصدق والاخلاص و الحب…ومع الأسف مازال ينتظر فجرا موعودا قد يطول بزوغ شمسه الدافىء المشرق………
تحياتي للكاتب
جميل ان يجد الشاعر من يحلل قصائده والأستاذ ئاوات اجاد وأحاط بالموضوع له كل تقدير