الرئيسية / نصوص / وجوهنا مرآة الغضب بقلم: عبد اللطيف رعري

وجوهنا مرآة الغضب بقلم: عبد اللطيف رعري

حافة.

حافةُ الطريقِ

 كَمينٌ للأعمَى الذّي أصابتهُ سِهامُ المَدينةِ

بالفُجُورِ

 وهُو يَتبعُ بجُنونٍ فَرسًا مِن دُخانٍ

 يسْكنُ ثقبًا فِي الخَواءِ

 فَمنْ يَظنُّ أنّ عُكازه العَاجِي قِندِيلًا

 فقَدْ سَاءَ فهمُه لنُورِ السّماءِ …

جَاهِلٌ مِن الألفِ إلى البَاءِ

لمْ تعُدْ الحَافَةُ انْزِلاقٌ نَحْو التَّحْتِ

كمَا كَانَ المَوتُ يَشْتهِيهَا…

الحَافةُ هِي أنْ تُسَاقَ إلى ظَهرِ الهَاوِيةِ

 وفِي يَديْكَ قَليلٌ منْ عِطْرِ السَّماءِ ..

لا أنْ تدُوسَ فَرَاشَات فِي مَهْدِها

 بِدَعْوى انَّكَ سَتغَيَّرَ الوُجُودَ بورُود ِالمزْهرِياتِ …

لا أنْ تخْمِشَ عُيونَ خَلِيلتكَ كَي لا ترَى سِواكَ …

وأنْ ترْحَلَ ألفَ عَامٍ وَتعُودَ مُكَشِرًا أنْيابَكَ فِي مَن اتَّهمُوكَ بِالغَباءِ…

وأنت لا  تَعِي أبَدًا حَجْمَ النَّدمِ الذَّي ترَكهُ الغِيابُ..

أن تَمشِي عُمْرَكَ حَافِيًا ولا تَترُك أثارًا تدلُّ عَلى الخَيبةِ

 تدفنُ سِلاحَكَ الحَجرِي فِي الرَّمادِ

 وتَواجِه عَدُوكَ بيدٍ مَشْلُولَة..

 وتُعلِق مِعْطفكَ فِي حَبلِ غَسيلٍ وتَسْتَجدِيهم ثَوبًا بَالِياً .

 

دهشة

 

قد تخطئ العينُ

حينَ يَدنُو السَّرابُ مِن الجًبلِ عَارِياً

حِينهَا الكُحلُ يرْسُمُ شَرخاً

 في ظَهرِ الوُجودِ

فيُنهِي نَهْجَ الرِّيحِ وسَطَ فَوهةِ المَوْجِ

 أمًّا عنْ اخْتلاطِ الألوَانِ

 فهِي دهشةٌ فِي مَرسَمِ فَنانِ,

 يَعشَقُ وَراءَ الجَبلِ…

وَيبْقَى قَوسُ قُزَح أمِيراً حتَّى تَهدَأ العَاصِفةُ…

مَن صَفَّفَ شَعرَ تِلكَ الدُّمَى وأدَلَّ شَقائِقَ النُعمَانِ

 وَأبَاحَ للدَّهشةِ أنْ تَسْكنَ مَمْلكَةَ الأنَاشِيدِ

 وجَفَّفَ مَا تبَقَى من ثَمَالَة الغيد

 وشَدْوِ العَصافِيرِ…

 فَليَبقَى بَعِيدًا عن أرْضِنَا فنَحْنُ لا نَستبْشِرُ حلْكَةَ التفرِّيدِ  

قدْ نمرُّ حُفَاةً ونحْترِقُ

 وَقَد نقْطعُ نَفسَ الطَّريقِ وَنفْترِقُ ..

لَكنَّ دُعائَنا إلى الرَّبِ لنْ يُغيِّرَ فُصولَ الحَرِّ

  بِثلُوجِ الشِّتاءِ والتّعرِي

 إلِّا اسْتجَابَة لامرَأةٍ حَبلَى بالمَطَرِ… 

فلْيبْقَى بَعِيدًا عَنْ بحْرِنَا

 فالمَوجَةُ التِّي انْتَهتْ فِي يَدٍ بَخِيلَة

لا تُغسَلُ بِرَمْلٍ عَاقِرٍ …

وكَمْ مَوجَةٍ سَرَقَتْ منّا رَاياتِنَا وَشَلَّتْ فِينا شَهْوةَ التَّلْوِيحِ …

 وَمُتْنَا جَمِيعًا خَارِجَ شَبقِ الحَياةِ ..

فلَا تَسْأل كَيِفَ مُتْنَا

 فالمَوتُ احْتمالُ للْبَقَاءِ…

المَوْتُ فُرْصَةٌ للنُوَّامِ لاسْتِحْضَارِ الانتِقَامِ .

 

الأعمى

 

 العَينُ بَاكِية علَى الدَّوامِ

فِي حَضْرَةِ العُمْيانِ..

والأعْمَى لا  يعْدمُ  شَغَفًا

 بِكِتابةِ الأسْماءِ عَلى جَبينِ المَدَى

 فهُو لا يَملكُ تارِيخًا على الجُدرَانِ

 لكِنَّ أصَابعَهُ تحْكمُ طوقَ الجَبلِ

 ويَقْرَأ جبينَ العَاصِفةِ حِينَ تسكنُ المنْحَدراتِ

 وهُو يبتَعدُ

 بين ضحكةٍ تحترقُ فِيهَا كُلُّ الصُّورِ ..

تَتآلفُ قَوافِلُ النّمْلِ بلا حَرَكَةٍ تحْتَ قَدَميهِ

 وتَنمُو أخْرَى بِلا أسْنانٍ

 فحِينَ يَعُضُّ علَى سَبابَتهِ

 تَصْطفُّ صَرخَاتُ الأطْفالِ

علَى فَراغٍ مُطْلقٍ,…

 يَصْطادُ بِمعْطفِهِ القَصِيرِ فَشَلَ الُّلعْبةِ ..

 

 بهلوان

 

البَهلوَانُ عارِيٌّ فِي الأصْلِ كَشَجرَة المَوتَى

فالذّي أحَالهُ على قُبعتهِ الفارِغًةِ التِّي تُخْفِي

 حَمَامةً

تَطِيرُ

 بإذنهِ …

قَادِرُ على أعادَة الأعمَى إلى دُنيَا الكَمالِ

فَيصِيرُ الأعْمَى بَهلَوانًا مُضَافًا لِسُخرِيةِ الأقْدارِ

  عِندَمَا تنكَسِرُ عَصَاهُ…

ويَسقُط البهْلوانُ فِي عَدَميتِه 

هُو لا يهْدأ لمَّا يُطبِّلُ سَطحَ البَحرِ,

 فِي العِنادِ أرْقامُهُ ترْصُدُ مُؤشِرات الاعتِلاءِ

 وفِي ثَنايَا حَاجِبيهِ غَمزٌ مٌستَعارٌ  ..

بحر

 

 المَدُّ غَادِرٌ والجَزرُ قَاتلٌ

وبَينهُمَا عُزْلة لِألفِ عَامٍ ليتَكلَّما نفْسَ الُّلغةِ..

بَحْرُنا لا مَدَّ لَهُ

 بَحْرُنا لا جَزْرَ لَهُ

 بَحْرُنا خَلْطَة حَزِينة من المُفارَقاتِ.. 

 

ريبة

 

الدَّمْعةُ  فوْقَ العَيْنِ

 لا هِي جَارَتِ التِيّار تَرْمِي غُبارَهَا

 ولَا هِي اجْترَأتْ علَى طُولِ السِّنينَ

 وحُزنُ أبِي عَلى ضَياعِ صَوْلتِهِ القَدِيمَةِ

 نَسْجٌ لِلْحِكَايةِ

بِدايتُهَا الرُّعبُ وهُو النِّهايَة

حِذاءهُ الجِلْدِي

 يَحكِي نَعرَة الأجْيالِ

بُندقيَّته فَارِغَة إلاِّ مِن تنْهيدَاتٍ

 يَتَّمَها النِّزَال

الوَشْمُ الأبَدِي فِي صَدرِهِ لَم يَعُد عُنْوَانَ صَوْلةِ الرِّجالِ

انْتَهتِ الحَربُ في أدار

ولمْ ينْتهِ عِندهُ مُسَلسلُ الانتِظَارِ..

مُدمِنٌ الآنَ علَى شُرْبِ سَجائِرِ الوَحدَة

 يَلْغَطُ  تحْتَ حَائِطِ الآبدِ …

 

 ورقة تحمل

 

     وهذا الطَّبلُ يتَحمَّلُ الضَّربَ كَما الفَرَاغَ,

 ولا يئنُ

 قاتِلُهُ صَامِتٌ مَشُوبٌ بالغُمُوضِ, ..

 حَولهُ كُلُّ العُزَّابِ ثائِرُونَ

صُورة الشَّهيدِ تَشتَهي إطارًا من ذهبٍ,

 لا منْ عِظامِ المَوتَى

سيِّدِي الجَلاد ….

كانَ يحْلمُ بالسّلام فهيّأتم لَهُ مقْبرَة…

ولمْ يَلتمِس مِنَ المَوتِ مُهْلَة

فتَحمَّلَ …

خُذ عَيناكَ لِنَخِيلِ غَزّة ’هُو هُناكَ لمْ يَمُت…

خُذ قلبهُ…

 فَتشْهُ…

 فَلنْ تَجدَ  سِوَى مَعنَى الحَياةِ

ألقِي بِعَصَاك أرْضنا هُو هُناكَ يأكُلُ ثِمارَها …

هُو الشّهيد ابنُ الشّهيدِ

حكمة

 نبي الله يوسُف لمْ يَمُتْ سَجِينًا

لم يُسقِط كِبرِياءَه فِي حِجرِ عاهِرَة

 هُو منْ أحْرقَ أشْباحَ الغَضَبِ

وأطاح شبق الغجريات في الماء    

 وأزَاحَ عَن عُنقِهِ حَبلَ الاتِهام

 فكيْفَ ت جَسَّدتْ أحْكامُ اللهِ فِي عَبدِهِ السَّجينِ؟

 

خلاص

 

كَم كُنَّا فِي حَاجةٍ إلى قَرعِ الحَجرِ بالحَجرِ

وجَعلِ مَاءِ ألوَادِ أنشُودَة لأطْيافِ النَّهَارِ

 وبَثْرِ هَرَجِ البُومَاتِ مِنْ صَفصَافةِ المَجدِ المُقدَّسِ  

 لِتكْبِيلِ اللّيلِ فِي زِنْزانةِ المَوْتِ

 فهَذا الأعمَى يُرَاوغُ كُلَّ شَيء

 ويُعانِقُ غَدرَ البحْرِ

 فُهلْ للبَحرِ نِيَّةٌ تُلزمُهُ البقَاءَ في بدَايةِ التَّموجِ؟

لخَلاصِ المَدينةِ  وعُميانِها….

 

عانس

تَعصُرُ أحْلامَها في قِدرٍ من ذَهبٍ

 وفي زَحْمةِ الرِّجالِ

تَجِدُ نفْسَها وَحِيدَة تُلاعِبُ حبَّات الرَّملِ

 تَظفرُ شَعرَها بزَعْفرَان الطُحلُبِ المَغشُوش…

 تلتَفِتُ لِحِصَانٍ أبْيضٍ لَا تُدرٍكُهُ العُيُون إلاِّ  بِهَا رُعْب

 تَتلَعْثمُ جُرحُا, فلا يُسمَعُ لَها صَوْت غَيرَ الأنِين

 وَترْمِي بخَجلِهَا أبعَدَ منْ وجْنتيهَا

 فَكُلمَّا هَدْهدَها الرٍّيحُ

 تمَرّغَت علَى أعْتابِهَا دَامِية القلْبِ

 تَنْظُرُ إلى هَذا اللاشَيء بِزيِّهِ البَهْلوانِي

 وَهُو يَرقبُ صَمتًا قادِمًا منْ جَبلٍ

 لمْ يعُدْ يحْملُ سِوَى هَذا الاسْم ..

لَعلَّهُ عُودًا يَابِسًا قَد يحْيا فِي شَجرَتِها

 أو نُقْطةَ مَاءٍ ترِوِي حَوضَها الميِّتِ…

 لَعلّهُ يومٌ مُشْمسٌ يزْرَعٌ دِفْءَ الحَظ الذِّي مِنهَا ضَاعَ ..

فَلهَا مِنَ الغَرَائِزِ سَيلاً لِرَتقِ النَّهرِ بِذيلِ السَّماءِ…

ولَها مِنَ اليُتمِ شُجيرَاتِ لا ظِلَّ لَهَا …

ولَهَا فِي عُيُونِها مَن ورَّطُوهَا فِي حَفرِ السَرَابِ ..

وأخْرَجَهَا مَللُ الانْفعَالِ إلى فُسْحةِ النِّسيانِ…

حَيثُ  الحُزنَ هُنا بَينَ التُرابِ أبَدِي …

وتَدَابِير المَوتِ كَذالكَ بِحُزنِ الأرْضِ يُصَافحُ بِيدٍ  فَاجِرَة.

لكِ صَخْرتُكِ لِلبُكاءِ حَتَّى مُنتصَفِ الخَرِيفِ

  لكِ هذَا الطَّرِيق الطَّوِيلِ لِفكِ ضَفائِرِ العُمْرِ الخَادِعةِ..

لكِ أعْتَاب العَوَانسِ لِدفنِ مَناقِيرِ الغِرْبانِ,

 قبلَ مَوسِمِ القِصْفِ…

 

أسوار

 

عٌلو  أسْوارنا عمداً

يَراها السَّائحُ سَيّاجاً من ذهبٍ

 تحكِي زَمنَ الانتصَاراتِ

ويرَاها عَسكرُ الحُدودِ  مَلاذًا لهُدنة مُقاتلٍ

 لكنَّ سُلطانَ المَدينةِ يَحتمِي  وراءهُ

حِين ينَامُ حُراسُ اللَّيل  

 إلا انأ وَحدِي

أرَاها الوَهم ُالذِّي لم ينتهِ

 أراهَا حِجابًا للحقِ

——————–
عبد اللطيف رعري:فرنسا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*