قال الطفل مبتسما :
ـ يا أمي إني رأيت نفسي أجلس عاريا على كرسي من الاسمنت و(الياجور). أجلس عاريا كما ولدتني، إلا أن قليلا من التراب غطى بشرتي، كأني خرجت من تحت الأرض. أخفي خجلا عضوي التناسلي، بوضع رجلي اليسرى فوق رجلي اليمنى، وأنظر إلى آلة التصوير، لا فرحا ولا حزينا.
مضى أسبوع، فسافرت أم الصبي إلى ما وراء التلّ. بعد أن قدمت دجاجة وعشر بيضات للعرافة، استمعت إليها، وهي تقص حلم الصبي. وضعت مقلاة على النار، وغمغمت بكلام غامض، رمت فيها قطعا صغيرة من معدن أبيض، ذاب بعد لحظات. ثم أفرغته فوق التراب، فتفرع إلى جداول صغيرة. عقدت ما بين حاجبيها، حاولت أن تلمس المعدن الساخن بأصبعها، لكنها لم تفعل، غير أنها صاحت :
ـ آي
ثم أطلقت قهقهت بصوت عال، وقالت :
ـ اطمئني أيتها الزنجية المسكينة! ولدك سيكون له شأن عظيم. سيتربع إمبراطورا على عرش الرمل والياجور والاسمنت. لن يقف بيت أو قصر على أعمدته إلا على يديه. بعد عام أو عشرة أو عشرين عاما، سيدين له ما فوق الأرض، وما تحتها، بالطاعة والولاء. قولي آمين !
قالت المسكينة، وهي تحملق في العرافة ببلاهة:
ـ آمين !
في طريق العودة إلى البيت، توجست من كلام العرافة، ولم تفهم منه سوى أن ابنها سيكون له شأن عظيم. أخذت وعدا مع نفسها بأن تقدم لها في المرة القادمة ديكا وأرنبا بدل دجاجة، معتقدة بأنه كلما ارتفعت قيمة (البياض)*، كلما انطلق لسان السحرة والعرافات، وفسر أكثر .
أيادي بيضاء ناعمة قادمة من بعيد، امتدت خلسة بالنهار والليل، تسرق النسل والزرع والدجاج والأرانب .
بعد عشرين عاما من الفقر والبطالة والقهر، قطع الابن آلاف الكيلومترات. من كثرة ما أفلت من قبضة الموت، قبل أن يتوقف بالمغرب، قادما من صحاري إفريقيا، لم يعد يتذكر إلا القليل!؟
هو الآن متيقن بأن أمه والعرافة أخطأتا التقدير. فالحلم أصبح على مرمى حجر، هناك وراء تلك التلال التي تتلألأ بالأنوار، لا يفصل بينهما غير أمواج البحر الأبيض المتوسط، والأسلاك الشائكة، وحرس الحدود .
المعجم :
ـ (البياض): مجاز عاميي يعني الهدية التي تقدم للسحرة أو العرافات.
مراكش 06 أبريل 2021