سنحاول في هذا المقال التعرض إلى أهمية التحقق من الوثيقة لمل لها من صدق في كشف حياة الإنسان خاصةً إذا كان أديبا شاعرا مثل رشيد مجيد , شاعر الكلمة المؤثرة وهو الصوت المسموع في وجه السلطة إبان الملكية . يعلنها وبصراحة وبأجناس أدبية مختلفة من شعر وسرد ومسرح . صور من الحب والحزن والموت والسجن ، التي أصبح لها قدرة تأثيرية واضحة المعالم على عقله وفكره وممارسات حياته اليومية من خلال إعادة إنتاج تصوراته وآرائه وقناعاته حول كل ما يدور في الواقع الاجتماعي (المعنوي والمادي).
الشاعر لم يكن سياسياً، ولم ينتسب إلى حزب سياسي، لكن السياسة بالنسبة إليه موقف من الوجود والوطن والمعرفة بالتاريخ والحاضر والكفاح من أجل مستقبل يرفض كل صور الاستلاب والعبودية.
يمتاز هذا الكتاب للدكتور مصطفى لطيف عارف بعد عدد من الكتب المهمة تناولت أسماء مهمة في الوسط الشعري والسردي وبالطبع هي غير قليلة تبحث بجدة البحث والتقصي لمفهوم التحقق من مصدر مسرحية شعري للشاعر المذكور -الموضوع وهو “المسرحية الشعرية ” للشاعر رشيد مجيد بعنوان –تموز أنشودة الخلاص- ويضم التحقيق في هذا النص من قبل الدكتور مصطفى لطيف دراسة تحليلية تغطي الفترة التي كتبت هذه المسرحية وتتناول أيضا حياة الشاعر والبيئة التي عاش فيها . فأهمية هذا التحقيق من مصدر هذه الوثيقة تنبع من توثيق نوع أدبي أصبح ربما مهجوراً وتحليله وربطه بالسياق العام.
بالإشادة الواجبة بالباحث الجاد المجتهد الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف وبمناسبة صدور كتابه هذا هو عبارة عن التحقيق عن مادة أدبية مثيرة للجدل تغطي المدة التاريخية والسياسية وظهورها للعلن عام 1974 وتتناول فيها العارف قدرة الأستاذ الباحث ومواكبته النفسية والاجتماعية والعاطفية للشاعر “رحمه الله” وعلى مقاربة العديد من الأنواع الأدبية لديه من أجناس متنوعة : شعراً ومسرحا، فضلا عن أهمية ووظيفة المسرح الشعري غن جديد مارسه الشاعر كأداة نقدية سياسية اجتماعية ضد الملكية ومما لا شك فيه أن ذلك يرجع إلي تعدد مواهبه الإبداعية، فهو شاعر فذ أجاد فيها بأسلوب الحوار الشعري – قصائد العمودي والعامية – وقد حاول الدكتور العارف ان يكشف مخبوء الأنساق المضمرة فيها وبدقة العارف في منهج اختطه لنفسه –السيمولوجيا- .
تشكّل مؤلفات الدكتور العارف جزءاً من مشروعه النقدي الذي يعمل عليه منذ بداياته، حيث تشكّل مرجعاً نقديا يغني المكتبة حيث تظهر بشكل متكامل.
-أسلوبا واضحا ومبسطا، دون ادعاءات. فهذه المهارة تجعلنا نعتقد ما يكتبه من كتاب إلى آخر ليس سوى وضع مثابات دلالية متعددة للقراءة الخاصة أمام القارئ لتسهيل عليه ما لم يفقهه من معارف ان كانت على مستوى الحمولات الفكرية أو أسماء كتاب وأدباء مضوا إلى حال سبيلهم ولم ينصفهم التاريخ أدبيا…
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يمتاز أيضاً بجدة الموضوع وهو فن “المسرحية الشعرية ” بعد أن جاءت عملية ظهور تلك الوثيقة التي امتازت بخصوصية واضحة، ثم كانت النقلة المهمة عند الشاعر الذي لم يكمل تعليمة وثقافته المتواضعة ان يخرج هذا العمل المهم وتم أخراجه من الفنان صالح البدري على مسارح بغداد في تلك المدة ونال استحسان وإعجاب طيب واسع من المختصين .
هذا الكتاب الذي حقق فيه وكشف فيه الدكتور مصطفى العارف ظروف وملابسات المقارنة بين نصين لعمل واحد اثأر جدل وإشكالية الفصل بالرأي فيما بينهما .
الكتاب تناول فصول كثيرة تحمل العناوين الآتية:
-العنوان / الزمان /المكان/ الشخصيات /الحدث /لغة الحوار
بعد هذه الإشادة وهذا العرض المحايد لحضرة الدكتور في قراءة وتحقيق من مصدر الوثيقة –لبعدها التاريخي وظروف ظهورها الآن ومدى شغف الشاعر في هذا النوع الأدبي الجديد . ومنها اهتمام الباحث والمحقق الدكتور مصطفى العارف برصد مدى التزام المحقق من تناول تلك النصوص الأدبية والمقارنة الدائمة بين ما حدث تاريخيا وأحداث المسرحية – بين شعر الفصحى والعامية وتعليل الباحث لهذه الظاهرة الفنية
وفي تحليله للمسرحية – العنوان / الحدث/ رسم شخصياته بشكل ثوري وكشف الصراع بين السلطة والهامش وفي توزيع الأدوار أيضاَ وجاءت لغة الشخصيات شعريا وعلى ألسنتهم متناسبة مع عملها فكل منها ينطق بما يقتضيه الحال في الواقع من دون ابتذال، فالنص المسرحي كله قائم على استدعاء شخصيات مثل – زرقاء اليمامة –أبو ذر الغفاري – طارق بن زياد ,إذن المسرحية هي إسقاط حدث معاصر وتخدمه مع استدعاء شخصيات من التراث ورصد الانتقال من محاكاة الماضي إلى توظيفه أو من نقله إلى التفكير به. غير أن هناك معالجات أكثر حداثة في مقاربة بناء الشخصيات؛ منها ما اقترحه الأستاذ المحقق الدكتور مصطفى العارف وبأهميته وبموهبة صاحب هذه الوثيقة .
في النص عدَّة إشارات إلى ما يعتري صدر الشاعر من الحزن وهي سمة غالبة على الشخصيَّة العراقيَّة منذُ سومر إلى اليوم، تتمظهر في الشعر العراقي بشقَّيه: الفصيح، والشعبي (المحكي)، وأغانيه، بل حتى في الطقوس والأعياد حتى في أشكال العراقيين ونظَراتهم، بسبب الأصل الأسطوري المتمثِّل في نواح السومريين على الإله دوموزي بعد بقائه مقتولاً في العالم الأسفل، يربطُ الشاعرُ كلَّ هذا بالسياسة الشموليَّة المتمثِّلة بالسلطة الغاشمة وتكميم الأفواه، ومن نظرة أسلوبيَّة فهو وعلى المحور العمودي يختار : (تموز-الخلاص) وهو اختيار عراقي سومري بروح معاصرة0
فالتاريخ يجسد أفعال الإنسانية في سعيها نحو التحقق، وإن بدت الحرية السياسية أكثر أشكال الحرية شيوعا. وهو ما يبرر الصراع من أجل الحرية شرطا لكي تصبح أفعالنا ذات طابع حر وبهذا المعنى تكون الحرية انتصارا لمفهوم اجتماعي وأيضا ليست فردية، وهو ما يبرر ارتباط الحرية بالضرورة، يرى الأستاذ الباحث والمحقق الدكتور مصطفى العارف هذه الوثيقة وما احتوته تقول أن الاعتراف هو وسيلة الشاعر للكشف عن هُويته الخاصة؛ فهو محاولة لتصوُّر الذات وتقديمها كموضوع معلوم عبر سرد يعيد هيكلة الذات كتاريخ واستنتاجات. وما يمكن إضافته على هذا أن عملية الاعتراف تتيح للقارئ استكشاف هويته هو أيضًا؛ فبإصغائه إلى بوح يقوم به شخص آخر، وبمشاركته في رحلته التي لم تتح له كقارئ، يتعرف هو إلى نفسه ويعترف بها بعد أن كُشِف الغطاء عنها بفعل الآخر الذي يقول ما لا يجرؤ القارئ على قوله، أو فعله، أحيانًا. وتشكّل الذاكرة عنصرًا مهمًا من عناصر تشكيل الهوية هذه؛ فإذا كانت الذاكرة هي ما يعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتَيهما الخام فإن امتداد هذه الهوية في الزمان،ومن اللافت للنظر كذلك دمج الأبيات الشعرية التي ارتبطت بمضمون النص وعبرت عن مشاعر الأبطال ببراعة. أضفت هذه الأبيات الشعرية الطابع العراقي الأصيل على النص وأكدت على خصوصية المكان = الناصرية من جهة. ومن جهة أخرى ساعدت على الإيحاء بواقعية النص الحدث. وتعد هذه السمات من أهم وظائف استخدام المسرح الاسقاطي.
ولم يكن لجنس أدبيّ أن ينقل لنا هذا الجو المأساويّ والملتبس مثل ما يفعله المسرح والذي يعتمد عنصر التّشويق الدّائم ليصوّر هذا الجوّ الغامض والمأساويّ الذي يعيشه الشعب..