تسلسل الافضليات..امام عبد الودود خباطه
عبد الصاحب الناصر
ان الشعب العراقي وبعد التغيير و بعد خيبة الامل اصبح يطحن السياسة فيخبزها و ياكلها كرغيف عند الفطور، ثم (يثرد) المتبقي من الرغيف وينقعه في طبيخ السياسة لاياكله كغداء قبل الشاي المزكى بهيل السياسة ثم ينام القيلولة فيصحو ليجد قرص اخر من خبز السياسة يحمص على منقلة من الفحم الخشبي مع جبن الاكراد المنقع بالماء الحار، وياخذ المتبقي من قرص الخبز ليضعه تحت وسادته قبل النوم ليتنفس السياسة من رائحة هذا القرص فيغفو على اصوات نشرات الاخبار السياسية من الشقة المجاورة .
هذا ما اتذكره من ما توصلنا اليه ، صاحبي عبد الودود وانا عندما كنا نجتمع بعد العمل في مقهى في السوق – الموول-التجاري في منطقة (Ealing) من لندن. كنت استمتع لسماع صيدقي عبد الودود. كان مغترباً مثلي يعمل في شركة (Ealing Studios) للافلام . يحدثني دائما عن السبب الذي الصق باسمه لقب (الخباطة) و كان هذا اللقب ما يدعونه به من قبل رجال الامن في سجن المخابرات في زمن صدام و ما كان يسمونه به رفاقه من المساجين كذلك .
عبد الودود خباطة
كنت استمع له وهو يحدثني بطريقة مرحة و استهزاء غريب ساخر ( intelligent and smart Absurdity) عن ايام اعتقاله وكيف توصل بعد ان وجد المقاومة لا تكفي ، توصل الى علاج لتضميد جراحه و لتقليل الامه بعد كل حفلة تعذيب، توصل الرجل الى ان يتصنع الغباء و يتصنعه اسلوب المجابهة السخرية التي لم يفقهها السجانون لغبائهم . يقول مثلا ، عندما يتعب الجلادون من الضرب لعدم اعترافي بما يبغون، اسألهم، ان كانوا يحبوني ويبغون مساعدتي؟ فيضحك الحرس مستهزئن بي و بطلبي، فاقول لهم ان كنتم تحبونني، فاقتلوني يوم غدا وساساعدكم كثيرا بعدها ، يقول صاحبي عبد الودود، لم يتمالك الجلادون من الاستهزاء والضحك على هذا الاقتراح الا ان فضولهم لم يسمح لهم بعدم الاستفسار عن كيف اذا ساساعدهم بعد موتي، فاقول لهم، اذا مت فساذهب الى الجنة لاني لم اخبركم ولم افشي سر رفاقي، فسأسل الله ان يغفر لكم كل ذنوبكم. فتلين قساوة الجلادين لا لعطفهم علي و لكن للاستمتاع بهكذا سخافات. فيقول ، صحيح انها سخافات و ربما حماقة و لكنها قللت من تعذيبي وهدأت من الامي . فكان يحدث رفاقه في السجن بعد العودة من الحفلات التعذيبية، لم يصدقوه في البداية بل شّك به ان يكون من المخبرين المدسوسين بينهم، فتجنبوه في البداية ( يقول لم يكن هذا يؤلمني كثيرا ) لاني كنت اعرف ما انا فاعل و اثق بضميري . و ازداد (عطف) الجلادين و قللوا من تعذيبي ، لاسباب انانية خالصة، لكي يبقوا على بعض المرح لدي كي يستمتعوا بهذه السخافة ولانهم عرفوا بعزلتي بين رفاقي في السجن، و يعلل ذلك ،بالامر الذي انتفى حاجة تعذيبي المضاعفة للاعتراف و نقل ماذا يتحدث به المساجين . يقول انه استفاد من هذا الخيال / السخرية ايما فائدة. و كان يستلذ بروايته و اسلوبه الى ابعد حدود .
كنا نجلس لساعات طويلة بعد العمل هو يحدثني وانا اكمل خياله باستضافات اكثر خيال وغرابة، وكانني عايشت السجن معه. و الاجمل من كل ذلك، كان الناس المارة يتلفتون ويتعجبون من كمية الضحك المستمر بيننا، ضحك متهستر متناوب فيما بيننا. لم نتمكن من امتلاك وتماسك انفسنا. اجتمع خيالان في جو خال من الاثير، نحلق بين كوكبة من النجوم ومسافاتها المتناهية البعيدة. ( far cluster distance and spaces )
يستمر صاحبي فيقول، وعندما قدموه للمحاكمة امام عواد البندر، همس احد السجانين المرافقين باذن البندر وهو ينظر ويشير صوبي، فابتسم االبندر لاول مرة في حياته، وعندما جاء دوري سألني البندر، هل انت مذنب ام غير منذنب؟ فاجبت القاضي بسؤال من اياهم، وكنت قد اعددته مسبقا عن قصد، اي جواب يريحك يا سيادة القاضي؟ فيضحك القاضي وينظر صوب السجان الذي اسره بجنوني وسخافتي، ويعيد البندر السوال بنفس السخافة، بماذا ترغب انت؟ فاقول له، اذا اطلقت سراحي ساكون لك من الشاكرين و ساعود لزوجتي واطفالي واخبرهم عنك وسوف اتكلم عنك بالخير والاحسان، اما اذا حكمت على بالاعدام و انت تعرف باني برىء ، فساخبر الله عز وجل وكل سكان الجنة بكل ما عملت وساذيع كل اسماء الناس الذين اعدمتهم .ان الخيار يا سيادة القاضي بيدك .ضحك البندر وان لم يفهم ما اقصد لغبائه كغباء كل الطغات فحكمني بالسجن خمس سنوات وسألني مستهزءً، هل تكفي هذه المدة ؟ فاجبته وانا لم اتمالك من كبح سروري لعدم حكمي بالاعدام، سألته، قبل التخفض ام بعده ؟ . اخبرني السجان عند خروجي و تركيب الكلبجات على يدي ، باني كنت محضوض هذا اليوم ، لان عواد البندر قد حكم بالاعدام قبلك على ثلاثة عشر سجينا / مجرما ، لذا فانت اليوم محضوض جدا .
ويستمر صاحبي في سرد مثل هذه القصص الرائعة، وعن سكنه في السجن الاعتيادي (ابو غريب).
بعد الحكم علينا ومن ثم تسفيرنا مكبلي الايدي في سيارات حمل الى السجن الكبير في ابو غريب ، اخذت افكر جديا في هذا الاختراع. و تركت لخيالي حرية التوسع و الانطلاق بلا حدود، فاتخيل نفسي باني ساكتب عن هذا الاسلوب كقصة قصيرة اطعمها ببعض الحقائق من السجن و ساتخيل الباقي او انقل عن رفاقي المساجين قصصهم عن التعذيب وسانشرها في كتاب في بلدان الغرب بعد تهريبها، فساشتهر و اكون من الكتاب اللامعين بعد ترجمتها الى كل اللغات وستنتظرني اموال طائلة في حساب خاص عند الناشر وربما سيعمل منها سيناريو لفلم (عظيم ) .
كنت اسلي نفسي بهذا الخيال ليمر الوقت مسرعا، وتكررت نفس حالة اتهامي من رفاقي في سجن ابو غريب هذه المرة فكانو يتحاشوني و ينظرون لي بشذر وعدم تودد الى ان اكتشفوا حيلتي هذه، كانوا يتعجبون او يستهزؤن من انفرادي في ساحة السجن والضحك مع نفسي (عندما كنت انسج الخيال و لا اتمالك من عدم الضحك) فتخيلوني قد جننت. اقترح احدهم ان يعاينني طبيب نفساني كان من النزلاء مثلنا الى ان اكتشفوا حيلتي او ربما ان احدا من من سكنوا معنا في سجن المخابرات قد نقل لهم هذه القصة.
كنت استعجل الوقت للقاء صاحبي عبد الودود وسماع ذلك الخيال المبدع. ما كان يدهشني من نظرية عبد الودود هو عمق خيالها و تعدد مراكز ربطها واغرائها .
اعود الى ما كتبت في البداية عن العراقيين والسياسة، لاني احاول ان افهم او اتفهم هذا الحب او الجنون في متابعة و ممارسة السياسة بين العراقيين الى درجة الهوس. ووسعت من خيالي حين تذكرت الاعلان الرائع الذي عملته شركة كوكا كولا، اعلان ذكي جدا جدا لفترة كأس العالم لكرة القدم في لندن. كان الاعلان يقول – كل كرة القدم ، نام مع كرة القدم لكن اشرب كوكا كولا. و حصل على جائزة عالمية في مهرجان عالمي الدعاية و الاعلان .