لم تكن خالتي مجرّد امرأة من لحم ودم، بل كانت من تلك الأرواح التي تسكن البيوت كما تسكن الرائحة زوايا الذاكرة. كانت ظلًا باردًا في قيظ الحياة، وصوتًا دافئًا في ليالي الشتاء الطويلة. كانت امرأة من زمن آخر، حين كانت الطيبة لا تُعد ضعفًا، والصبر لا يُرى عبئًا.
لم أعرفها مريضة، ولا رأيتها تشتكي. كانت تخبئ أوجاعها كما تخبئ النساء قوارير العطر القديمة في الخزائن، لا لشيء، سوى لأنها تعلّمت أن الوجع حين يُقال، يجرّ معه وجع الآخرين، وهي لم تكن من الذين يحبّون أن يُتعبوا أحدًا.
مرضت خالتي، نعم، لكنّها فعلت ذلك بهدوء من يعرف الطريق، وكأنّها استعدّت منذ زمن لهذا العبور الأخير. لم تقاوم، لم تثر، لم تنهر، بل تسلّلت من الحياة كما يتسلّل الضوء من تحت الباب عند الفجر، لا يُحدث ضجيجًا، لكنّه يُوقظ فينا شيئًا لا يُقال.
كانت الزيارات إلى المستشفى قصيرة، موحلة، باردة. هناك، بين أنين الأجهزة، كانت ملامحها تذبل كما تذبل شجرة في صمت الخريف. لم تكن تتألم، أو لعلها كانت تتألم في صمت، لأن خالتي لم تكن تعرف كيف تشتكي، كانت فقط تهمس: “قولوا ما تنسوش الدعاء”، ثم تعود إلى صمتها النبيل.
وفي تلك الليلة، رنّ الهاتف كما يرن ناقوس النهاية. لم يقل المتصل الكثير، بل اكتفى بجملة قصيرة، كافية لتغيير وجه البيت إلى الأبد: خالَتك رحلت.
كلمة “رحلت” كانت أثقل من أن تُقال، لكنها قيلت، وسقطت على الروح كما يسقط حجر في بئرٍ من الذكريات.
في الجنازة، سار الناس خلف النعش كما يسيرون خلف ظلّهم في آخر النهار. بكَت النساء، وصمت الرجال، أما أنا، فظللت أبحث عن وجهها في وجوه الحاضرين، عن صوتها في الدعاء، عن أثر قدميها في الطريق إلى المقبرة. كلّ شيء بدا غريبًا بدونها، حتى التراب الذي احتضنها بدا وكأنّه يتنهّد حزنًا.
حين دُفنت، لم أذرف دمعة، لا لأنّ الحزن غائب، بل لأنّه كان كبيرًا إلى درجة أنه تجاوز الدموع. كنت واقفًا هناك، أصغي لقلبي وهو يودّعها دون كلام، كنت أسمع أنينًا لا مصدر له إلا داخلي.
مضت الأيام، لكن شيئًا لم يمضِ فعلاً. غيابها ظلّ حاضرًا في التفاصيل الصغيرة: في رائحة النعناع، في حفيف أوراق الزيتون، في شتاء البيت الذي صار أبرد منذ أن رحلت. كنت أستيقظ أحيانًا على صوت يشبه صوتها، ثم أبتسم بحزن حين أكتشف أنه مجرد وهم.
خالتي لم تكن مجرّد خالة، كانت وطنًا صغيرًا، أمًا ثانية، حنانًا لا يُقاس. وقد رحلت، نعم، لكنّها تركت أثرًا لا تمحوه السنوات، ولا تمسحه الذاكرة.
سلامٌ عليكِ يا خالتي، يوم كنتِ تُضحكيننا ونحن نغرق، ويوم رحلتِ دون وداع.
سلامٌ عليكِ في تربك، وفي دعائنا، وفي تفاصيلنا التي لم تعد كما كانت.
سلامٌ عليكِ حتى نلقاكِ.