اسلام عادل
اسلام عادل :
اما تقليدية, جل ما تسعى اليه هو ابقاء الامور على ما هي عليه.. تنجب طفلا كل عامين و احيانا كل عام. قانعة و مسلمة بوضفيتها في الحياة.. كلما مرت مدة اطول خيل اليها انها تتقن الحرفة. كل دقيقة تمضيها مع صراخ رضيعها تضن انها تكسب من الخبرة المتينة و تتعلم من الحياة الكثير..
تمضي الصباحات الجميلة و هي تطعم طفلا و ترضع اخر.. تضن انها تتقن لعبة الطبيعة و متفوقة و محظوظة.. تستجمع فتات مصروفها لتبتاعهم ثيابا ممزقة.. تأكل معهم ذات الطبق كل يوم.. تمرا و خبز.. ايامها متشابه, و لياليها قصيرة.. كنت اسمع صراخ اطفالها كل يوم.. و في كل لحظة يفصل بيني و بينها حائط.. اسمع بكاءهم لحنا و لزمجرة حناجرهم ايقاعا يطربني.. و هي كما هي تمضي معهم ذات الوقت كل يوم.. في كل لحظة تراهم يكبرون.. تنظر الى افواهم الصغيرة حين يتناولون الطعام.. الى عبثهم في المنزل.. الى شقاوتهم و عنادهم..
تراهم يكبرون و ينضجون.. تتغير ملامحهم من الطفولة الى الانوثة اوالى الرجولة.. يكبرون.. يتفقون معها حينا.. و حينا يختلفون.. لا تعلم شيئا… صراخهم يتردد في ذاكرتي.. و كم اكره ذاكرتي التي لا تقوى على نسيان اصواتهم الحانقة حين يجوعون.. و نبراتهم المستاءة حين يبردون.. تتخيل انها من الاشقياء لرؤية وجوههم الكدرة حين يحتاجون و في الحياة يتعمقون.
يفصل بيني و بين هؤلاء الاطفال سياجا على ارتفاع ليس بالكبير.. اسمع تنهيداتهم و ضحكاتهم كل يوم كما تسمعها هي.. احيانا تسترسل بالحديث معهم.. و احيانا اخرى توبخهم.. كنت اسمع دندنة صرخاتهم.. كنت أأنس بها. اتمنى لو استيقظ من سباتي على اوجاعهم و صراخهم.. احسد تلك الكلبة على نعمها التي لم تحرك مشاعرها.. انصت اليهم و انا اقرأ كتابا جديدا كل يوم ابدد به وحدتي..
اكرهها, اكره برودها, هي لا تستأهل شيئا من هذه النعم.. اكرهها حين تروي الي معاناتها مع الاطفال.. امقت وجهها الواجم حين تشتكي الي عوزها المتزايد كلما انجبت طفلا.. اكرهها حين تتذمر من ارقها و اوجاعها.. اعيش حياتها بتفاصيلها من خلف السياج و هي لا تعلم بمرارتي لانها غبية. كانت غبية و بلهاء.. تستحق ان تسلب منها النعم كلها و تترك لبلادتها…
اتمنى لو املك من الجرأة لاقتحم دارها و اخذ اولادها منها و اتركها لتاكل و تنام كباقي الحيوانات بلا مشاعر.. ينتابني احساس ان لي الحق بفعل ذلك بما انها لا تبدي احساسا قط حين انظر اليها و هي تحتضن ابناءها ببرود و بلا انتباه….
احيانا امل الاستماع و اذهب الي بيتها كي اراهم عن قرب.. حين اطرق الباب يتدافع الاطفال لفتحه.. كنت احس ان الباب يفرق بيني و بين الجنة.. اريد ان اعيش يوما واحدا في هذه الجنة التي لا تقدرها تلك البلهاء..
بعد ان يفتح لي الصبية الباب, اراها امامي.. امراه قصيرة القامة سمراء و نتنة.. تستقبلني مرحبة بصوت عالي يثير اشمئزازي.. و لكني لطالما اعجبت ببطنها المنفوخ.. كانت حاملا.. يزيدها الحمل بشاعة.. و اكرهها اكثر.. حين تجلس لتجاذب اطراف الحديث معي يتجمع حولها الاطفال فتضيق بهم ذرعا و تنظر اليهم بشزر مفرقة بينهم و بينها لئلا يضايقون رقبتها السوداء القصيرة او شعرها الاسود المجعد.. جبينها يتصبب عرقا.. عرقا يحمل هرمونات مختلفة احتفالا بالمولود الجديد, فاحس ان رائحتها تزداد عفنا و جبهتها تزداد قبحا.
لا ترى من الحياة ابعد من بيتها الذي لا يرتفع عن الارض كثيرا.. و ياليتها تستشعر بهذه النعمة…. سألتني للمرة الخامسة اذا كنت سأسدي لها الخدمة التي تروم اخباري بها. كل عام او عامين تطلب مني ذات المعروف بنبرة متوسلة تثير اشمئزازي و تزيدني حقدا عليها: سيدتي كما تعلمين فان موعد ولادتي يقترب, اتساءل ان كنت ستنصريني اذما انتابني المخاض؟ و يساورني ذات الرد الذي لم افصح به يوما, فاقول: ليتني اتركك كالكلبة تقاسين مرارة المخاض, لانك لست اهلا لهذا الشعور العظيم.
و في كل مرة اثر مصلحة المولود و حياته على حياة هذه الجرباء!
و تزداد غيرتي حين يرتمي احد الاطفال على فخذيها الكبيرين, و هي تقول بيأس “يبدو انه ناعسا!”
في ذات الليلة.. سمعت صراخها.. احس انها تتألم لتعذبني و لتزيد غيرتي و حسدي لها.. تزيد اطفالها واحدا اخر.. و لكنها في الحقيقة تغرس في قدمي مسمارا اخر.. اريد ان اتركها تموت.. فاسير خلف جنازتها و انا اضحك.. و اخذ منها اولادها بعد العزاء.. فاتخلى عن كتبي و الهو بهم..
لم اقدر.. ذهبت لانقاذها كالعادة.. و انا اتالم لالمها.. في تلك الحظات يتلاشى الشر من نفسي و اذهب لعناقها.. و بعد ساعات و حين تضع جنينها اكرهها من جديد.
—