أشعل كشافه الأزرق وجعل يديره في الأرجاء ، على الرصيف ، في الحديقة ، في ساحة واسعة ، قرب أعمدة الكهرباء ذات الأسلاك المتدلية والمصابيح المعطلة ، يبحث عن شيء كل يوم ، يترك مكتبه وأوراقه وقت الظهيرة حين تكون الشمس في كبد السماء ، ويحمل كشافه ويمارس هوايته المفضلة ، البحث ثم البحث وبعدها يعود إلى بيته الصغير ، يركل شيئا من أثاث لا يجد يدا لتنحيه فتضعه في مكانه ، دلو ، وسادة ، غطاء ، حذاء ، صحن ربما ، أي شيء ..، فهو لا يهتم بنظام البيت ولا بترتيبيه ، حتى مكتبه وخزانته لا يظهر فيهما شيء من اعتناء ، هو مشغول أكثر بقراءة كتبه ومجلاته وكتابة مقالاته وقصصه وأشعاره ، يكتب كل شيء يجده حينما بعدما ينتهي من البحث بكشافه وقت الظهيرة..
ينحي كأس شاي وعلبة سردين بيده عن طرف المكتب ليفسحا له المجال لعصر فكرة من أفكاره يخشى عليها الضياع فلا يستطيع كشافه أن يعيدها من جديد ..، أثار صنيعه فضول كثير ممن يراه يبحث بكشاف وقت الظهيرة ، فكانوا يتهمونه بالجنون كثيرا ما كان يسمع من أحدهم عبارات من قبيل: أحمق ، معتوه ، مجنون ، أو دعاء ممن كان في قلبه شيء من رحمة : الله يعفو عليه ، مسكين ” ، كان يصم أذنيه عن مثل هذه العبارات التي تعود عليها فكان يسخر في داخله بنوع من التعالي الذي أكسبته إياه قوة تفكيره ونشاطاته الإبداعية ، فكان شديد الترفع عن هراء يسمعه في الرصيف ..
رجل ببذلة زرقاء يقف عند الرصيف ، يريد العبور إلى الجهة المقابلة ، نظر إليه وهو يبحث كعادته فصرف نفسه عن العبور ، توجه بخطى ثابتة نحو الرجل ، نظر إلى يده اليمنى ممسكة بالكشاف ، فقال : عذرا سيدي ، عما تبحث في واضحة النهار؟ فأجابه قائلا: عن فكرة سقطت هنا .
تفرس الغريب في الرجل قليلا ورأى وثوقا عجيبا في كلامه ، وقال: أنت لست رجلا عاديا ، من رأى صنيعك هذا اتهمك بالجنون ، غير أني أراك أعقلهم جميعا.
أطفأ الرجل كشافه الأزرق ونظر قليلا في هندام الرجل الغريب وقال: لا فرق بيني وبينك أيها الرجل ، فأنت أيضا تبحث عن فكرة سقطت في الرصيف ، فقال الغريب: كيف ؟ لم أفهم مقصدك .
رد الرجل : ما دمت فطنت إلى تعقلي وأدركت ما أصنع من بحث عن الحقيقة فكلانا يحمل نفس الهم الذي لا يفطن إليه العوام من الناس .
الرجل الغريب: تقصد البحث عن معنى الحياة عبر أعمال الشك في الأشياء
الرجل: ها أنت قلتها إذن ، لا يمكن الوصول إلى حقيقة الأشياء وإدراك جوهر الأفكار ما لم نخلق مسافة بيننا وبينها عبر التأمل والبحث المضني ، إذ لا سبيل لمعرفة الحقيقة في الحياة إلا بإشعال المصابيح ، فهي النور الذي يرشدنا إلى الطريق ودونها نظل في شك وتأرجح يبعدنا عن إدراك الجوهر المختبئ فينا.
الرجل الغريب: حقا أيها الفيلسوف ، كم نحن بحاجة إلى أن يمسك كل واحد منا كشافه ويغوص به في أعماق الزرقة ليستكشف بعض الحقيقة فهما للوجود وإدراكا لمعنى الحياة.
أشعل الفيلسوف مصباحه وسار في طريقه نحو ساحى خالية في هامش منعزل عن المدينة ، وعبر الرجل الغريب ذو البذلة الزرقاء طريقه نحو الرصيف المقابل وأخرج من جيب سترته مصباحا أزرق وشرع يبحث عن فكرة سقطت على الرصيف.