“أمسك عليك لسانك يا محمد ابن أبو جمال، ماذا لو “طنّشت” قليلا من أجل سكر عينيها! … لا، لا أستطيع؛ فهي نصبت المجرور، وجرت المرفوع، ولا تعرف الفرق بين القصة والثرثرة، لا، لن أسكت؛ فأنا ناقد، مهنتي النقد، ومهمتي النقد”.
رفعت الصبية يدها قليلا، ثم هزتها، نثرت ابتسامة من ياسمين على وجوه الحاضرين، ثم قرأت جملة أخرى، فكسرت ما وقف في طريقها من أسماء، وحطمت ما استقبلها من أفعال، وعثرت كثيرا بحروف العطف والجر بعد أن تشابهت عليها، ثم نظرت إلى الحاضرين بجمال ورقة ونعومة فصفق لها الحاضرون بقوة وحماس.
يفور دم محمد ابن أبو جمال، فيمرر أصابعه على وجهه، ويمسك لسانه بقوة:” إياك إياك! ولا كلمة، ألا ترى ذاك الجالس المتأنق أمامها كيف يبتسم لها، ويهز رأسه كلما نطقت حرفين وكلمة؟
لكن، هذا من الذين جاؤوا برفقتها، وأنا ناقد، والناقد مهمته الكشف والتصحيح والتوضيح والتعزيز …
لا، لن توضح شيئا، لن تشرح شيئا، لن تقول شيئا، لن تتورط في رسم ملمح غضب أو حزن على هذا الوجه الملائكي، ألا ترى أنهم كلهم يصفقون، كلهم مستمتعون إلا أنت يا محمد، فلم تصر على جعلهم ينفضّون من حولك؟ ماذا لو تناسيت قليلا؟
تقرأ الصبية سطرا آخر فتخفي تحت لسانها نصف حرف الراء، وتلغي حرف القاف، وتخنق حرف الجيم قليلا، وتعصر حرف اللام قليلا، ثم تحمّله ما لا يطيق.
يهتز القهر في نبضات محمد ابن أبي جمال، فيتقلص صدره وينكمش، فيحاول إيقاظ أنفاسه، وتهدئة فوران دمه:
“ماذا لو تناسيت قليلا أخطاءها، لا ضير عليك اليوم إن وضعت أصابعك في أذنيك، وأغمضت عينيك؟
– لكن!؟
-من غير لكن، أمسك عليك لسانك يا محمد ابن أبو جمال! وإلا!”
تفتح الصبية صفحة أخرى، وترفع برفق خصلة شعر تجرأت واقتربت من عينيها، فصفقت لها عيون الحاضرين، ونثرت لها ابتسامات ياسمينية في المكان، قرأت بشفتين راقصتين سطرا، فازدحم المكان بالثناء
-جميل
-لطيف
-الله الله
-رائع
“ويلك يا محمد ابن أبو جمال! اركب معهم ولا تكن من الخاسرين، وإلا بقيت وحدك على شاطئ الوحدة، واتهموك بمعاداة الأدب الواقعي والمتمرد والنسوي!”
تنظر الصبية بابتسام إلى محمد ابن أبو جمال وهو يتهيأ للكلام، يزدحم صدره بالأنفاس الحارة
“قل شيئا، ألا ترى ابتسامتها، ألا يشفع لها سكّر عينيها؟”
محمد ابن أبو جمال بحماس:
الله الله، رائع، جميل، لطيف، ظريف، محلق، إبداع، رائع، مدهش، جمال، أعيدي وزيدي!