رشيد أمديون :
رأيتُ الحلاج في جبته الصوفيّة يترنّح في سكره، كان يصيح في أحد أسواق بغداد، وقد هام وَجْداً حتى كاد يقبل الأرض:
» أيها الناس… أقتلوني تؤجروا فاسترح، اقتلوني تكونوا مجاهدين وأكون أنا شهيدا… «
قلت له: يا أبا عبدِ الله، ألم تمل بعدُ من سياحتك في الأرض ومن وشطحاتك بين تيه العبارات والدلالات، ألم تَعْيَ من افتضاحك أسرارَ روحك؟
يا ابن منصور، لقد أسلت كلّ الدمع، والدّم في عروقك ما أبقيته…
اهتز ونظر إلى الأعلى، فصاح:
«…فليس يتركني ونفسي فأتهنّى بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه«.
قلتُ: حالك غريب يا رجل، أفكل الحب امتلكت!؟ وأنت القائل:
« اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي…»
فما رأيتك إلا وقد مُنحت الحياة بعد قتلك. وشغلت الفكر الإسلامي والغربي أيضا، وورثَ منك الأدباءُ الأشعار. كنت ومازلت من شواغل العقل المعاصر، وهكذا حُييت بعد الصلب، حياة خاصة.
ولما مددت كفي كي أنفض التراب من جبته الرثة، تراجع وصاح في وجهي منتهرًا:
لا تقترب مني، حذَارَكَ أن (تتحلّج)، فمن يدنو مني يناله ما نِلتُ، ولا يُسمعُ عنه بعد ذلك شيئا…
فقلت: انتظر…
أجاب: إليك عني يا هذا، فما أحببنا إلا لنفنى، والفناء حياة. فمن أحبَّه يُختطَف من ذاته… فدعني في غيبتي، دعني في حضرتِه.
فالتفتتُ، فإذا به قد تلاشى واختفى..!.
—-