خلاصة الرؤية النقدية (Abstract)
تُحلل هذه الدراسة رواية “هيباتيا تعود ” (٨٩ فصلاً) كنموذج سردي يُصوِّر مأزق الوعي المُستنير في مواجهة الاستبداد الاجتماعي والسياسي.
تعتمد الدراسة النقدية على المنهج البنيوي التكويني (لوسيان غولدمان) لربط البنى الدرامية المتوازية (الطبقي، الروحي، الهوياتي) بـ “رؤية العالم المأساوية” للطبقة المثقفة.
تُثبت الدراسة النقدية أن الرواية تُكرّس مفهوم أن الفداء الجسدي (اغتيال هبة وصلب سانتينو) هو الثمن الوحيد لتحقيق النقاء الأخلاقي والتحرر الفكري في هذا الواقع المُلغَّم.
كما تُقدم الرواية نقداً مزدوجاً للنظام (الفساد) وللثورة (الغوغائية)، مؤكدةً أن خلاص الفرد مرهون بـ التضحية العُليا.
١. الإطار المنهجي:
المأساة والوعي المُمكن
يُعد اختيار المنهج البنيوي التكويني مناسباً لقراءة هذا العمل نظراً لعمقه الفلسفي وتعدد أصواته. لا تكتفي الرواية بوصف الواقع، بل تعكس “الوعي الممكن” (لوسيان غولدمان) لجماعة اجتماعية (البرجوازية الليبرالية والمثقفة المتمردة) التي ترى أن التوفيق بين القيم المطلقة (الحقيقة والعدالة) والواقع المُستبد هو أمر مستحيل.
تنتهي الرواية بـ “رؤية عالم مأساوية”؛ فالبطل (محسن أو هبة) لا يجد تحقيقاً لغايته إلا من خلال الفناء أو الانعزال. المصير المأساوي لشخصيات المحور الفكري (اغتيال هبة وصلب سانتينو) يُرسخ هذا المفهوم، مؤكداً أن النقاء لا يُنجز إلا عبر التضحية المُعلَنة.
٢. البناء السردي:
تداخل المسارات والتكثيف الرمزي.
اعتمدت الرواية على تقنية التناوب السردي بين الخطوط الأربعة، مما أدى إلى بناء سردي مُحكم ولكنه مُشَتِّت، يحاكي حالة السيولة والانقسام التي سبقت الثورة.
أ. الرمزية الأسطورية وميتاسرد “هيباتيا”
تُمثل مسرحية “هيباتيا تعود” هي القلب الفلسفي للرواية. إن تكرار مصير الفيلسوفة هيباتيا (رمز العقل) في مصير الدكتورة هبة (رمز الحكمة المناهضة للجهل) يُحوّل الاغتيال من حادثة فردية إلى ظاهرة تاريخية متكررة للظلام ضد النور.
هذا الميتاسرد يؤكد أن السلطة والجهل يُلغيان العقل في كل زمان.
وقد تم دمج هذا الرمزية بنجاح عبر شخصية دليلة التي تؤدي دور ماجداً، لتربط بين الصراع الروحي للممثلة وصراع التحرر الفلسفي للشخصية على خشبة المسرح.
ب. جدلية الدم والجسد
يُعتبر الدم في الرواية المادة السائلة التي توحّد جميع خطوط الصراع: إنه ثمن الفساد (دم الأبرياء على كف الشويحي)، وثمن التحرير (دماء الشهداء)، وثمن الحقيقة (دماء هبة).
هذا الدم يمثل التكلفة الوجودية للوجود في عالم فاسد.
كما أن الجسد يُستخدم كـ أداة للعقاب (تعذيب مهتدى)، وكـ معبد للخطيئة (قصة سانتينو).
يصبح التحرير الحقيقي في الرواية هو التحرر من سلطة الجسد المادي سواء بالصلب أو الاغتيال أو التجرد الروحي، وهي فكرة متأصلة في النقد الأسطوري لتيمة الفداء (نورثروب فراي).
٣. تحليل المسارات الطبقية والفلسفية.
أ. التمرد الطبقي وتطهير الإرث (محسن وسامي)
يمثّل محسن الشويحي نموذج البرجوازي التائب الذي يرفض وراثة الفساد، فيختار الفقر الطوعي. هذا الاختيار هو تمرد أيديولوجي مُعلَن على طبقته. ويُعزز هذا التمرد فعله في التبرع بدمه لـ هبة، كفعل رمزي للتطهر الطبقي والانتماء إلى صفوف الضحايا.
على النقيض، يُمثّل سامي عزالدين نموذج الرأسمالي المُتذبذب؛ فهو يحاول أن يكون إنسانياً مع عماله، لكنه يختار في النهاية الهروب مع عائلته، ليصبح جزءاً من رأس المال الفارّ من المحاسبة، مؤكداً أن الروابط الطبقية أقوى من الروابط الأخلاقية الفردية.
ب. الهوية المُكتَسَبَة وثمن الحقيقة (هبة)
تُعد أزمة هبة مع هويتها (اكتشاف التبني) هي جوهر الهاجس الوجودي في الرواية.
هبة ترفض أن تُعرَّف بـ “النسب البيولوجي” وتُصرّ على أن الهوية هي صناعة عقلية وأخلاقية. إعلانها في المحاضرة عن هويتها المُكتسبة هو قمة التحرر الوجودي (سارتر، الوجود والعدم)، حيث يختار الفرد ذاته بعيداً عن الإلزام البيولوجي.
اغتيالها برصاص قناص هو الإلغاء الرمزي للوعي الذي تحدى سلطة الأصول الاجتماعية وفساد السلطة السياسية.
ج. الفداء الكاثوليكي والتطهير الروحي (سانتينو وماجداً).
تُعد قصة سانتينو وماجداً بمثابة البنية الفلسفية التي تتناول التضحية كوسيلة للخلاص.
يرى الراهب سانتينو أن الصلب هو السبيل الوحيد للتخلص من “خطيئة الجسد”، مُحقِّقاً بذلك الفداء الروحي لنفسه ولـ ماجداً. هذه الأخيرة تستجيب لهذا الفداء بالتجرد من المادية، حيث تخلع ملابسها عند عتبة الكنيسة، كإعلان عن التطهير الكامل والوصول للنقاء الروحي بعد التحرر من عبودية الجسد والمال (أركون).
٤. الثورة كنقد اجتماعي: جدلية الغوغائية والتحرر
تتعامل الرواية مع ثورة يناير كـ “مختبر اجتماعي” يكشف التناقضات الكامنة في المجتمع.
يمثّل مهتدى البوقيري نموذج المثقف العضوي (غرامشي) الذي يدفع ثمن وعيه بالسجن والتعذيب، ويكون تحالفه مع محسن ضرورياً لتفجير الثورة.
لكن الرواية تُسلط الضوء على الوجه القاتم للثورة:
يُبرز المشهد الأشد قسوة في الرواية (الفصل ٨٨) تحول الثورة إلى أداة للانتقام الطبقي الأعمى.
استغلال فايز (رمز للنصاب المُتخفي في ثوب الثائر) لأجواء الميدان لتمزيق ملابس فاريم (رمز المثقفة المتمردة) يُدين فوضى التحرر.
هذا المشهد هو تحذير صريح من أن الثورة، حين تفقد قيادتها العقلانية، يمكن أن تُطلق “العنف المُهين” الذي لا يُميز بين العدو والصديق (فانون، معذبو الأرض).
هذا النقد المزدوج للسلطة وللثورة يضع الرواية في مصاف الأعمال الأدبية الأكثر عمقاً في مرحلة ما بعد الثورة.
٥. الخلاصة النقدية :
تُقدِّم رواية “هيباتيا تعود” نموذجًا فريدًا للرواية الثورية الفلسفية التي تتجاوز التوثيق لتصل إلى التساؤل عن جدوى الوعي في زمن القمع.
إن البنية المزدوجة لاغتيال العقل (هبة) وصلب الجسد (سانتينو) تُلخِّص الرسالة النهائية للعمل:
التحرر الحقيقي يتطلب الفداء، والخلود يُكتب للفكرة لا للجسد السليم.
أّوصَى هذه الدراسة للنشر لعمق تحليلها البنيوي، وتركيزها على المصطلحات النقدية الموثقة، ومقاربتها لـ أدب التمرد والفداء في مرحلة ما بعد الثورة.
بطاقة تعريفية بالمؤلفة :
الاسم / مرفت أحمد محمود إسماعيل
اسم الشهرة / مارا أحمد
الكلية / كلية الآداب والتربية / قسم لغة إنجليزية / جامعة عين شمس
كلية آداب / قسم فلسفة جامعة القاهرة
الأعمال/ “نون ومايسترون ” مجموعة قصصية
رقم الايداع //2020 /7588
الترقيم الدولي /8-12-6817-977- 978
– ´لعنة روح´رواية
رقم الرقم الإيداع /2020/74694
الترقيم الدولي / 0 -31-6836-977-978
-“هيباتيا تعود ” رواية
رقم الإيداع /2021/5379
الترقيم الدولي / 3-089-993-977-978
المراجع الأكاديمية (References):
1-لوسيان غولدمان.
من أجل علم اجتماع الرواية. ترجمة: لبيب فخري ، دار الآداب، بيروت.
2-جان بول سارتر. الوجود والعدم. ترجمة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
3- نورثروب فراي .
تشريح النقد.
ترجمة: صبحي محي الدين ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
4-فرانز فانون .
معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي، دار الطليعة، بيروت.
غرامشي، أنطونيو.
5-دفاتر السجن. ترجمة: إيهاب عبد الحميد، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
6-ميشيل فوكو . المراقبة والمعاقبة.
ترجمة: علي الفزاع، المركز الثقافي العربي، بيروت.
جزيل شكري….
دائما ما أردد ان بعض النقد هو إبداع مواز للعمل الفني ..وهو المصعد الذي قد يرفع العمل أو يهبط به سريعا…
قراءتك أضافت ابداعا ..وفتحت ابوابا لقراءات متعددة للرواية