للمرة الأولى يصيبني الاختناق ولا أستفرغ،
للمرة الأولى أصمت في وجعي وتأبى الحروف أن تخرج من ثغري
وتخمة الحزن تمنع يداي عن الكتابة ..
ذلك الصباح لم يكن عاديا، كان بهيجا جميلا، ركبت الطائرة صباحا على الساعة التاسعة لرؤيته، لمعانقته، ذلك الرجل الوحيد الذي أهداني كل شيء بلا هوادة وأفنى عمره لإسعادي وإسعاد إخوتي، كل شيء كان على ما يرام حتى لحظات المطار والتفتيش والختم على الجواز كان سهلا وموجزا على غير العادة وحتى وصولي إلى مسقط رأسي كان لطيفا حتى أني لم أشعر بمشقة السفرة رغم طول المسافة.
حتى هو كان ينتظرني بشوق في ذلك الصباح الأخير ..
كنت أبكي طوال الطريق إلى المنزل.. رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي أعود فيها إلى الديار،
لكن ذلك اليوم كان موحشا لدرجة البكاء ومفرحا لدرجة البكاء أيضا.
25 عاما مرت في هذا العالم، عشت فيها قصة حب لم تتخللها كذبة واحدة أو خيانة واحدة أو دمعة واحدة،
فقط مع ذلك الرجل الذي أحبني بصدق وأعطاني الحياة وكل ما أرجو بصدق،
أنا وإخوتي لم نعش يوما واحدا بقربه دون قبل أو عناق أو حب أو ضحك أو نقاش أو حلوى وكل الأشياء الجميلة التي كان يفعلها من أجلنا.
أبي كان الملاك الوحيد الذي رأيته في دنيا الشياطين .
ذلك الرجل الذي عانى من تعب العمل وعانى المرض وعانى الأعداء وحده وحارب بشراسة ليجعل حياتنا أجمل في كل مرة.
حتى في أشرس لحظات مرضه كان ينسينا نحن ألمنا وينسى ألمه.
ذلك الرجل أكد لي لدى وصولي أنه فعلا لا يموت، برغم أنه كان مغطى بقماش أبيض وكان وحيدا في غرفة أمه نائما في سلام وفي هدوء تام.
وأبي الذي يكره اللون الأبيض ويكره الجلوس وحده ويكره البقاء في غرفة ليست بغرفته.
أذكر أني وجدت الشارع مليئا بأشخاص أعرفهم وآخرين لا أعرفهم
أذكر أني تركت السيارة تعمل وحدها ودخلت أتفحص ما يجري في بيت جدتي وفي بيتنا
أذكر أن أخي كذب لدى رؤيتي وقال أن أبي بخير وينتظرني في الداخل
لكنني وجدت أبي ميتا ..
بثغر ضاحك وبسمة لجوجة ورائحة كطوق الحبق وعين يمنى نصف مغلقة وكأنه ينتظر رؤيتي .
يضجع على شقه الأيمن قبالة القبلة البحرية مسند رأسه بوشاح جدتي
أذكر أني رأيت هذا الكابوس في أحلامي العديدة لكني ظننت أنها ترهات ؟؟؟؟؟
أذكر أني متت يا أماه .. متت يا أماه .. ولم أعد للحياة ..
25 عاما مرت لم يتركني برهة واحدة.. وآن الأوان أن نفترق ..
أبي الذي استخرج بطاقة ولادتي، بيدي هذه قدمت شهادة وفاته وبيدي هذه أمسكت بنعشه وحملته على كتفي كما كان يحملني وقت الصغر .
كل الكلمات لا تفي بوصف صرختي وكل الآهات لا تسكت وجعي وكل الناس لا يهمني وجودهم ولا يعنيني ،
وكل الدموع التي ذرفت لا تكفي ،
وكل اتيكيت الوداع لا تشفي غليل وداعنا
وأنا التي تكره الوداع مثلك لكنني كنت مصرة على أن أخطو وراء عربة الموتى لتوديعك بنفس الوشاح الذي كنت تسند عليه رأسك.
ومن سيفهم ما أقوله وما أكتبه وما أشكوه
غير تلك الأرض التي عشقت خطاك
وشجر الزيتون الذي يبكي الفراق
والمنزل والغرفة والأريكة والمذياع
وسيجارتك الأخيرة ..
والوثائق والأوراق ودفتر الشيكات وقلمك ..
والجاكيت الرمادي الذي لا يفارقك..
وإخوتي وأمي والجيران والأصحاب ..
الكل حزين على غيابك لكني لست حزينة على ذلك
كيف لي أن أحزن يا روح روحي ،
كيف لي أن احزن يا فلذة شوقي ،
كيف لي أن احزن يا أبي وأنت رحلت منتصرا على الجميع ومنتصرا على المرض؟
من قال أني حزينة عليك أنا حزينة على نفسي في غيابك,
ثمانية وخمسون عاما أمضيتها منتصرا على هم الدنيا وضغط الحياة ومعاناة المرض، لترحل مطمئنا على ما تركته فينا من حب وقوة.
أنت كنت المدينة التي يسكنها الجميع والمدن أبدا لا ترحل ولا تموت.
فكيف لي أن أحزن على انتصارك أنا حزينة على نفسي بدونك ؟
رحم الله أبي: رضى ذياب قربع
رحمك الله يا أبي ورحم جميع موتانا..
—