عام ١٩٦٩ كلف الرئيس جمال عبد الناصر نائبه محمد أنور السادات بالسفر إلى المملكة المغربية لحضور المؤتمر الإسلامي بالرباط بعد حريق المسجد الأقصى .. ذهب للرباط لإلقاء كلمة مصر وكانت لديه مهمة سرية وهى الصلح مع شاه إيران بناء على مبادرة من العاهل السعودي جلالة الملك فيصل فقد كانت العلاقات المصرية الإيرانية مقطوعة منذ عام ١٩٦٠ وعندما وصل السادات المغرب اتصل بالملك الحسن الثاني وطلب منه يرتّب لقاء في غرفته بينه وبين محمد رضا بهلوي شاه إيران وبعد ساعة أبلغ جلالة الملك الحسن العاهل المغربي محمد أنور السادات بأن الشاه رفض وقال : مُصر تحضر له لأن السادات نائب الرئيس والبروتوكول يقول أن النائب يذهب للرئيس وليس العكس ولكن السادات رفض .
بدأ المؤتمر والشاه في كلمته عرض تقديم المساعدات المالية والدبلوماسية لمصر بشرط إنها تكون قد تعلمت من هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧ فقام السادات من مكانه وقال بصوت عال : إن مصر لا تستجدي أي إحسان والشرف العربي يأبى ذلك والشعب المصري وحكومته سيتحملان عبء الهزيمة ومسئولية النصر في المستقبل وحيدًا إذا اقتضى الأمر ثم نظر إلى محمد رضا بهلوي شاه إيران وقال بيت شعر باللغة الفارسية والتي كان يتقنها ٠٠ ومعنى البيت الشعري : من يأكل خبزه من عمل يده وعرق جبينه لا يحتاج إلى كرم أحد ولا يرضى أن يُمَنّ عليه أحد .
تكهرب الجو وطلب شاه إيران الكلمة وقال للملك الحسن : هل هذا المؤتمر منتدى شعري ؟ لو كنت أعلم أن بيننا هنا شعراء لكنت قد جلبت بعضًا منهم معي من إيران لأن لدينا الكثيرين ولم يصمت السادات بل هاجم إيران بسبب العلاقة القوية مع إسرائيل ونقد مقترحات الشاه للتعامل مع حريق المسجد الأقصى وبعد ذلك قام السادات بتلطيف الأجواء مع الشاه وقال باللغة الفارسية قصيدة لشاعر إيراني مشهور تدعو لعلاقات أخوة ومحبة بين الناس ثم قال كلمات جميلة عن والد الشاه .
القصيدة أعجبت الشاه ولذا صفق للسادات وبعد انتهاء المؤتمر ذهب الشاه لمقر أقامته وجلس مع وزير خارجيته وعاتبه لأنه لم يخبره بأم السادات خطيب مفوّه بالفارسية وحافظ الشعر القديم وقال : السادات رجل مثير للاهتمام وعلى أية حال قم بترتيب اللقاء الذي طلبه جلالة الملك فيصل .
بعد ساعات حضر الملك فيصل وجلس مع الشاه ثم انصرف وبعد ذلك جلس السادات مع الشاه لمدة ساعتين ومنذ ذلك اللقاء بدأت الصداقة العميقة بين السادات والشاه وعندما توفى الرئيس جمال عبد الناصر أرسل الشاه رئيس وزرائه للقاهرة وبعد حضور الجنازة جلس مع السادات وأبلغه دعم إيران الكامل له ولمصر تحت قيادته والاستعداد لاستئناف العلاقات على أعلى مستوى بمجرد الانتهاء من فترة الحداد على الرئيس جمال عبد الناصر ٠
بدأت عودة العلاقات والصداقة بين مصر وإيران وكان الشاه لايقول إلا أخي أنور السادات وخلال معارك أكتوبر ١٩٧٣ قام الشاه بدعم الرئيس السادات رغم العلاقة القوية بين إيران وإسرائيل فعندما كان احتياطي البترول على وشك النفاد اتصل الرئيس السادات بالشاه وعلى الفور لبى مطلبه وأمر بتحوّل المراكب الإيرانية الذاهبة لأوروبا إلى الإسكندرية وأمرها بتفريغ حمولتها هناك ثم أرسل بعت برقية للرئيس سادات قال فيها : في الطريق إليك ٦٠٠ ألف طن بترول كانت في طريقها إلى موانئ أوروبا وأمرت بإرسالها إلى الإسكندرية كشحنة أولى وأرجو أن ترسل وزير البترول المصري إلى طهران ليحدد ما يطلبه من البترول تباعًا ووصل حجم المساعدات المالية الإيرانية لمصر فيما بعد إلى حوالي ٩٠٠ مليون دولار وعرض الشاه على السادات المساهمة في تعمير مدينة بورسعيد وفي رسالة تاريخية قال : باسم بلادي أريد أن أشارك في بناء وإنعاش مدينة بورسعيد كمنطقة حرة لخدمة التجارة والصناعة العالمية وأرجو أن تقبل منّا ٢٥٠ مليون دولار كمعونة ٠٠ يمكنكم تسديدها على أجل طويل .
عام ١٩٧٥ عندما قرر الرئيس السادات عودة افتتاح قناة السويس أمام الملاحة العالمية قدّم محمد رضا بهلوي شاه إيران معدات تقيلة لتطهير القناة ثم أرسل ابنه لحضور حفل الافتتاح وعندما سئل الشاه عن سر حبه للرئيس السادات ؟ قال : إنه الشخص الوحيد الذي شعر معه ولأول مرة في حياته بمعنى الصداقة الحقيقية ٠٠ ثم وصفه بأنه ( شخص مخلص لن يتخلى عني أبدًا )
عام 1977 عندما أعلن الرئيس السادات عن مبادرته للسلام انقلب الشرق الأوسط ضده ولكن شاه إيران حضر إلى أسوان في زيارة لليلة واحدة وأعلن تأييده أمام العالم للرئيس سادات قال للرئيس السادات : الصراع العربي الإسرائيلي كلف مصر أكثر مما تحتمل وحان الوقت لكي تلتفت مصر لنفسها وتهتم بشئونها الخاصة وما تفعله هو الصحيح .
غاد الشاه أسوان إلى السعودية وفي المفاوضات الأخيرة مع إسرائيل كان الشاه محامي السادات ودافع عن مواقفه في كل اتصالاته مع الإسرائيليين والأمريكان وقال : لازم تستجيبوا للي بيطلبه وترجعوله أرضه لأنه إنسان صادق وعاوز السلام فعلًا ومش بيناور وفجأة كانت الثورة الإيرانية وخسر الشاه محمد رضا بهلوي عرشه وبدأت مأساته وتخلى عنه الحلفاء لدرجة أن أمريكا رفضت دخوله البلاد للعلاج من السرطان في نيويورك ولكن الرئيس السادات عرض عليه الاستضافة ووقتها اتصل الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بالرئيس السادات وحذّره من استضافة الشاه وخطورة هذا على عملية السلام وعلى الوضع الداخلي خوفًا من رد فعل الإسلاميين لكن الرئيس السادات حسم الموقف في المكالمة وقال للرئيس الأمريكي : جيمي .. أريد الشاه هنا وأريده حيًا وبالفعل وصل الشاه وأسرته لمصر وقابله الرئيس السادات في المطار وأخده على مستشفى المعادي لتلقي عشان العلاج في الطريق إلى المستشفى بكى الشاه وقال للرئيس السادات : أنا لم أفعل شيئًا من أجلك ولكنك الشخص الوحيد الذي يستقبلني بطريقة كريمة فالآخرون الذين ساعدتهم لم يردوا المعروف بالمثل إن هذا ليستعصي على فهمي .
توفى محمد رضا بهلوي يوم 27 يوليو 1980 وتوفى الرئيس السادات يوم 6 أكتوبر 1981 وتوفى جيمي كارتر يوم 29 ديسمبر عام 2024 ولكن مازالت تلك المواقف في ذاكرة التاريخ وسوف تظل مابقيت الحياة .